ومن أعظم مجالس الذكر، مجالس طلب العلم الشرعي.
وهنا أحب أن انقل كلامًا متينًا لابن رجب رحمه في رسالته الموسومة" ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء" مع شيء من الاختصار والتصرف (^١)، وفي الحديث المعروف عن النبي ﷺ: «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ فَارْتَعُوا» قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «حِلَقُ الذِّكْرِ» (^٢).
وكان ابن مسعود إذا ذكر هذا الكلام يقول: "أما إني لا أعني القصاص (^٣) ولكن حلق الفقه".
وروي عن أنس معناه أيضًا.
وقال عطاء الخراساني: "مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلق، وتحج وأشباه هذا" (^٤).
وقال يحيى بن أبي كثير: "درس الفقه صلاة" (^٥).
_________________
(١) ينظر: ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء (ص ٢١ - ٣٧).
(٢) أخرجه أحمد (١٩/ ٤٩٨ ط الرسالة) ح (١٢٥٢٣)، والترمذي (٥/ ٥٣٢ ت شاكر) ح (٣٥١٠) وقال حديث حسن غريب، وحسنه الألباني وذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ١٣٠) ح (٢٥٦٢) وذهب أكثر المحققين إلى تضعيفه، وفي لفظ كذلك فيه ضعف وهو عند الترمذي (٥/ ٥٣٢ ت شاكر) ح (٣٥٠٩) " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: «المَسَاجِدُ»، قُلْتُ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» وقال الترمذي عنه مشيرًا إلى ضعفه: " هذا حديث غريب"، وفي بعض طرقه الضعيفة وهو في المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٩٥) ح (١١١٥٨) «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَارْتَعُوا» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ: «مَجَالِسُ الْعِلْمِ»، والله أعلم.
(٣) لفظ يطلقه السلف على الوعاظ.
(٤) هذا اللفظ في تاريخ دمشق (٤٠/ ٤٣٢)، والجملة الأولى: "مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام " ذكرها أبو نعيم عن عطاء الخرساني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (٥/ ١٩٥)، وهي كذلك عنه في سير أعلام النبلاء - ط الرسالة (٦/ ١٤٢).
(٥) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه بنحوه (١/ ١٠٣) يَقُولُ: «تَعْلِيمُ الْفِقْهِ صَلَاةٌ، وَدِرَاسَةُ الْقُرْآنِ صَلَاةٌ».
[ ٤٧ ]
وكان أبو السوار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب، فقال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله، فغضب أبو السوار، وقال: "ويحك، في أي شيء كنا إذًا" (^١)
والمراد بهذا أن مجالس الذكر لا تختص بالمجالس التي يذكر فيها اسم الله بالتسبيح والتكبير والتحميد ونحوه؛ بل تشمل ما ذكر فيه أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه وما يحبه ويرضاه، فإنه ربما كان هذا الذكر أنفع من ذلك؛ لأن معرفة الحلال والحرام واجبة في الجملة على كل مسلم، بحسب ما يتعلق به في ذلك، وأما ذكر الله باللسان، فإن أكثره يكون تطوعًا، وقد يكون واجبًا كالذكر في الصلوات المكتوبة.
وأما معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ورضاه، وما يكرهه وينهى عنه فيجب على كل من احتاج إلى شيء من ذلك أن يتعلمه.
ولهذا روى: " طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" (^٢).
فإنه يجب على كل مسلم معرفة ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والصيام.
ويجب على من له مال معرفة ما يجب عليه في ماله من زكاة ونفقة، وحج وجهاد.
وكذلك يجب على كل من يبيع ويشتري أن يتعلم ما يحل ويحرم من البيوع.
كما قال عمر ﵁: "لا يبيع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين" خرجه الترمذي (^٣).
وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الرجل ما يجب عليه من طلب العلم؟ فقال: ما يقيم به الصلوات وأمر دينه من الصوم والزكاة، وذكر شرائع الإسلام. وقال: ينبغي له أن يتعلم ذلك.
_________________
(١) أخرجه أحمد في الزهد (ص ٢٥٧) رقم (١٨٤٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٨١ ت عبد الباقي) ح (٢٢٤)، وهو في مسند أبي يعلى (٥/ ٢٢٣ ت حسين أسد) ح (٢٨٣٧) وصححه الألباني في تحقيقه لسنن ابن ماجه ح (٢٢٤) وفي صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٤٠) ح (٧٢).
(٣) رقم (٤٨٧).
[ ٤٨ ]
وقال أيضًا: "الذي يجب على الإنسان من العلم ما لا بد له منه في صلاته وإقامة دينه" (^١).
واعلم أن علم الحلال والحرام علم شريف، ومنه ما تعلمه فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية.
وقد نص العلماء على أن تعلمه أفضل من نوافل العبادات، منهم أحمد وإسحاق.
