ومن ذلك وجوب الزكاة فيما يلبسه الرجل من خاتم الفضة، وذلك مبني عَلَى وجوب الزكاة في الحلي المباح للنساء، والمذهب الصحيح أنَّه لا زكاة فيه.
قال أحمد: هو عن خمسة من الصحابة أن زكاته عاريته، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد، وغيرهم فإنَّه خرج باللبس والاستعمال عن مشابهة النقود المعدة للإنفاق إِلَى شبه ثياب الزينة ونحوها.
وعن أحمد رواية أخرى بوجوب زكاته أيضًا، كقول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم.
وفي المسألة أحاديث من الطرفين لا يثبت منها شيء مرفوع إِلَى النبي - ﷺ -، وليس هنا موضع بسطها.
وقد ذكر أبو علي بن البناء في كتاب "الجعال والأقسام" له أن حلي النساء المباح لا زكاة فيه، ولم يحك فيه خلافًا، وحكى في حلي الرجال المباح وجهين، وهذا يقتضي أنَّا عَلَى قولنا بسقوط الزكاة في حلي النساء، يخرج في
_________________
(١) برقم (٣٠٠٥).
[ ٢ / ٧٠٨ ]
حلي الرجال وجهان، وهذا غريب مخالف لما ذكره الأكثرون وأكثر ما يمكن أن يفرق به بين حلي الرجال والنساء، أن تحلي المرأة غير مكروه، بل هي مرغبة فيه لأجل بعلها، بخلاف الرجل، فإن تحليه بالفضة غير مستحب، وإنَّما هو مباح أو مكروه كما سبق. والصحيح التسوية بينهما، لأن هذا الفرق يقابله أن تحلي الرجال إِنَّمَا يباح باليسير من الفضة أولى، وهذا كله في المباح، أما المحظور كخاتم الذهب الَّذِي يلبسه الرجل ففيه الزكاة بلا نزاع، وأما كيفية الزكاة في الحلي، فالنصاب يعتبر بالوزن ولا يكمل بالقيمة فلو كان وزنه دون نصاب وقيمته نصاب لجودة صناعته، فلا زكاة فيه سواء كانت صناعته محرمة أو مباحة، كما لو كانت النقود لا تبلغ نصابًا وزنًا، وتبلغ قيمته نصابًا لجودتها أو ضربها.
هذا هو المشهور من المذهب، وقول الأئمة الثلاثة والثوري، وقد حكاه بعض الأصحاب إجماعًا.
وفي المذهب وجهان آخران.
أحدهما: أنَّه يكمل النصاب بالقيمة إِن كانت الصياغة مباحة، لأنها مالية متقومة شرعًا، ولهذا يعتبر بقيمتها في الإخراج، كما سنذكره. فكذا في النصاب بخلاف النقود، وهذا قول ابن عقيل، وقد أشار إِلَيْهِ أحمد رحمه الله تعالى في حلي التجارة أنَّه يُقَوَّمُ.
والثاني: اعتبار قيمته في تكميل النصاب سواء كانت صياغته مباحة أو محرمة، وهذا اختيار ابن عقيل أيضًا في موضع من فصوله في دُمْلَج ذهب يلبسه رجل أنَّه يقوم، وهذا متجه فيما كان جنسه يباح لبسه في الجملة كالدملج، فإنَّه يصلح للنساء، وإنَّما المحرم استعمال الرجل له، فلا يُسقط استعماله تقويمه، بخلاف ما كان جنسه محرمًا تحريما مطلقًا كالخف، فإنه لا يباح للرجال ولا للنساء، ولأن العادة لم تجر بالتحلي به، ولا حاجة إِلَيْهِ، بل هو سَرَفٌ محضٌ.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وأما في إخراج زكاته إذا بلغ وزنه نصابًا وكانت قيمته أزيد من وزنه، فإنَّه قلنا نعتبر القيمة في تكميل النصاب ففي الإخراج كذلك، وإن قلنا لا يعتبر في التكميل فهل يعتبر في الإخراج؟ هاهنا عَلَى وجهين.
أحدهما: لا يعتبر أيضًا. قالوا: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية غير واحد، وصححه أبو عبد الله السامري، وهو قول مالك، ونحوه قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
والثاني: يعتبر.
وهو اختيار القاضي وأصحابه: وأخذوه من إيماء أحمد أيضًا، وهو قول الشافعي، ومحمد بن الحسن وغيرهما. ثم اختلفوا في معنى اعتبار القيمة في الإخراج، فقالت طائفة منهم: تجعل زيادة القيمة مضمومة إِلَى الوزن كالمال المضموم إِلَى مال آخر ويزكى الجميع، فإذا كان وزن المُصاغ مائتي درهم وقيمته ثلاثمائة، أخرج عنه زكاة ثلاثمائة: سبعة ونصفًا.
وهذا عَلَى قول ابن عقيل ظاهر، فإنَّه جعل زيادة القيمة تضم إِلَى الوزن في تكميل النصاب يها.
وأما الأكثرون فيَقُولُونَ: إِنَّمَا تضم القيمة إِلَى الوزن تبعًا لكمال الوزن نصابًا. وهؤلاء يجيزون إخراج زكاة هذه الزيادة قيمة، ويجيزون الإخراج من جنس ذلك الحلي مصاغًا بحيث تجتمع زكاته من قيمة ووزن كامل نصابه، ويجيزون أيضًا إخراج أجود منه صفةً ومثله وزنًا مقابلة للصنعة بالجودة.
هذا قول القاضي، وأبي الفتح الحلواني، وأبي الخطاب، وابن عقيل.
وقالت طائفة: بل يجب إخراج ربع عشر الحُلي عَلَى صفته خاصة وليست زيادة القيمة مالًا مضمومًا إِلَى النصاب، بل الصياغة صفة في المال، فيجب إخراج الزكاة عَلَى صفة المال، فيخرج ربع عشره زنة وقيمة، فإن أخرج مثله وزنًا من غيره وكان أجود منه بحيث تقابل جودته زيادة الصنعة جاز.
[ ٢ / ٧١٠ ]
وأما إِن أخرج من جنسه نقدًا، وجَبَر زيادة الصنعة بزيادة في المخرج، خرج علي الخلاف في إخراج البهرجة عن الصَّحاح ومعها مقدار الفضل بينهما.
وينبغي أيضًا أن يقال: إخراجُ شيء من جنسه أجود منه عَلَى غير صفة صياغته، يخرج عَلَى الوجهين في إخراج الهزيلة عن السمينة إذا كانت بقيمتها؛ لأنّ الجنس والقيمة واحدة، والاختلاف في الصفة. إلا أن يقال: في الهزيلة عيب بخلاف هذا فإن فيه جودة، فلهذا جعلوا الجواز هاهنا إجماعًا وهذه طريقة صاحب الكافي والمحرر وغيرهما. هذا كله في المباح.
فأما المحظور اتخاذه فأكثر الأصحاب عَلَى أن الاعتبار بوزنه دون قيمته، لأنّ صنعته مُلغاة شرعًا.
وذكر أبو الخطاب فيه الوجهين. وصرَّح في "رؤس المسائل" له بأن فيه الروايتين، ونَصَر اعتبار القيمة.