الدعاء من أعظم العبادات بل هو رأس العبادة، ولهذا فهو حق خالص لله تعالى، فلا يدعى إلا هو وحده لا شريك له، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (^٢).
قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في كتابه الماتع فقه الأدعية والأذكار كلامًا رائعًا في هذه المسألة أحب أن أنقله بطوله: " ولهذا فقد تواترت الأدلة وتضافرت النصوص في الكتاب والسنة على التحذير من صرف الدعاء لغير الله والنهي عن ذلك وذم فاعله بأشد أنواع الذم، حتى صار ذلك من ضروريات هذا الدين التي لا يرتاب فيها كل من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقد تنوعت دلالات نصوص القرآن الكريم المشتملة على ذلك وتكررت في مواطن كثيرة، وذلك لشدة خطورة دعاء غير الله، ولكونه أكثر أنواع الشرك وقوعًا، حتى قال بعض أهل العلم: " لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه " (^٣).
فمن هذه النصوص قول الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة (٥/ ١٩)، وقال محقق المسند: "حديث صحيح".
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١)، وأبو داود (٢/ ٧٦) ح (١٤٧٩)، والترمذي (٥/ ٣٧٥) ح (٣٢٤٧) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨) ح (٣٨٢٨)، والحاكم (١/ ٦٦٧) ح (١٨٠٢) وصححه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٤١) ح (٣٤٠٧)، وقال محقق المسند (٣٠/ ٣٤٠) ح (١٨٣٩١): "إسناده صحيح".
(٣) النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، للشيخ حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (ص: ٣٧).
[ ٢٥ ]
الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].
قال الشوكاني ﵀ في رسالة له في وجوب توحيد الله ﷿ بعد أن أورد طرفًا من هذه النصوص: " فهذه الآيات البينات دلت على أن الدعاء مطلوب لله ﷿ من عباده، وهذا القدر يكفي في إثبات كونه عبادة، فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله ﷿: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ [الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤]، وقال سبحانه ناعيًا على من يدعو غيره ضاربًا له الأمثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
فكيف إذا صرح القرآن الكريم بأن الدعاء عبادة تصريحًا لا يبقى عنده ريب لمرتاب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، فقد طلب الله سبحانه من عباده في هذه الآية أن يدعوه، وجعل جزاء الدعاء له منهم الإجابة منه فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولهذا جزمه لكونه جوابًا للأمر، ثم توعدهم على الاستكبار عن هذه العبادة أعني الدعاء بما صرح به في آخر الآية وجعل العبادة مكان الدعاء تفسيرا له وإيضاحا لمعناه، وبيانا لعباده بأن هذا الأمر الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوع من عبادته التي خص بها نفسه وخلق لها عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومع
[ ٢٦ ]
هذا كله فقد جاءت السنة المطهرة بما يدل أبلغ دلالة على أن الدعاء من أكمل أنواع العبادة … " (^١)، ثم ذكر ﵀ ما يدل على ذلك من السنة.
إن الواجب على كل مسلم أن يدرك خطورة الأمر، وأن يعلم أن هذا حق خالص لله ﷿ لا يجوز أن يشرك معه فيه غيره، وكيف يشرك المخلوق الضعيف العاجز بالملك العظيم الذي بيده أزمة الأمور، المتفرد بإجابة الدعاء وكشف الكروب، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، الذي ما تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العزة، ولا فقير إلا أعطاه الغنى، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو سبحانه الذي يجيب المضطرين، ويغيث الملهوفين، ويعطي السائلين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لا إله إلا هو الملك الحق المبين.
وقد أجمع أهل العلم على أن من صرف شيئًا من الدعاء لغير الله فهو مشرك بالله العظيم، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولو صلى وصام؛ إذ شرط الإسلام أن لا يعبد إلا الله، فليحذر من يريد لنفسه الفوز والسعادة من هذا الإثم المبين والخطر العظيم" (^٢).