والخاتم يكون تارة من فضة، وتارة من ذهب، وتارة من حديد أو صفر أو رصاص ونحوها، وتارة من عقيق، فأما الفضة فهو الَّذِي تقدم ذكره، وأما خاتم الذهب فالمذهبُ تحريمه.
قال عبد الله (٣): سألت أبي عن حديث النبي ﷺ أنَّه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا (٤)، قال: الشيء اليسير الصغير. قلت: فالخاتم؟
قال: روي عن النبي ﷺ أنَّه نهى عن خاتم الذهب وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء.
ورخصت فيه طائفة منهم: إسحاق بن راهويه وقال: مات خمسة من
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) في النسخة الثانية في هذا الموضع: "ثم قال أهل الشام".
(٣) في "مسائله" لأبيه (١٦١٩).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٩٢)، وأبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٥١٦٤، ٥١٦٦)، وفي الكبرى (٩٤٥٢)، من حديث معاوية بن أبي سفيان.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
أصحاب النبي ﷺ خواتيهم من ذهب.
قال مصعب بن سعد: رأيت عَلَى طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب (١).
وعن حمزة بن أبي أسيد والزبير بن المنذر بن أبي أسيد أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتمًا من ذهب حين مات، وكان بدريًّا (٢). رواهما البخاري في "تاريخه" وذكر في "صحيحه" (٣) عن علقمة قال: جاء خباب بن الأرت إلي ابن مسعود وعليه خاتم من ذهب فَقَالَ: ألم يأن لهذا الخاتم أن يُلقى؟ قال: أما إنك لن تراه عَلَيَّ بعد اليوم فألقاه.
وروى حرب الكرماني بإسناده عن سماك قال: رأيت عَلَى جابر بن سمرة خاتمًا من ذهب.
واحتج من أباحه بما رواه النسائي (٤) عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؛ فَقَالَ: قد رآه من هو خيرٌ منك فلم يعيبه. قال: من هو؟ قال: رسول الله ﷺ.
وفي مسند الإمام أحمد (٥) عن محمد بن مالك قال: رَأَيْتُ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فكان الناس يَقُولُونَ له: لم تختم بالذهب وقد نهى عنه النبي ﷺ؟ فَقَالَ البراء: "بينا نحن عند رسول الله ﷺ وبين يدية غنيمة يغسمها سبي وخُرثي (٦) قال: فقسمها حتى بقي هذا الخاتم، فرفع طرفه فنظر إِلَى أصحابة ثم خفض ثم رفع طرفه فنظر إليهم، ثم قال: أي براء! فجئته حتى. قعدت بين يديه، فأخذ الخاتم فقبض عَلَى كرسوعي (٧) ثم قال: خذ البس ما كساك الله ورسوله، قال: فكان البراء يقول: فكيف (تأمروني) (*) أن أضع ما قال رسول الله ﷺ: "البس ما كساك الله ورسوله".
_________________
(١) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" برقم (١٥١٤).
(٢) أخرجه البخاري في "تاريخه" أيضًا برقم (١٣٦٢).
(٣) برقم (٤٣٩١).
(٤) برقم (٥١٧٨)، وفي الكبرى (٩٤٦٥).
(٥) (٤/ ٢٩٤).
(٦) الخرثي: أثاث البيت ومتاعه "نهاية".
(٧) الكرسوع: طرف رأس الزند مما يلي الخنصر "نهاية". (*) تأمرني: "نسخة".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وروى وكيع بإسناده أن عمر رأى عَلَى رجل خاتمًا من حديد فَقَالَ: ألا اتخذت خاتمًا من ذهب أو فضة؟
والصحيح التحريم فقد ثبت في الصحيحين (١) عن البراء بن عازب قال: "نَهَانَا رَسولُ اللهِ ﷺ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وعَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ".
وفيهما (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "أنَّه نهى عن خاتم الذهب".
وفيهما (٣) أيضًا عن ابن عمر "أن النبي ﷺ اتَّخَذَ خاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَجعلَهُ فِي يَمِينِهِ، وجَعَلَ فَصُّهُ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ كَفِّهِ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ، قَالَ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَأَلْقَاهُ، وَنَهَى عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ".
وروى ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أنَّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب، فاضطرب الناس الخواتيم، فرمى به النبي وقال: لا ألبسه أبدًا" (٤).
وخرّجه ابن أبي عاصم من طريق الليث، عن عبد الرحمن بن خالد عن الزهري بنحوه.
وفي صحيح مسلم (٥) عن علي ﵁ قال: "نَهَانِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٨٦٣)، ومسلم (٢٠٦٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٦٤)، ومسلم (٢٠٨٩).
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٦٥)، مسلم (٢٠٩١).
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٦٨)، من طريق يونس عن ابن شهاب عن أنس نحوه وقال: تابعه إبراهيم بن سعد، وزياد، وشعيب، عن الزهري .. إلخ. وأخرجه مسلم (٢٠٩٣)، من طريق ابن جريج به، ولفظه: "ثم إِنَّ الناس اضطربوا الخواتم ".
