تعريفه:
عرفه ابن القيم ﵀ بقوله: "هو النظر إلى سعة رحمة الله" (^١).
إذن، الرجاء الطمع في رحمة الله والنظر إلى سعتها.
من أدلة الكتاب والسنة على الرجاء:
• أخبر -﷾- عن سعة رحمته فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
• وقال -﷾- مخاطبًا من أسرف على نفسه بالمعاصي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
دلت الآيات على سعة رحمة الله تعالى، مما يفتح باب الرجاء للعبد، ويحدوه إلى التوبة من ذنوبه، وعليه أن يحذر من اليأس والقنوط من رحمة الله.
وعن أَنَس بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ (^٢) خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).
(٢) "أي: بما يقارب ملأها" النهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٤) مادة (قرب).
(٣) أخرجه أحمد (٣٥/ ٣٧٥) ح (٢١٤٧٢) عن أبي ذر -﵁-، والترمذي واللفظ له (٥/ ٥٤٨) ح (٣٥٤٠) من حديث أنس -﵁- وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، والحاكم بلفظ مقارب عن أبي ذر -﵁- (٤/ ٢٦٩) ح (٧٦٠٥) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٥٠) ح (١٢٧)، وحسنه محقق المسند (٣٥/ ٣٧٥) ح (٢١٤٧٢).
[ ٣٧ ]
وعنه -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ- لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللهَ لَغَفَرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ -أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ-، لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (^١).
دل الحديثان على رحمة الله الواسعة بعباده المذنبين إذا أقبلوا عليه تائبين مستغفرين.
من أقوال العلماء في الرجاء:
قال الغزالي ﵀: "الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود" (^٢).
وقال ابن القيم عليه رحمة الله: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير" (^٣).
"وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه" (^٤).
وقال شاه الكرماني ﵀: "علامة صحة الرجاء حسن الطاعة" (^٥).
وقال أبو علي الروذباري عليه رحمة الله: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت" (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢١/ ١٤٦) ح (١٣٤٩٣)، ومسند أبي يعلى (٧/ ٢٢٦) ح (٤٢٢٦)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٥) ح (١٧٦٢٤): "رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجاله ثقات"، وقال محقق المسند (٢١/ ١٤٦) ح (١٣٤٩٣): "صحيح لغيره".
(٢) إحياء علوم الدين (٤/ ١٤٢).
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٣٦).
(٤) مدارج السالكين (٢/ ٣٦).
(٥) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).
(٦) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (١٧/ ٨٩) مدارج السالكين (٢/ ٣٧).
[ ٣٨ ]
المبحث الثالث: عبادات قلبية لها تعلق بالحج، وفيه مطالب.
المطلب الأول: التوبة والاستغفار.
المطلب الثاني: الاهتمام بشرط قبول العمل.
المطلب الثالث: ارتباط الحج بالتوحيد.
المطلب الرابع: ارتباط الحج بالتقوى.
[ ٣٩ ]