والفرق بينها وبين الرياء: أن السمعة تتعلق بحاسة السمع (^١)، والرياء يتعلق بحاسة البصر (^٢). وكلاهما بمعنى متقارب في نتيجة الحكم عليهما كما سيأتي.
حكم السمعة:
السمعة حكمها كحكم الرياء، فكل ما ورد في الرياء من الأدلة يرد فيها، وقد جاء في السنة ما يبين عظيم خطرها، ومن ذلك:
قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ».
عن جندب -﵁-: سَمِعْتُ رسول الله -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث (^٣).
وكان عبد الله بن عمرو ﵄ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (^٤).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» (^٥).
وحكمها حكم الرياء، وبالذات حينما تقارن العمل.
قال ابن حجر ﵀: "والسمعة .. مشتقة من سمع، والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر" (^٦).
_________________
(١) أي: الأعمال التي تسمع من تلاوة أو ذكر أو دعاء ونحو ذلك؛ لأجل سماع مدح الناس.
(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٣٣٦).
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٦٤) ح (٧١٥٢).
(٤) أخرجه أحمد (١١/ ٤٣٠) ح (٦٨٣٩)، وقال في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٢) ح (١٧٦٦٠): "رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح"، وقال محقق المسند (١١/ ٤٣٠) ح (٦٨٣٩): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٥) أخرجه أحمد في المسند (١١/ ٥٦٦) ح (٦٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١١٧) ح (٢٥)، وقال محقق المسند (١١/ ٥٦٦) ح (٦٩٨٦): "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(٦) فتح الباري (١١/ ٣٣٦)
[ ١٤٦ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀ بعد أن ذكر تعريف الرياء: "ويدخل في ذلك من عمل العمل ليسْمَعَه الناس" (^١).
ما يستثنى من السمعة:
ويستثنى من السمعة المحرمة ما يعمله الإنسان المقتدى به، فيظهر العمل ليقتدي به الناس، بشرط أن يحرص على سلامة نيته من مقصد السمعة المذمومة، وذلك بحبه لسماع ثناء الناس ومدحهم.
وقال ابن حجر ﵀: "وفي الحديث (^٢) استحباب إخفاء العمل الصالح، لكن قد يستحب إظهاره ممن يقتدى به على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم (^٣)، ومنه حديث سهل الماضي في الجمعة: «لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» (^٤) قال الطبري: كان ابن عمر وابن مسعود وجماعة من السلف يتهجدون في مساجدهم ويتظاهرون بمحاسن أعمالهم ليقتدى بهم، قال: فمن كان إمامًا يستن بعمله عالمًا بما لله عليه قاهرًا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي؛ لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك، فالإخفاء في حقه أفضل، وعلى ذلك جرى عمل السلف، فمن الأول حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: سمع النبي -ﷺ- رجلًا يقرأ ويرفع صوته بالذكر، فقال: "إِنَّهُ أَوَّابٌ" قال: فإذا هو المقداد بن الأسود أخرجه الطبري (^٥).
_________________
(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ١٢٤).
(٢) يقصد ابن حجر ﵀ حديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ».
(٣) لم أجده بهذا اللفظ فيما تيسر لي من كتب العز بن عبد السلام، ووجدت قريبًا منه في كتابي: الفوائد ومقاصد الرعاية له ﵀. ينظر: الفوائد في اختصار المقاصد (١٢٥ - ١٢٧)، مقاصد الرعاية لحقوق الله (٩٨) كلاهما للعز بن عبد السلام.
(٤) وهو في مسلم (١/ ٣٨٦) (٥٤٤).
(٥) لم أقف عليه فيما تيسر من مصادر، ولكني وجدت قريبًا منه في مسند أحمد (٣١/ ٣٠٦) ح (١٨٩٧١) ولفظه: عَنِ ابْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: كُنْتُ أَحْرُسُ النَّبِيَّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَخَرَجَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، قَالَ: فَرَآنِي، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا، فَمَرَرْنَا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «عَسَى أَنْ يَكُونَ مُرَائِيًا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يُصَلِّي يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ، قَالَ: فَرَفَضَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ»، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَأَنَا أَحْرُسُهُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَرَرْنَا عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي بِالْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: عَسَى أَنْ يَكُونَ مُرَائِيًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «كَلَّا إِنَّهُ أَوَّابٌ»، قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ ذُو الْبِجَادَيْن. وقال في مجمع الزوائد (٩/ ٣٦٩) ح (١٥٩٨٢): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح"، وحسن إسناده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٨٥) ح (١٧٠٩)، والحديث ضعف إسناده محقق المسند (٣١/ ٣٠٦) ح (١٨٩٧١).
