ولو أتلف له خاتمًا فله حالتان: إحداهما: أن يكون مباحًا كخاتم الفضة للرجل: فعليه ضمانُهُ، كما لو أتلف ثوبَهُ، ثم هل يضمَنُه بقيمته أو مثله؟
فيه وجهان:
احدهما: بالقيمة، قاله القاضي وصاحب المغني؛ لأنّ الصناعة تؤثِّر في قيمته، وهي مختلفةٍ فالقيمةُ فيه أحصر.
_________________
(١) (*) فكذلك: "نسخة".
[ ٢ / ٧٢٧ ]
والثاني: بالمثل، وهو اختيار السامري وظاهرُ كلام أحمد. قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد فيمن كسر ذهبًا أو فضة، قال: يصلحه أحبُّ إليّ إِن كان خلخالًا، وإن كان دينارًا أعطاه دينارًا آخر مثله.
ونقل مُهنا عنه فيمن رَهَن إبريق فضةٍ فانهشَم أو انكسَرَ يصوغُه كما كان.
فقِيلَ لَهُ: كيف يصوغُه وقد نهى النبي ﷺ عن آنيةِ الذهب والفضة؟ فسكت، كذا ساقه ابن عقيل، رواه مُهنا في "الرهن"، وقال: هي سهو؛ لأن الصياغة متقومة. وساقها أبو الخطاب عليه قيمة مصوغه، وقد حملَ القاضي هذا على التراضي.
وذكر ابن عقيل في كتاب "الرهن" أن رواية مُهنا وقع فيها الخطأ من وجهين:
من جهة تضمنه (الصياغة) (*) بمثلها وهي متقومة.
ومن جهة تضمنه صناعة الأواني وهي محرمة، وهذا باطل.
وقد رجع في كتاب "الغصب" ورد تأويل شيخه وقال: لا وجه لصرف كلام أحمد عن ظاهره، بل صناعة الآدمي يمكن احتذاء مثلها أو شكلها، فإذا عرفت الصورة كان إعادتها جزاءً للحق.
وقد وافق القاضي عَلَى أن من هدم جدارًا أو نقض بابًا فعليه إعادته، وهذا مثله.
فأما تضمين أحمد صناعة الأواني: فقد ذكر طائفة من الأصحاب عن أحمد أخذًا من هذا النص، وابن عقيل نفسه في باب الغصب خالف في ذلك، وذكر أن هذا رجوع عن ذلك لما نبه عَلَى تحريم هذه (الصياغة) (*) بدليل السنة. قال: ومن أحق منه بمراجعة الصواب وترك الرأي للسنة.
وكذلك اختلف الأصحاب في كل مسألة يُعترضُ عَلَى أحمد فيها فيسكت هل يكون رجوعًا أم لا؟
_________________
(١) (*) الصناعة: "نسخة".
[ ٢ / ٧٢٨ ]
فَقَالَ ابن حامد: هو رجوع.
وقال غيره: ليس برجوع.
والمقصود هنا: أن أحمد لما حكم بالمثل في الصناعة وجب ضمان الحلي بمثله؛ لأنّ مادته مثلية بلا نزاع.
وقد نص عَلَى أن صورته وتأليفه مثلي فوجب ضمانه عند التلف بالمثل، وعلى الوجه الأول يضمنه بقيمته، فإذا كانت أكثر من وزنه فهل يجوز ضمانه من جنسه بأكثر منه وزنًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنّه ربا.
وفي مسائل "البرزاطي" سئل أحمد عن صَيرفيٍّ دُفع إِلَيْهِ دينارٌ محكك لينقده فنقضه وحكه.
قال: قد أحسن، ولا شيء عليه.
قِيلَ لَهُ: فإن كسرَهُ؟
قال: يغرم ما بين قيمته صحيحًا ومكسورًا فضة. وهو اختيار أبي الخطاب، وصاحبي المغني والمحرر ومذهب الثوري وأبي حنيفة وبعض الشافعية.
والثاني: يجوز، وهو اختيار القاضي، وابن عقيل، والصحيح من مذهب الشافعي؛ لأنّ الربا إِنَّمَا يجري في المعاوضات، لا في الغرامات، فإن الغرامة استدراك ظُلامة، ولهذا يجب الأرش في الكسر لتفويت الصناعة ولا يؤخذ عنها العوض في البيع، وسلم القاضي وابن عقيل أن ما لا صناعة فيه كالنقرة إذا خالفت قيمتها النقد لم يجز ضمانها من جنسها متفاضلًا، وفرَّقا بأن الصناعة فيها مالية زائدة، فلذلك ضمنت ولا صناعة في النقرة.
وهذا الوجه يَقربُ مما ذكره صاحب المغني في ردِّ أرش العيب الحادث عند المشتري كما تقدم.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وعلى هذا الأصل: لو كسر الخاتم ولم يتلفه فعليه إصلاحه، كما نصَّ عليه أحمد فى الحلي.
وعلى الوجه الأول: عليه أرشه مطلقًا سواء كان من جنسه أو لا. ذكره القاضي وغيره، وهو قول مالك والشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أنَّه إِن أخذه مكسورًا فلا أرش له؛ لأنّ الصناعة في الأموال الربوية ملغاة، وإن لم يأخذه فله القيمة من غير الجنس. ووافقه في القيمة الثوري، وهذا قريب مما ذكره القاضي في أن المُصاغ إذا حدث به عيب عد المشتري ثم ظهر فيه عَلَى عيب وأراد ردّه لا يردّ معه أرشًا، فإن ردّ الأرش لم يوجبه عقد المعاوضة، بل وجب بحصوله تحت يده الضامنة، ولهذا يضمنه عند القاضي وكثير من الأصحاب بما نقص من قيمته مطلقًا لا بجزء من الثمن.
وقد ذكر صاحب "التلخيص" في مسألة حدوث العيب أنَّه إِن شاء أمسكه وغرم قيمته للبائع سليمًا من غير جنسه، وضمانه بغير الجنس إِنَّمَا يتفرع عَلَى القول بامتناع الأرش مع الردّ، إذ جواز رد عينه مع الأرش ومع منع ضمان قيمته من جنسه زائدة عَلَى وزنه تناقص محض.