ومن مجالس الذكر أيضًا: مجالس العلم التي يذكر فيها تفسير كتاب الله أو يروى فيها سنة رسول الله ﷺ.
فإن كانت رواية الحديث مع تفسير معانيه، فذلك أكمل وأفضل من مجرد رواية ألفاظه ويدخل في الفقه في الدين كل علم مستنبط من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ سواء كان من علوم الإسلام التي هي الأعمال الظاهرة والأقوال، أو من علوم الإيمان التي هي الاعتقادات الباطنة، وأدلة ذلك وبراهينه المقررة في الكتاب والسنة، أو من علوم الإحسان التي هى علوم المراقبة والمشاهدة بالقلب، ويدخل في ذلك علم الخشية والمحبة والرجاء والإنابة، والصبر والرضا، وغير ذلك من المقامات.
وكل ذلك قد سماه النبي ﷺ في حديث سؤال جبرئيل له عنه: دينًا.
فالفقه فيه من الفقه في الدين، ومجالسه من أفضل مجالس الذكر التي هي من رياض الجنة، وهي أفضل من مجالس ذكر اسم الله بالتسبيح والتحميد والتكبير؛ لأنها دائرة بين فرض عين أو فرض كفاية، والذكر المجرد تطوع محض.
وروي عن أبي الدرداء قال: "مذاكرة العلم ساعة خير من قيام ليلة" (^٢).
_________________
(١) ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٠٤).
(٢) الفقيه والمتفقه - الخطيب البغدادي (١/ ١٠٢).
[ ٤٩ ]
وعن أبي هريرة قال: "لأن أعلم بابًا من العلم في أمر أو نهي أحب إلي من سبعين غزوة في سبيل الله ﷿" (^١).
وعن ابن عباس ﵁ قال: "تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها" (^٢).
وصح عن أبي موسى الأشعري أنه قال: "لمجلس أجلسه من عبد الله بن مسعود أوثق في نفسى من عمل سنة" (^٣).
وعن الحسن قال: "لأن أتعلم بابًا من العلم فأعلمه مسلما أحب إلي من أن تكون لي الدنيا كلها أجعلها في سبيل الله ﷿" (^٤).
وعنه قال: "إن كان الرجل ليصيب الباب من العلم فيعمل به فيكون خيرًا له من الدنيا وما فيها، لو كانت له فيجعلها في الآخرة" (^٥).
وعنه قال: "مداد العلماء ودم الشهداء مجرى واحد" (^٦).
وعنه: "ما من شيء مما خلق الله أعظم عند الله في عظيم الثواب من طلب علم، لا حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صدقة، ولا عتق، ولو كان العلم صورة لكانت صورته أحسن من صورة الشمس والقمر والنجوم والسماء والعرش".
_________________
(١) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٠٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠/ ٢٨٨ ط التأصيل الثانية) برقم (٢١٥٤٣).
(٣) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٣/ ١٥٣).
(٤) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٠٢).
(٥) أخرجه الدارمي في مسنده - ت حسين أسد (١/ ٣٨٣) برقم (٣٩٧).
(٦) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٥٠) مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولا يصح رفعه بل هو من كلام الحسن ﵀.
[ ٥٠ ]
قال الزهري: "تعلم سنة أفضل من عبادة مائتي سنة" (^١).
وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: "ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم" (^٢).
قال الثوري: "لا نعلم شيئًا من الأعمال أفضل من طلب العلم والحديث لمن حسنت فيه نيته (^٣). قيل له: وأي شيء النية فيه؟ قال: يريد الله والدار الآخرة".
وقال الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة نافلة" (^٤).
ورأى مالك بعض أصحابه يكتب العلم ثم تركه وقام يصلي، فقال: عجبًا لك! ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي تركته (^٥).
وسئل الإمام أحمد: أيما أحب إليك، أن أصلي بالليل تطوعًا، أو أجلس أنسخ العلم؟ قال: إذا كنت تنسخ ما تعلم أمر دينك فهو أحب إلي.
وقال أحمد أيضًا: "العلم لا يعدله شيء" (^٦).
وقال المعافى بن عمران: "كتابة حديث واحد أحب إلي من قيام ليلة" (^٧).
ومما يدل على تفضيل العلم على جميع النوافل أن العلم يجمع جميع فضائل الأعمال المتفرقة.
_________________
(١) أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٦).
(٢) نسبه في المجموع شرح المهذب إلى الشافعي (١/ ٢٠ ط المنيرية). وفي تذكرة السامع والمتكلم نسبه إلى الثوري والشافعي (ص ١٢).
(٣) ينظر: مسند الدارمي - ت حسين أسد (١/ ٣٥٢) رقم (٣٣٥) وهو في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٣) برقم (١١٩).
