مما ينبغي التنبيه عليه هنا ضرورة لزوم الهدي النبوي في الذكر والدعاء لأنهما عبادة، والعبادة تبني على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وقد جاء البيان عن ذلك في الكتاب والسنة شافيًا كافيًا، فلا مجال للزيادة عليه، "ولهذا فإن المتأكد على كل مسلم في هذا الباب العظيم أن يجتهد في طلب هدي النبي ﷺ في الدعاء، وأن يحرص أشد الحرص على معرفة سبيله فيه؛ ليقتفي آثاره، وليسير على نهجه، وليلزم طريقته صلوات الله وسلامه عليه.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٧٦).
(٢) أخرجه أبو داود (١/ ٢٠٦ ت محيي الدين عبد الحميد) ح (٧٧٦)، والترمذي (٢/ ١١ ت شاكر) ح (٢٤٣)، وابن ماجه (١/ ٢٦٤ ت عبد الباقي) ح (٨٠٤)، والحاكم (١/ ٣٦٠) ح (٨٥٩) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٢/ ٨٥٣) ح (٤٦٦٧).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٤٩ ط السلطانية) ح (٧٤٤)، ومسلم (٢/ ٩٨ ط التركية) ح (٥٩٨).
(٤) ينظر: فقه الأدعية والأذكار (٢/ ٤٩ - ٥٣).
[ ١٦ ]
ولا يجوز لمسلم أن يلتزم أدعية راتبة أو مخصصة بأوقات معينة أو بصفات معينة سوى ما ورد من ذلك في سنة الرسول الكريم ﷺ، أما الأدعية العارضة التي تحصل من المسلم بسبب أمور قد تعرض له، فله أن يسأل الله ما شاء فيما لا يتنافى مع الشرع.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله، بخلاف ما يدعو به المرء أحيانًا من غير أن يجعله سنة " (^١) اه.
ولهذا نجد أن الصحابة ﵃ بادروا إلى إنكار تخصيص هيئات معينة للأذكار والأدعية، أو أوقات معينة أو نحو ذلك مما لم يرد به الشرع ولم تثبت به السنة، ومن ذلكم إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ على أولئك النفر الذين تحلقوا في المسجد وفي أيديهم حصى يسبحون بها ويهللون ويكبرون بطريقة محدثة وصفة مبتدعة، لم تكن موجودة على عهد رسول الله ﷺ، فبادرهم بالإنكار ونهاهم عن ذلك أشد النهي، وبين لهم خطورة ذلك وسوء مغبته عليهم، روى الإمام الدارمي ﵀ بإسناد جيد عن عمرو بن سلمة الهمداني قال: " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَاّ خَيْرًا، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفي أَيْدِيهِمْ (حَصًى) فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ
_________________
(١) مجموع مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب " ملحق المصنفات» (ص: ٤٦) في ضمن فوائد عديدة لخصها ﵀ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. [والذي يظهر أنه منقول بالمعنى من كلام شيخ الإسلام. ينظر: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١١).]
[ ١٧ ]
شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ*، قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ* يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﵃ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِوا بَابِ ضَلَالَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَاّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ" (^١).
فتأمل كيف أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ على أصحاب الحلقات هؤلاء، مع أنهم في حلقة ذكر ومجلس عبادة لما كان ذكرهم لله وتعبدهم له بغير الوارد المشروع، وفي هذا دلالة على أنه ليس العبرة في العبادة والدعاء والذكر كثرته، وإنما العبرة في موافقته للسنة، كما قال ابن مسعود ﵁ في مقام آخر: «اقْتِصَادٌ فِي سَنَةٍ خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ» (^٢)، وابن مسعود ﵁ لم ينكر عليهم ذكرهم لله واشتغالهم بذلك، وإنما أنكر عليهم مفارقتهم للسنة في صفة أدائه وكيفية القيام به مع أن الألفاظ التي كانوا يذكرون الله بها ألفاظ صحيحة وردت بها السنة، فكيف الحال بمن ترك السنة في ذلك جملة وتفصيلًا في الألفاظ وصفة الأداء وغير ذلك، كالأوراد التي يقرؤها بعض الناس مما كتبه بعض أشياخ الطرق الصوفية بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة مما هو متضمن لأنواع من الباطل وصنوف من الضلال كالتوسلات الشركية والألفاظ البدعية والأذكار المحدثة، ويرتب هؤلاء لأورادهم وظائف محددة وصفات معينة وأوقات ثابتة، وهذا كله ولا ريب من الإحداث في الدين، ومن المفارقة لسبيل سيد الأنبياء والمرسلين، والاستعاضة عنه بما أحدثه شيوخ الضلال وأئمة الباطل، وهو تشريع في الدين بما لم
_________________
(١) أخرجه الدارمي - ت الزهراني (١/ ١٢٠) رقم الأثر (٢١١)، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٥/ ١١ - ١٢) ح (٢٠٠٥) وقال: " وهذا إسناد صحيح".
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢٠٧).
[ ١٨ ]
يأذن به الله، والله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ثم تجدهم مع ذلك يعظمون أورادهم هذه ويعلون من شأنها، ويرفعون من قدرها، ويقدمونها على الأوراد الصحيحة والأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ أفضل الخلق وأكملهم ذكرا ودعاء لربه سبحانه.
قال القاضي عياض ﵀: " أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ " (^١).
وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا؛ فإن الله قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون " اه (^٢).
فالواجب على من أراد لنفسه الفضيلة والسلامة والتمام والرفعة أن يلزم هدي النبي الكريم ﷺ ويتقيد بسنته، ويدع ما أحدثه المحدثون وأنشأه المبطلون مما لا أصل له ولا أساس إلا اتباع الأهواء" انتهى بطوله لأهميته من كتاب فقه الأدعية والأذكار (^٣).