١ - معنى الرفث.
هو الفاحش من القول والفعل، ومنه الجماع ومقدماته القولية والفعلية (^٢)
٢ - معنى الفسوق.
هي المعاصي والآثام بترك أمر الله وارتكاب ما نهى عنه، ويدخل فيه محظورات الإحرام (^٣).
وفي ذخيرة العقبى في شرح المجتبى: "وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعًا في كلّ حال، وفي كلّ حين؛ لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه على أن الحجّ أبعد الأعمال عن الفسق. واللَّه تعالى أعلم" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد واللفظ له (١٢/ ٣٨) ح (٧١٣٦)، وهو في صحيح مسلم بلفظ مقارب (٢/ ٩٨٣) ح (١٣٥٠).
(٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٩/ ١١٩)، تفسير السعدي (ص ٩١).
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٤)، تفسير السعدي (ص ٩١).
(٤) ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (٢٣/ ٣١٦).
[ ١١١ ]
ولأن المعصية في الحرم وفي الأشهر الحرم أشد منها خارج الحرم كما هو معلوم هذا الأمر عند السلف ﵏.
وقد نقل ابن رجب ﵀ عن السلف في هذه المسألة نقولات منها:
" قال ابن عمر: الفسوق: ما أُصيبَ مِنْ معاصي الله صيدًا كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وكان جماعة من الصحابة يتَّقونَ سُكنى الحرم، خَشيةَ ارتكابِ الذُّنوب فيه منهم: ابنُ عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئةُ فيه أعظم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب، قال: لأَنْ أُخطئ سبعينَ خطيئةً - يعني: بغيرِ مَكَّةَ - أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُخطئ خطيئة واحدةً بمكة.
وعن مجاهد قال: تُضاعف السيِّئات بمكة كما تُضاعف الحسنات.
وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.
وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيءٍ من الحديث أنّ السيِّئة
تُكتب بأكثرَ مِنْ واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلَاّ بمكَّة لِتعظيم البلد "ولو أنَّ رجلًا بعدن أبين همَّ" …
وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها، وقوَّة معرفته بالله، وقُربِه منه، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرمًا مِمَّنْ عصاه على بُعد، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء، وإن كان قد عصمَهم منها، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بِعصمَتهم مِنْ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾.
[ ١١٢ ]
وكان عليُّ بن الحسين يتأوَّل في آل النَّبيِّ - ﷺ - من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النَّبيِّ -ﷺ- ".
٣ - معنى الجدال المذموم في الحج (^١).
وهو الجدال بالباطل لنشر الباطل، وهو كما يقول السعدي ﵀ في معنى الجدال في الحج: " والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة" (^٢).
أما الجدال المنهي عنه في الحج فهو الجدال بالباطل والخصام والمنازعة والمماراة لأجل أن ينتصر لنفسه ويغصب صاحبه مما يؤدي إلى رفع الصوت والسب والشتائم والمنازعة والفرقة والاختلاف الذي يدخل بسببه الشيطان بينهم.
وأما الجدال بالحق فليس هو من الجدال المذموم، لكن بشرط أن يكون لأجل توضيح الحق وبيانه لمن يجادل في هذا الأمر جهلًا منه بالحكم الشرعي، وكل منهما يريد الوصول إلى الحق، ويدخل فيه مذاكرة العلم (^٣).
قال ابن مسعود وابن عباس وعطاء: "الجدال هنا أن تماري مسلمًا حتى تغضبه فينتهي إلى السباب، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها" (^٤).
وقال الشيخ محمد علي آدم الاثيوبي في شرحه لحديث جابر في وصف حجة النبي -ﷺ-: " على أهل العلم والفضل أن يغتنموا فرصة التقائهم بالحجاج في المسجد الحرام وغيره من المواطن المقدسة، فيعلّموهم ما يلزم من مناسك الحج، وأحكامه على وفق الكتاب والسنّة، وأن لا يشغلهم ذلك عن الدعوة إلى أصل الإسلام الذي من أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ألا وهو التوحيد، فإن أكثر من لقيناهم حتى ممن ينتمي إلى العلم وجدناهم في جهل بالغ بحقيقة التوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات، كما أنهم في غفلة تامة عن ضرورة رجوع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وكثرة أحزابهم إلى العمل الثابت في الكتاب والسنة في العقائد والأحكام والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الحياة، وأن أيّ صوت يرتفع،
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ٥٤٦).
(٢) تفسير السعدي (ص ٩١).
(٣) ينظر: توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (٣/ ٦٢٩).
(٤) تفسير القرطبي (٢/ ٤١٠).
[ ١١٣ ]
وأيّ إصلاح يُزْعَم على غير هذا الأصل القويم، والصراط المستقيم، فسوف لا يجني المسلمون منه إلا ذُلًّا وضُعفًا، والواقع أكبر شاهد على ذلك، والله المستعان.
وقد تتطلب الدعوة إلى ما سبق شيئًا قليلًا أو كثيرًا من الجدال بالتي هي أحسن، كما قال الله -﷿-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فلا يصدنّك عن ذلك معارضة الجهلة بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فإن الجدال المنهيّ عنه في الحج هو كالفسق المنهيّ عنه في غير الحج أيضًا، وهو الجدال بالباطل، وهو غير الجدال المأمور به في آية الدعوة، قال ابن حزم -﵀- (٧/ ١٩٦): والجدال قسمان: قسم في واجب وحقّ، وقسم في باطل، فالذي في الحقّ واجب في الإحرام وغير الإحرام، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥]، ومن جادل في طلب حقّ له، فقد دعا إلى سبيل ربه تعالى، وسعى في إظهار الحقّ والمنع من الباطل، وهكذا كل من جادل في حقّ لغيره، أو لله تعالى، والجدال بالباطل، وفي الباطل عمدًا ذاكرًا لإحرامه مبطل للإحرام وللحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وهذا كله على أن (الجدال) في الآية بمعنى المخاصمة والملاحاة، حتى تغضب صاحبك. وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من السلف، وعزاه ابن قدامة في "المغني" (٣/ ٢٩٦) إلى الجمهور، ورجحه.
وهناك في تفسيره قول آخر: وهو المجادلة في وقت الحج، ومناسكه، واختاره ابن جرير، ثم ابن تيمية في "مجموعة الرسائل الكبرى" (٢/ ٣٦١)، وعلى هذا فالآية غير واردة فيما نحن فيه أصلًا، والله أعلم.
ومع ذلك فإنه ينبغي أن يلاحِظ الداعية أنه إذا تبيّن له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالفة له لتعصبه لرأيه، وأنه إذا صابره على الجدل فلربما ترتّب عليه ما لا يجوز، فمن الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه؛ لقوله -ﷺ-: "أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان مُحِقًّا"، رواه أبو داود بسند حسن، عن أبي أمامة -﵁-، وللترمذي نحوه من حديث أنس ﵁، وحسّنه، وفّقنا الله والمسلمين لمعرفة سنّة نبيه -ﷺ-، واتِّباع هديه" (^١).
_________________
(١) البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (٢٣/ ١٢٩ - ١٣٠).
[ ١١٤ ]