وقد أدب الله عباده عند دعائهم وذكرهم لله أن يبتعدوا عن الجهر والعلانية التي يخاف منها الرياء، بل خفية وإخلاصًا لله تعالى (^١).
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
فأمر الله عبده ورسوله محمدًا أصلًا وغيره تبعًا له، بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصًا خاليًا (^٢)، لأن خفض الصوت بالدعاء أبعد عن الرياء، وأيضا قد جاء النهي عنه، ففي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الله عنه قال لهم رسول الله لما ارتفعت أصواتهم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» (^٣).
يقول الحسن البصري ﵀: "ولقد أدركنا أقواماُ ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ " (^٤).
قال ابن جريج ﵀: «.. يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة» (^٥).
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (١٩٢).
(٢) ينظر: تفسير السعدي (ص ٣١٤).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ٥٧ ط السلطانية) ح (٢٩٩٢).
(٤) تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر (١٠/ ٢٤٨).
(٥) تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر (١٠/ ٢٤٩).
[ ٢٩ ]
ودونك تلخيصًا لكلام شيخ الإسلام ﵀ الرائع العميق في بيان فوائد إخفاء الدعاء، يقول: " وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة:
أحدها: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي.
ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى، فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به.
ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه وخشع صوته؛ حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. وقلبه يسأل طالبًا مبتهلًا ولسانه لشدة ذلته ساكتًا وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلًا.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه.
سادسها: - وهو من النكت البديعة جدًا - أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله ﷿: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا﴾ [مريم: ٣].
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه، وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لا يطول له؛ بخلاف من خفض صوته.
ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد، فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره، وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا
[ ٣٠ ]
بد ومانعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته؛ فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة.
تاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف ﵉ ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] الآية. وكم من صاحب قلب [مجتمع على الله]، وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها، فسلبه إياها الأغيار [لحسدهم له]؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحد والقوم أعظم شيئًا كتمانًا لأحوالهم مع الله ﷿، وما وهب الله من محبته والأنس به [واجتماع القلب عليه] " (^١) إلى أخر كلامه ﵀.
وقد مر معنا قريبًا كلام الحسن البصري ﵀ في هذا المعنى الذي في آخر كلام شيخ الإسلام ونعيده هنا حيث يقول: "ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ " (^٢).