من أعظم العلامات الدالة على صدق محبة العبد لربه كثرة ذكره ودعائه، وقال تعالى عن المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ثم ذكر حالهم -مع ذكره ودعائه لشدة محبتهم له- بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وقال تعالى عنهم في كثرة ذكرهم لله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
تلذذ القلب بكثرة تلاوة كلام الله تعالى، كما قال عثمان بن عفان ﵁: "لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله" (^٢)، وقال بعض من ذاقوا ذلك: "كيف يشبعون من كلام محبوبهم وهو غاية مطلوبهم" (^٣).
حب مناجاة الله بكثرة ذكره ودعائه والخلوة به، والقيام بين يديه في ظلمة الليل، والتلذذ بذلك.
قال أبو سليمان الداراني ﵀: " أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء" (^٤).
كلما قويت محبة العبد لربه ذاق حلاوة الطاعات من ذكر وصلاة وتلاوة ودعاء، وإذا ضعفت أغلق على قلبه الباب وحيل بينه وبين لذة الطاعة، كما يقول الحسن البصري ﵀: «تفقدوا
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين (٣٥١).
(٢) ينظر: حلية الأولياء (٧/ ٢٧٢، ٣٠٠).
(٣) نقله ابن القيم عن بعض العارفين، ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٢٩١).
(٤) تاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤/ ١٤٦).
[ ٧٢ ]
الحلاوة في الصلاة وفي القرآن وفي الذكر، فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، وإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق» (^١).
وإذا أغلق الباب بالذنوب يحتاج إلى فتح بكثرة التوبة والاستغفار، والله المستعان.
إن المحب الصادق يرى آثار محبته لله على حياته، فيفرح بمحبوبه لما يراه ويشعر به في قلبه من توفيق وإعانة على عبادة ربه من ذكر ودعاء وقيام وتلاوة .. وغير ذلك من ألوان الطاعات التي يجد نفسه تسارع إليها وتسابق توفيقًا من الله وإعانة، ويجد كذلك حفظ الله له وحمايته من كل المضار والمكاره تحفه من كل جانب، كما يقول ابن القيم ﵀: "المحبّ الصّادق لا بدّ أن يقارنه أحيانًا فرح بمحبوبه، ويشتدّ فرحه به، ويرى مواقع لطفه به، وبرّه به، وإحسانه إليه، وحسن دفاعه عنه، والتّلطّف في إيصاله المنافع والمسارّ والمبارّ إليه بكلّ طريق، ودفع المضارّ والمكاره عنه بكلّ طريق" (^٢).
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة (١٠/ ١٤٦).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
[ ٧٣ ]