[ ١٤٧ ]
ومن الثاني حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قام رجل يصلي، فجهر بالقراءة، فقال له النبي -ﷺ-: «لا تسمعني، وأسمع ربك» أخرجه أحمد (^١)، وابن أبي خيثمة، وسنده حسن" (^٢)
من مظاهر السمعة عند من ابتلي بها (^٣):
١ - ما ورد من مظاهر في الرياء وما سيرد في العجب كلها متقاربة.
٢ - كثرة إطراء النفس والحديث عنها.
٣ - التمطيط بقراءة القرآن وإخراجها عن الحد المشروع في القراءة، حتى يخيل لك أنه لا يقرأ وإنما ينشد شعرًا، ويتفاعل مع جماهير السامعين ويردد الآية لا للتدبر، وإنما للتمطيط وزيادة التنغيم والدخول من مقام إلى مقام آخر، حتى يشبع رغبة في نفسه بحب ثناء الناس ومدحهم.
٤ - لا يحب الناصح، ويرى أنه ينزل من قدره.
٥ - إذا ألقى درسًا أو موعظة ولم يلق مدحًا ولا ثناء يغضب في داخل نفسه، وربما لا يواصل درسه أو مواعظه في نفس المكان.
٦ - كثير النقد والاعتراض على الآخرين.
٧ - يتصيد الأخطاء ويفرح بها، ويضخمها وهي صغيرة؛ ليشعر من يسمعه أنه عنده غيرة على الدين.
تنبيه:
أما ما يسمعه الإنسان عنه من ثناء حسن من غير قصد لذلك، وتطلع إليه، فلا يدخل في السمعة المذمومة؛ لأن هذا مما استثناه الحديث، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (^٤).
_________________
(١) مسند أحمد (١٤/ ٧٢) ح (٨٣٢٦).
(٢) فتح الباري (١١/ ٣٣٧).
(٣) الأخلاص حقيقته ونواقضه (٣٦٨ - ٣٧٠).
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٤) ح (٢٦٤٢).
[ ١٤٨ ]
نقل النووي كلام العلماء في معنى قوله -ﷺ-: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» فقال ﵀: "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث (^١)، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (^٢).
قال السيوطي ﵀: "قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» أي: هذه البشرى المعجلة دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة" (^٣).
خطر السمعة:
يقال هنا ما قيل في خطر الرياء لتقارب الآفتين، ويضاف ما ورد في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَة» الحديث.
يَقُولُ -ﷺ-: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ الراوي: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ.
ففي هذين الحديثين بيان عقوبة من يقع في السمعة في الدنيا والآخرة.
وذكر أهل العلم (^٤) في شرح هذا الحديث عدة معان تدل على خطورة السمعة، ودونك أهمها:
١ - أنه إذا عمل يريد سماع ثناء الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه.
٢ - يفضحه الله في الدنيا ويظهر ما كان يبطنه ويخفيه عن الناس.
٣ - وقيل: إذا أراد بالسمعة الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثًا عند الناس
_________________
(١) يشير ﵀ إلى حديث: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ»، وحديث أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ فَيُحِبُّهُ النَّاسُ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ». أخرجه أحمد في المسند (٣٥/ ٣٧٩) ح (٢١٤٧٧)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لمسند أحمد (٣٥/ ٣٧٩) ح (٢١٤٧٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٨٩).
(٣) شرح السيوطي على مسلم (٥/ ٥٥٦).
(٤) ينظر في ذلك: شرح النووي على مسلم (١٨/ ١١٦)، فتح الباري لابن حجر (١١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
[ ١٤٩ ]
٤ - الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة.
٥ - وقيل: المعنى: من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه.
٦ - وقيل: المعنى: من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه، فإن الله يفضحه ويظهر كذبه.
[ ١٥٠ ]