تنبيه: على العلاقة بين الذكر والدعاء.
هناك علاقة وثيقة بين الذكر والدعاء وبينهما ترابط وثيق، فالدعاء حين يتوجه به العبد إلى الله فهو ذكر لله فكل دعاء ذكر إذ بينهما عموم وخصوص، لكن إذا نظرت إلى مجرد العبادة فالذكر في جنسه أفضل من الدعاء، " هذا من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا.
وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يعينه، فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل .. " (^٢).
وهذه قاعدة مهمة في التفاضل بين الأعمال، معرفتها من الفقه في الدين، ودونك كلام متين عميق في هذه المسألة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث يقول: " الأفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء.
وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة.
وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع بالاتفاق، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.
_________________
(١) ينظر: ذكر الله بين الاتباع والابتداع (٣٧ - ٨٠) رسالة ماجستير في العقيدة، جامعة أم القرى، من إعداد الطالب: عبد الرحمن محمود خليفة، وهي رسالة قيمة في بابها.
(٢) الوابل الصيب - ط عطاءات العلم (١/ ٢٣١)
[ ٦ ]
وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل.
وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة: فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها؛ بخلاف الأيم فإنها مأمورة بطاعة أبويها.
وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه: فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل.
وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم، فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمدًا بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهديًا لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له، فعلى المسلم أن يكون ناصحًا للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له.
وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية - كالصلاة والصيام - أفضل له.
والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطنًا وظاهرًا، فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ، والله ﷾ أعلم" أ. هـ. (^١)
ومما يدل على أن الله يفتح لعبده ويوفقه لباب خير -وقل من يفتح له في أكثر من باب- ما ورد من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ (^٢) مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الجَنَّةَ-: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢٧ - ٤٢٩).
(٢) أي: شيئين من أصناف المال. ينظر: فتح الباري (٧/ ٢٨).
[ ٧ ]
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ، وَبَابِ الرَّيَّانِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» (^١).
يقول ابن المبارك ﵀ عن الإمام مالك: "مَا رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
قلت (^٢): ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به اللهَ" (^٣).
وعلى هذا فعلى من وفقه الله لعمل وفتح عليه فيه أن يشكر ربه على توفيقه له لهذا العمل العظيم، وأن يبذل وسعه فيما فتح له، ويستعين بالله، ويبذل أسباب النجاح في هذا المجال، ومن أعظمها إخلاصه وصدقه مع ربه، وليعلم أنه قد لا يفتح له في باب آخر من أبواب الخير، فعليه ألا يشتت جهده في أبواب لم يفتح له فيها، ولا ينتقص الآخرين الذين فتح لهم في عمل غير عمله، وكذلك ينبغي الحذر من صرف الناس عن أبواب الخير التي فتحت لهم، بحجة أنها أعمال قاصرة غير متعدية النفع، ونحو ذلك من الأخطاء التي يقع فيها البعض.
وذكر ابن عبد البر كلامًا متينًا رصينًا في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ السابق، فقال ﵀: "وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل الحض على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم.
وفيه أن أعمال البر لا يفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق ﵁ من ذلك القليل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٦) ح (٣٦٦٦)، ومسلم (٢/ ٧١١) ح (١٠٢٧).
(٢) القائل الإمام الذهبي ﵀.
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٩٧).
[ ٨ ]