ويتعلق بالخاتم مسائل كثيرة يذكرها الفقهاء متفرقة في أبواب الفقه، ونحن نذكر هاهنا إِن شاء الله تعالى منها ما تيسر عَلَى ترتيب أبواب الفقه، فمن ذلك:
أن الخاتم إذا كان عليه ذكر الله فهل يكره استصحابه في الخلاء لغير عذر أم لا؟
ذكر طائفة من الأصحاب فيه روايتين عن أحمد.
إحداهما: يكره، وهي المشهورة عند الأصحاب المتأخرين، ونص
_________________
(١) برقم (٤٢٢٩).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
عليها أحمد في رواية إسحاق بن هانئ في الدرهم إذا كان فيه اسم الله أو مكتوبًا عليه "قل هو الله أحد" فيكره أن يدخل اسم الله -﷿- الخلاء. وهذا يقتضي كراهة كل ما فيه اسم الله من خاتم وغيره، وهو قول طائفة من السَّلف كمجاهد، والقاسم بن محمد، ومحمد بن عبد الرحمن بن يزيد، والشعبي، وأبي حنيفة.
وروينا عن همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه" أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) والنسائي (٣) والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (٥) وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين.
وله علة قد ذكرها حذاق الحفاظ كأبي داود والنسائي والدارقطني، وهي أن همامًا تفرد به عن ابن جريج هكذا، ولم يتابعه غير يحيى بن المتوكل، ويحيى بن الضريس، ورواه بقية الثقات: عبد الله بن الحارث المخزومي، وحجاج، وأبو عاصم، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جريج عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس "أنَّه رأى في يد النبي ﷺ خاتمًا من ذهب" .. الحديث.
وهذا هو المحفوظ عن ابن جريج دون الأول، وقد جاء في رواية هدبة عن همام عن ابن جريج، ولا أعلمه إلا عن الزهري، عن أنس، وهذه تشعر بعدم تيقن، فإن كانت من همام، فقد قوي الظن بوهمه، وإن كانت من هدبة فلا تؤثر؛ لأنّ غيره ضبطه عن همام، كما أن بعض الرواة وقفه عن همام عَلَى أنس، ولم يضر ذلك لاتفاق سائر
_________________
(١) برقم (١٩) وقال: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه" والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.
(٢) برقم (٣٠٣).
(٣) برقم (٥٢٢٨)، ونقل الحافظ المزي في تحفة الأشراف (١/ ٣٨٥) قول النسائي: هذا الحديث غير محفوظ.
(٤) برقم (١٧٤٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي الشمائل برقم (٨٨).
(٥) في "المستدرك" (١/ ٢٨٣).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
الرواة عنه عَلَى الرفع.
وروى ابن عدي أن همامًا إِنَّمَا وَهِمَ في إدراج قوله: "كان إذا دخل الخلاء وضعه" فإن هذا من قول الزهري، وأما أول الحديث وهو أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا ولبسه فهو مرفوع، وقد جاء هذا مبيَّنًا في رواية عمر ابن شبة، ثنا حبان بن هلال، ثنا همام، عن ابن جريج، عن الزهري "أن رسول الله - ﷺ - حيث لبس خاتمه كان إذا دخل الخلاء وضعه".
ووجه الحجة أنَّه إِنَّمَا نزعه لأنّ نقشه كان محمد رسول الله كما تقدم، وقد جاء ذلك مفسرًا في رواية البيهقي (١) من حديث يحيى بن المتوكل عن، ابن جريج عن الزهري، عن أنس "أن النبي ﷺ لبس خاتمًا نقشه محمد رسول الله، وكان إذا دخل الخلاء وضعه".
وروى الحافظ أبو بكر الجوزقاني من حديث المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس "أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه" (٢).
وقد أورد ابن أبي شيبة في "كتابه" (٣) من طريق عكرمة قال: كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه.
وعن ابن عباس أنَّه قال: "كان سليمان بن داود -﵉- إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته" (٤).
والرواية الثانية": لا يكره، وهي اختيار أبي علي بن أبي موسى والسامري وصاحب المغني، وبَوَّب الخلال في جامعه "باب الخاتم فيه ذكر الله ﷿ أو الدرهم يدخل الخلاء وهو معه"، ولم يذكر في الخاتم سوى هذه النصوص لأحمد، وذكر في الدرهم ما رواه عنه صالح في الرجل يدخل الخلاء ومعه الدرهم. قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
_________________
(١) في السنن الكبير (١/ ٩٥) وقال البيهقي: وهذا شاهد ضعيف.
(٢) أخرجه الجوزجاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" برقم (٣٤٤)، والبيهقي (٩٥).
(٣) المصنف (١/ ١١٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ١١٢).
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وهذا قول كثير من السَّلف: كالحسن، وابن سيرين، وابن المسيب، وعطاء وعكرمة والنخعي وهو مذهب مالك، وإسحاق وابن المنذر، ولأن الأصل عدم الكراهة، وصيانته تحصل بإطباق يده عليه، وهو في باطن الكف، فلا يبقى مع ذلك محذور، ومتى كان في يساره أداره إِلَى يمينه لأجل الاستنجاء.
وقد رُوي حديث عن علي بن أبي طالب "أن النبي ﷺ إذا دخل الخلاء حوله في يمينه، فَإِذَا توضأ حوله في يساره". أورده الجوزقاني من جهة عمرو ابن خالد، وقال: هو حديث منكر، وعمرو كذاب.
وروى ابن عدي من حديث محمد بن عبيد الله العرزمي، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - ﷺ - يتختم في خنصره الأيمن، فَإِذَا دخل الخلاء جعل الكتابة مما يلي كفه". والعرزمى متروك.
فصل