إذا تمكن اليقين من القلب طار فرحًا وشوقًا إلى ما يقربه من الله، وعلى رأس ذلك الإكثار من ذكره ودعائه، وشكره على نعمه.
وكذلك طار القلب خوفًا من عذاب الله، وليس شيء ينجي العبد من عذاب الله كمثل ذكر الله ودعائه.
_________________
(١) تفسير السعدي (٧٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٦٧) ح (٦٣٠٦).
[ ٨٤ ]
وقَالَ ﷺ: «مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (^١).
وعن سفيان الثوري ﵀ قال: "لو أن اليقين، استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحًا .. وشوقًا إلى الجنة، أو خوفًا من النار" (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: "فإذا باشر القلب اليقين امتلأ نورًا وانتفى عنه كل ريب وشك، وعوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا له ومحبة وخوفًا" (^٣).
إذا دخل اليقين إلى القلب حضر الذهن واشترك اللسان والقلب في فهم ما يقوله من الذكر والدعاء، وأعظم مقام يحصل فيه ذلك الأمر: الصلاة، وتلاوة القرآن بتدبر.
المقام الأول: الصلاة (^٤) فقد جات نصوص نبوية في ذلك، فمنها:
حديث عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ ﵁ الطويل وفيه: قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ، وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٥٩ ت شاكر) موقوفًا على معاذ ﵁، والبيهقي مرفوعًا في شعب الإيمان (٢/ ٦٢ ط الرشد) ح (٥١٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وحكم الألباني بأنه صحيح لغيره كما في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٠٤) ح (١٤٩٥)، وفي الحديث المرفوع زيادة ضعيفة جدًا، ومن أراد التوسع فليرجع إلى كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (١٠/ ٧٤٤) ح (٤٩٨٧).
(٢) حلية الأولياء (٧/ ١٧).
(٣) مفتاح دار السعادة (١/ ١٥٤).
(٤) ينظر في ذلك كتابي أثر عمل القلب على عبادة الصلاة على موقع شبكة الالوكة وموقع صيد الفوائد، والمكتبة الشاملة.
(٥) صحيح مسلم (١/ ٥٦٩) ح (٨٣٢).
[ ٨٥ ]
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي فَرَوَّحْتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (^١).
وعن عقبة بن عامر يَقُولُ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ (^٢) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُومُ فِي صَلَاتِهِ فَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ إِلَّا انْفَتَلَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا لَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ» (^٣).
وعَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٤).
وهذه الأمور التي يقوم بها المسلم في صلاته من تفريغ القلب لله في صلاته، والإقبال على الله في صلاته بقلبه ووجهه، وأن يعلم ما يقوله لسانه في صلاته، ولا يحدّث نفسه في صلاته بأمور الدنيا، لا يكون كل ذلك إلا إذا حصل اليقين في القلب وتمكن منه، وتيقن المصلي أنه لابد من حدوث هذه الأمور وغيرها مما له صلة بالخشوع في الصلاة، وأن يجاهد نفسه لحضور قلبه
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٢٠٩) ح (٢٣٤).
(٢) وإسباغ الوضوء: إتمامه وأكماله بغسل العضو الذي يغسل ثلاثًا، وقال ابن عبد البر ﵀ في معنى الإسباغ: "الإكمال والإتمام من ذلك قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠]، يعني: أتمها عليكم وأكملها، وإسباغ الوضوء أن يأتي بالماء على كل عضو يلزمه غسله مع إمرار اليد، فإذا فعل ذلك مرة وأكمل فقد توضأ مرة". ينظر: الاستذكار (٢/ ٣٠٢) لابن عبد البر.
(٣) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٢) ح (٣٥٠٨)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ١٩٥) ح (١٩٠).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٤٤) ح (١٦٤)، ومسلم (١/ ٢٠٤) ح (٢٢٦).
[ ٨٦ ]
وذهنه في صلاته لتكون الصلاة له كما قال ﷺ: «يَا بِلَالُ، أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (^١)، وقال ﷺ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (^٢).
وقال ابن حجر ﵀ عن الصلاة: "ولا شيء أقر لعين العبد منها، ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء، فإنه يود أن لا يفارقه، ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمَه، وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب، فإن السالك غرضُ الآفات والفتور" (^٣).
والمعنى والله أعلم: أنه لا تحصل قرة العين في الصلاة إلا بمجاهدة النفس على الخشوع فيها وحضور القلب وإقباله عليها، وذلك يحتاج إلى كبير مجاهدة مع الاستمرار وعدم الانقطاع، واليقين بذلك يجعل المسلم يحصل على التلذذ بالصلاة، وأن تكون راحة وقرة عين له.
وقال بعض السلف ﵀: "كابدت (^٤) الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٩٦) ح (٤٩٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ١٣٠٧) ح (٧٨٩٢)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود (٧/ ٣٣٨) ح (٤٩٨٥) "إسناده صحيح".
(٢) أخرجه أحمد (٢١/ ٤٣٣) ح (١٤٠٣٧)، والنسائي (٧/ ٦١) ح (٣٩٤٠)، والحاكم (٢/ ١٧٤) ح (٢٦٧٦) وصححه ووافقه الذهبي، وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٥٩٩) ح (٣١٢٤).
(٣) فتح الباري (١١/ ٣٤٥).
(٤) والمكابدة من كابد الأمر إذا قاساه بمشقة. ينظر: الصحاح (٢/ ٥٣٠)، مقاييس اللغة (٥/ ١٥٣)، لسان العرب (٣/ ٣٧٦) مادة (كبد). أي: بمعنى: جاهد نفسه على بذل أسباب الخشوع فيها.
(٥) ذكره في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٢/ ٣٢١)، وسير أعلام النبلاء (٥/ ٢٢٤) والأثر مذكور عن ثابت البناني ﵀.
[ ٨٧ ]
والمقام الثاني: تلاوة القرآن بتدبر (^١).
ولا شك أن لليقين أثر كبير على تلاوة العبد للقرآن العظيم مع حصول التدبر الذي أنزل القرآن من أجله، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
ويكون اليقين له أثر على عبادة تلاوة القرآن وتدبره بعدة أمور، منها: