وفص الخاتم تارةً يكون منه، وتارةً من غيره، فإن كان منه وكان الخاتم فضة فهو مباح كما تقدم، فإن أنسًا روي "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة فصه منه". أخرجه البخاري (٣) وأبو داود (٤).
وروى الخطيب في تاريخه (٥) من طريق أبي بكر الشافعي ثنا محمد بن جعفر بن أبي داود الأنباري، حدثني يوسف بن يعقوب الخوارزمي، ثنا عفان، ثنا حماد، عن عاصم، عن أنس قال: حدثني ابناي عني عن النبي - ﷺ -: "أنَّه كان يكره أن يجعل فص الخاتم مما سواه".
[ورواه من حديث (ولي) (*) وساق فيه من طريق إسحاق بن الحسن ومحمد بن إسماعيل الصائغ، واللفظ له، كلاهما عن عفان عن حماد بن سلمة عن عاصم الأحوال قال: حدثني حميد عن أنس "أن عمر نهى أن
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٩٢).
(٣) برقم (٥٨٧٠).
(٤) برقم (٤٢١٧).
(٥) تاريخ بغداد (٢/ ١٣٤). (*) وردت هكذا في الأصل، وكتب الناسخ في هامش الأصل "صح".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
يجعل في الخاتم فص من غيره". قال عاصم: فلما أخبرني، كان في يدي فص فقطعته أو فقلعته. وقيل لحميد: فإن عاصمًا حدث عنك بكذا وكذا! فلم يعرف الَّذِي قال] (*).
ورواه أيضًا عن الحسن بن أبي طالب، ثنا محمد بن عبد الله الشيباني ثنا محمد بن جعفر بن ملاس، ثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، حدثني عفان عن حماد، عن علي بن زيد، عن أنس قال حدثني ابني عني "أن النبي - ﷺ - كره أن يجعل فص الخاتم من غيره". وقال: كذب رواه هذا عن عفان، عن حماد عن علي بن زيد، لا عن عاصم، فالله أعلم.
وإن كان من غيره فإن كان عن ذهب وكان يسيرًا، ففي إباحته قولان معروفان لمن حرم خاتم الذهب الخالص.
أحدهما: التحريم أيضًا. وقد نص أحمد عَلَى منع مسمار الذهب في خاتم الفضة في رواية الأثرم إبراهيم بن الحارث، وهو اختيار القاضي وأبي الخطاب، ومذهب الشافعي وأبي يوسف ومحمد لعموم قول النبي ﷺ في الذهب والحرير "هذا حرام عَلَى الذكور أمتي حل لإناثها" (١).
وعن أسماء بنت يزيد عن النّبي ﷺ قال: "لا يصلح شيء من الذهب ولا خربصيصة" (٢).
رواه أحمد في المسند (٣).
_________________
(١) (*) ما بين المعقوفتين ليس بالأصل، وهو لحق بالنسخة الثانية وكتب بعده صح.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٥٩ - ٥١٦٢)، وفي "الكبرى" (٩٤٤٥ - ٩٤٤٨)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وأحمد (١/ ١١٥) من حديث علي.
(٣) خربصيصة: هي أي شيء من الحلي، والخربصيص: هنة في الرمل لها بصيص كأنها عين الجراد. انظر ترتيب القاموس والنهاية: مادة "خربص".
(٤) (٦/ ٤٥٣).
[ ٢ / ٦٧١ ]
ورُوي أيضًا (١) من طريق شهر بن حوشب. عن عبد الرحمن بن غنم أن النبي ﷺ قال: "من تحلى أو حلى بخربصيصة من ذهب كُوي يوم القيامة".
واحتج به أحمد في رواية الأثرم.
والخربصيصة قال ثعلب: هي بقدر عين الجراد.
والقول الثاني الإباحة: وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز وأبي البركات ابن تيمة وحفيده أبي العباس، وهو ظاهر كلام أحمد في العِلْم وقول أبي حنيفة ومالك لحديث معاوية أن النبي ﷺ: "نهي عن لبس الذهب إلا مقطعًا".
رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢)، واحتج به أحمد.
وفسر قوله: "إلا مقطعًا" باليسر، وهذا أصح من الأحاديث المصرحة بتحريم اليسر من الذهب فإن شهرًا لا يحتج به، وعبد الرحمن بن غنم ليس بصحابي.
وأما عموم تحريم الذهب فيخصه هذا كما خص عموم تحريم الحرير بنص آخر فاستويا، وإن كان الفص جوهرة ونحوها من اليواقيت واللآلي فذكر بعض أصحابنا أنَّه مباح للرجال والنساء، وجعلوه محل وفاق مع أصحاب الشافعي وغيرهم، فإن النهي إِنَّمَا هو خاص بخاتم الذهب فلا يتعدي إِلَى غيره كما أن التحريم لما ثبت في الحرير لم يتعدّى إِلَى ما هو أعلى قيمة منه من غير جنسه.
وقد ورد في حديث رُوي من طريق المنصور عن أبيه، عن جده عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "تختموا بالياقوت فإنَّه ينفى الفقر". وهو حديث
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٧)، وقال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٤٧): وفيه شهر وهو "ضعيف" يكتب حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٩٢، ٩٣)، وأبو داود (٤٢٣٩)، والنسائي (٨/ ١٦١).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
باطل، رواه محمد بن عبد الله الشيباني -وهو كذاب- بإسناد مظلم إِلَى المنصور هكذا، وكذا رواه عبد الصمد.
فأما ما رواه حرب في "مسائله"، ثنا محمد بن مصفى، ثنا عبد الملك بن محمد، حدثني عبد الملك بن (معقل) (*) بن منبه، عن وهب ابن منبه قال: لما تنبأ الأسود العنسي، وكان اسمه عيطة وامرأته المرزبانة، سار إِلَيْهِ فيروز بن الديلمي، وولد ابن باذان في جماعة في قومهم، فقتلوه وبعثوا برأسه إِلَى النبي ﷺ، فدعا لهم بالبركة، وكان عَلَى بعضهم منطقة فيها الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، فَقَالَ النبي ﷺ: "إِنَّ هذه ليست من لباسنا، ثم أعطاه رسول الله - ﷺ - منطقة من أدم، فَقَالَ له: "اعتجز بهذه".
فأهل ذلك البيت يسمون آل "ذي معجر"، والمنطقة عندهم اليوم بصنعاء اليمن، فهو مرسل، وإن ثبت حمل عَلَى أنَّه كره لهم كثره ذلك فإنَّه سرف وخيلاء.
فروى وكيع بإسناد عن موسى بن طلحة قال: كان في خاتم طلحة ياقوتة حمراء فنزعها واتخذ جزعة.
فصل: [في نقش الخاتم]
فأما النقش عليه فإن نقش ذِكرًا أو قرآنًا فهو مكروه، ذكره القاضي وغيره، وقد ذكر المروذي وغيره في "كتاب الورع" قال: سألت أبا عبد الله عن الستر يكتب عليه القرآن فكره ذلك، وقال: لا يكتب القرآن عَلَى شيء منصوب، لا ستر ولا غيره، لكن ذكر ابن تميم. لا بأس بكتابة .. الذكر عَلَى الستر ونحوه.
ومعلوم أن المنصوب أصون من الخاتم؛ لأنّه أبعد عن أن تناله الأيدي أو يلمسه المحدث أو يحمله في الخلاء ونحو ذلك، فيفيد ذلك كراهة كتابته عَلَى الخاتم بطريق الأولى.
_________________
(١) (*) مغول: "نسخة"، وفي نسخة "مغفل".
[ ٢ / ٦٧٣ ]
قال القاضي: وقد قال أحمد وإسحاق بن منصور: لا يكتب فيه ذكر الله وقال إسحاق بن راهويه لا يدخل الخلاء فيه
وذكر عبد الرزاق في "كتابه" (١) عن ابن عينية عن عبد الكريم قال سألت سعيد بن جبير عن الخاتم يكتب فيه ذكر الله -تعالى- فكرهه.
ويدل عَلَى هذا ما ثبت في صحيح مسلم (٢) عن أنس أن رسول الله - ﷺ - صنع خاتمًا من وَرِق نقش فيه محمد رسول الله، وقال للناس: "إني اتخذت خاتمًا من فضة ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقش أحد عَلَى نقشه".
قال الترمذي معنى قوله: لا تنقشوا (عليه) (*)، نهى أن ينقش أحد عَلَى خاتمه محمد رسول الله.
وقد جاء مصرحًا بذلك في رواية حماد عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال للناس: "إني اتخذت خاتمًا ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقشن أحد عَلَى نقشي". خرَّجاه في الصحيحين (٣).
وروى أبو عبد الرحمن المقري، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "لا يكتب في الخاتم بالعربية" (٤).
قال الدارقطني: رواه هشيم وغيره عن حميد، عن الحسن مرسلًا وهو الصواب.
وروى الإمام أحمد (٥) والنسائي (٦) من حديث العوام عن الأزهر بن راشد عن أنس أن النبي ﷺ. قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في
_________________
(١) في "المصنف" (١٣٦٢).
(٢) برقم (٢٠٩٢). (*) عَلَى: "نسخة".
(٣) أخرجه البخاري (٥٨٧٤، ٥٨٧٧)، ومسلم (٢٠٩٢).
(٤) أخرجه البيهقي (١٠/ ١٢٧).
(٥) (٣/ ٩٩) عن أنس.
(٦) برقم (٥٢٢٤)، وفي الكبرى (٩٥٣٥).
[ ٢ / ٦٧٤ ]
خواتيمكم عربيًا".
وقد فسر الحسن البصري فيما رواه أبو يعلى الموصلي هذا الحديث والنسائي أيضًا مما أظن، فَقَالَ: أما قوله "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا "محمد - ﷺ -". وأما قوله "لا تستضيئوا بنار أهل الشرك" يقول لا تستشيروا المشركين في أموركم.
قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (١) انتهي.
وقد قيل في قوله: لا تنقشوا عربيًا -أي بخط عربي- لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ.
وفي الاستضاءة بنار المشركين أن المراد التباعد من مجاورتهم ووجوب الهجرة عنهم كما في الحديث الآخر "لا تراءي ناراهما".
ونقل ثعلب عن ابن الأعرابي موافقة الحسن في التفسير الاستضائة بالنار.
وعلي هذا نقش النبي ﷺ عَلَى خاتمه لحاجته إِلَى (ختم الكتب إِلَى الملوك) (*) به ونهى غيره عن النقش لعدم حاجته إِلَى ذلك.
وعلى هذا فقد يقال: يباح النقش عَلَى الخواتيم للملوك وذوي السلطان لحاجتهم إِلَى ختم كتبهم وإنفاذها إِلَى البلدان دون غيرهم، ولربما كان نهى النبي - ﷺ - عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان محمولًا عَلَى هذا النوع من الخواتيم إِن ثبت النهي، ويدل عَلَى هذا أن الخلفاء ما زالوا ينقشون عَلَى خواتمهم لهذه المصلحة.
وقد روى ابن عدي (٢) من حديث أبي عوانة، حدثني بشر بن حرب أبو عمرو الندبي قال: قلت لابن عمر: "أنقش عَلَى خاتمي آية من كتاب الله؟
_________________
(١) آل عمران: ١١٨. (*) ختم كتب الملوك: "نسخة".
(٢) في الكامل (٢/ ٩).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
قال: لا ها الله إذا لا يصلح ذلك، فنقشت بشر بن حرب". وبشر بن حرب ضعفه أحمد ويحيى وعلي والأكثرون.
وقد يقال: اختلاف كلام أحمد في كراهة دخول الخلاء بالخاتم الَّذِي عليه الذكر يقتضي عدم كراهة لبسه مطلقًا إذ لو لبسه مكروهًا بكل حال، لم يكن معنى للتردد في كراهة استصحابه في الخلاء خاصة، إلا أن يقال: الكراهة في الخلاء تتزايد، أو يقال: عدم كراهة اللبس لا ينفي كراهة الكتابة ابتداءً.
لكن أحمد قد أشار إِلَى كراهة لبس ما تكره الكتابة عليه.
قال المروذي في كتاب (له) (*). قلت لأبي عبد الله: قد سألوني أن أشتري لهم ثوبًا عليه كتاب. فَقَالَ: قل لهم: إِنَّ أردتم أن أشتريه ويقلع الكتاب.
قلت: فإنهم إِنَّمَا يريدون الكتاب، قال: لا تشتره.
وذكر المروذي عن أبي عبد الله، عن أزهر، عن ابن عون قال: كان محمد يكره أن يشتري بهذه الدنانير المحدثة والدراهم التي عليها اسم الله تعالى.
وقد روي عن كثير من السَّلف أنهم نقشوا عَلَى خواتيمهم الأذكار.
وروي عن إبراهيم النخعي أنَّه رخص فيما دون الآية في نقش (الخواتيم) (**) (١).
رواه أبو علي الصواف في "فوائده" فيما يغلب عَلَى ظني.
ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) عن الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم أنَّه كره أن يكتب في الخاتم آية تامة إلا بعضها.
وروينا من طريق ابن أبي الدُّنْيَا في "كتاب المنامات" ثنا زكريا بن عبد الله
_________________
(١) (*) الورع: "نسخة". (**) الخاتم: "نسخة".
(٢) أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨/ ٢٧٣) من طريق أبي الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم أنَّه كره أن ينقش في الخاتم الآية التامة.
(٣) برقم (١٣٥٧).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
التميمي، عن عبد الله بن بكر السهمي عن شيخ يكنى أبا الحسن الكوفي، عن أبيه قال: رأيت عيسى ابن مريم ﵇ في النوم، فقلت: يا روح الله وكلمته إني أريد أن أنقش عَلَى خاتمي شيئًا، فمرني بشيء أنقشه، فَقَالَ: اكتب عليه لا إله إلا الله الملك الحق المبين، فإنها تذهب الهم والحزن: قال: فكان هذا نقش خاتم الحسن.