ورد الورع في نصوص السنة، ومن ذلك:
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (^٤).
قال الخطابي ﵀: "هذا الحديث أصل في الورع وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب" (^٥).
_________________
(١) الزهد والورع والعبادة (٥٠) لابن تيمية.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٢٥).
(٣) التعريفات (٢٥٢).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) ح (٥٢)، ومسلم واللفظ له (٣/ ١٢١٩) ح (١٥٩٩).
(٥) معالم السنن (٣/ ٥٦).
[ ٩٥ ]
وعَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «فَضْلُ الْعِلْمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ» (^١).
ودل الحديث على مكانة الورع، وأنه خير الدين، فعلى الداعية الموفق الحرص على هذا العمل القلبي العظيم والتخلق به، فإنه من الصفات العظيمة التي لها أثر في نجاح الداعية في دعوته.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]»، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ: «يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» (^٢).
قال ابن رجب ﵀: "ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله" (^٣).
وهذا أعظم الورع الذي يثمر التوفيق للداعية في دعوته، وما قد يحصل من خلل في الدعوة وقصور، إذا فتشت وجدته من قبل عدم التورع عن المطعم أو المشرب أو الملبس أو المركب أو المال المشتبه فيه.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في كتاب العلم (١/ ١٧٠) ح (٣١٤)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٥٠) ح (١٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢/ ٧٧٦) ح (٤٢١٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٣) ح (١٠١٥).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦٠).
[ ٩٦ ]
وعَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْديِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْهُ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (^١).
وعلق ابن رجب على هذا الحديث فقال: "وهذا هو الورع، وبه يحصل كمال التقوى" (^٢).
وهذا الحديث قاعدة عظيمة في الورع.