(٥) برقم (٢٠٧٨).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
ولأحمد (١) وأبي داود (٢) من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ "أنَّه نهى عن خاتم الذهب".
وفي "المسند" (٣) وكتاب الترمذي (٤) عن عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله - ﷺ - عن التختم بالذهب". وقال الترمذي حسن صحيح.
وفي كتب السنن (٥) عن معاوية "أن النبي ﷺ نهى عن خاتم الذهب، وقد طرحه رسول الله ﷺ".
وفي صحيح مسلم (٦) عن ابن عباس "أَنَّ رسول الله ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ. فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رسول الله ﷺ: خُذْ خَاتَمَكَ فَانْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ".
وفي "المسند" (٧) عن عمار بن أبي عمار عن عمر "أن النبي ﷺ رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب فَقَالَ: ألق ذا. فألقاه ثم تختم بخاتم من حديد. فَقَالَ: هذا شر منه فتختم بخاتم من فضة فسكت عنه".
وفي "المسند" (٨) أيضًا من حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ "أَنه لبس خَاتمًا من ذهب فَنظر إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَكَأَنَّهُ كرهه وَطرحه، ثمَّ لبس خَاتمًا من حَدِيد فَقَالَ: هَذَا أَخبث وأخبث. فطرحه، ثمَّ لبس
_________________
(١) (١/ ٣٩٢).
(٢) برقم (٤٢٢٢).
(٣) برقم (٤/ ٤٤٣).
(٤) برقم (١٧٣٨).
(٥) أخرجه أبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٥١٦٥)، وفي الكبرى (٩٤٥٢) من طريق أبي قلابة عن معاوية بن أبي سفيان به. وقال أبو داود: أبو قلابة لم يلق معاوية.
(٦) برقم (٢٠٩٠).
(٧) (١/ ٢١). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٥١) رواه أحمد، رجاله رجال الصحيح، إلا أن عمار بن أبي عمار لم يسمع من عمر.
(٨) (٢/ ٢١١).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
خاتمًا من ورق فسكت عنه".
وروى الدارقطني (١) من طريق عطاء بن يزيد عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي - ﷺ - رأى في يده خاتمًا من ذهب فقرعه بقضيب، فلما غفل النببي - ﷺ - ألقاه فنظر النبي ﷺفلم يره- فَقَالَ: "ما أرأنا إلا قد أوجعناك وأغرمناك".
وقد رواه النعمان بن راشد عن الزهري عن عطاء هكذا، والحفاظ من أصحاب الزهري رووه عن الزهري عن أبي إدريس "أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - لبس خاتمًا" وهو صحيح.
وروى أبو داود (٢) من حديث عائشة قالت: "قدمت علي النبي ﷺ من عنده النجاشي حلبة أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فيه فص حبشي، قال: فأخذه رسول الله ﷺ بعود معرضًا عنه أو ببعض أصابعه، ثم دعا أمامة بنت أبي العاص ابنة ابنته زينب فقال: تحلي بهذا يا بنية" وسيأتى من حديث بريدة وأبي سعيد نحو ذلك.
وروى عقيل ويونس عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن رجل أدرك النبي - ﷺ - "أن النبي ﷺ رأي في يد رجل خاتمًا من ذهب فضرب أصبعه حتى رمى به".
ذكره الدارقطني في علله. وقال: رواه يونس بن الوليد وعبد العزيز ابن أبي سلمة عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أنس، وليس بمحفوظ،
_________________
(١) ذكره في العلل (٦/ ٣١٩) برقم (١١٦٥) وقد سئل عنه، فَقَالَ: يرويه الزهري عن عطاء ابن يزيد واختلف عنه، فرواه النعمان بن راشد عن الزهري عن عطاه بن سيد عن أبى ثعلبة. ورواه عبد العزيز بن أبي سلمة العمري وبشر بن الوليد عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن أنس، ووهما فيه. وغيرهما يرويه عن إبراهيم بن سعد عن الزهري مرسلًا. ورواه الحفاظ من أصحاب الزهري عنه عن أبي إدريس الخولاني أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - لبس خاتمًا، وهو صحيح.
(٢) برقم (٤٢٣٤).
[ ٢ / ٦٦١ ]
والصحيح الأول. وهكذا رواه أبو يعلي الموصلي عن بشر بن الوليد -أعني- عن أنس.
وهذه نصوص خاصة في خاتم الذهب مع النصوص العامة في ذلك كما في السنن (١) عن أبي موسى أن النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: "هَذَانَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لِإِنَاثِهِمْ".
وهذه الأحاديث أصح من أحاديث الرخصة وأكثر، فيحمل ما ورد في الرخصة إِن ثبت عَلَى أنَّه كان قبل النهي، ثم نسخ بهذه الأحاديث الصحيحة.
وهذا متعين فإنا نتيقن أن لبس الذهب كان مباحًا حين لبسه - ﷺ - ثم حرم بنهيه عنه بعد لبسه، والأصل بقاء التحريم وعدم تغيره ويحمل فعل من لبسه من الصحابة عدي أنَّه لم يبلغهم الناسخ.