(٤) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (٩/ ١١٩).
(٥) ينظر: شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٥٤).
(٦) نسبوه في موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (٤/ ٣٨٩) لابن هانئ في مسائله.
(٧) أورده ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٢٠) برقم (١١٢).
[ ٥١ ]
فإن العلم أفضل أنواع الذكر، كما سبق تقريره، وهو أيضا أفضل أنواع الجهاد.
وخرج الترمذي من حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" (^١).
انتهى المقصود من كلام ابن رجب ﵀ نقلته بطوله لأهميته في هذا الباب (^٢).
تنبيه مهم: وهنا ننبه على انحراف في بعض من ضل عن الصراط المستقيم، وذلك بكونهم يزهدون في العلم وأهله وينفرون اتباعهم عن الاقبال على العلم الشرعي وطلبه على يد العلماء
وذلك حتى لا ينكشف لاتباعهم ضلال مسلكهم، فإن العلم الشرعي نور ينقذ من سلك طريقه من الجهل والضلال"هذا وإن من عدم معرفة قدر أهل العلم وحفظ مكانتهم الإدعاء بأن علماء الأمة وفقهاء الملة وأهل الحل والعقد فيها لا يفقهون غير علم الحيض والنفاس، مما يترتب على ذلك الحط من شأنهم والتقليل من قدرهم، وصرف الناس عن الإفادة منهم، وهي مقالة فاسدة وكلمة خطيرة، نشأت قديمًا عند أرباب البدع وأهل الأهواء، ولكل قوم وارث، وفي الغالب أن أهل هذه المقالة لا يسلم الواحد منهم من أحد توجهين:
- إما توجه صوفي، ينحى بهذه المقالة إلى الحط من قدر العلم والتنقيص من مكانته، ليخلص من ذلك إلى تفضيل العبادة والذكر عليه، وربما استشهد بعض هؤلاء على هذا بما يحكى عن رابعة العدوية أنها أتت ليلة بالقدس تصلي حتى الصباح، وإلى جانبها بيت فيه فقيه يكرر على باب الحيض إلى الصباح، فلما أصبحت رابعة قالت له: يا هذا وصل الواصلون إلى ربهم، وأنت مشتغل بحيض النساء؟ (^٣).
_________________
(١) ح (٢٦٤٧) لكن الحديث ضعيف عند أهل العلم، والله أعلم. ينظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (٥/ ٥٥) ح (٢٠٣٧).
(٢) ينظر: ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء (ص ٢١ - ٣٧) مع بعض الاختصار، وقد بذلت الجهد في نسبة الأقوال لأصحابها، وبعضها لم أجده في مظانه فتركته بدون نسبه واكتفيت بذكر ابن رجب له.
(٣) ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ٣٩٦).
[ ٥٢ ]
ولهذا دأب هؤلاء على النهي عن العلم والتحذير منه وعده آفة من الآفات، كما يقول أحدهم: "آفة المريد ثلاث: التزوج، وكتابة الحديث، والأسفار".
- وإما توجه فكري ينحى بهذه المقالة إلى إقحام الناس في متاهات فكرية وتخرصات عقلية وظنون وأوهام، وهذا يكثر عند أهل الكلام الباطل كالمعتزلة وغيرهم.
روي عن إسماعيل بن علية، قال حدثني اليسع، قال: تكلم واصل ابن عطاء يومًا، فقال عمرو بن عبيد: "ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا خرقة حيض ملقاة" (^١).
وروي أن زعيمًا من زعماء أهل البدع كان يريد تفضيل الكلام على الفقه فكان يقول: "إن علم الشافعي وأبي حنيفة جملته لا يخرج من سراويل امرأة". ذكر هذا والذي قبله الشاطبي في كتابه الاعتصام، ثم قال: "هذا كلام هؤلاء الزائغين قاتلهم الله" (^٢) " (^٣).
ومن أقوال أهل التصوف التي تزهد في طلب العلم:
"وكان الجنيد يقول: أحبّ للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بهذه الثلاث وإلا تغيّر حاله التكسب وطلب الحديث والتزوّج، وقال: أحبّ للصوفيّ أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمّه" (^٤).
ورووا عن بشر بن الحارث الحافي أن سبب تركه طلب الحديث أنه سمع من ينصحه بترك الإكثار من طلب الحديث؛ لأنه يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! فلما سمعه منه قال: انتهينا انتهينا، ثم ترك الرحلة في طلب الحديث، وأقبل على العبادة (^٥).
_________________
(١) ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال (٦/ ١٨٢).
(٢) الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (٣/ ١٧٧).
(٣) فقه الأدعية والأذكار (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٤) قوت القلوب (١/ ٤٤٣).
(٥) ينظر: كتاب دراسات في التصوف (ص ١٣١).
[ ٥٣ ]