١- قوله: "كان يبيت عنده أنا ويرفأ" يظهر لي في هذه العبارة خلل إلاّ إذا أوّلناها على أن اسم كان ضمير الشأن، وجملة (يبيت) خبرها، وحتى على هذا التأويل يبقى الخلل كما هو، إذ لا يقال: "يبيت أنا"، فلعله تحريف من بعض النساخ، والصواب: "كنا نبيت عنده أنا ويرفأ"، ويرفأ اسم علم كيزيد ويشكر.
٢- قوله: " فربما لم يقم" يعني أن عمر ﵁ كان له وقت من الليل يتهجّد فيه، أي يصلي النافلة بالليل، وكان خادماه زيد ابن أسلم ويرفأ يراقبان قيامه، وفي بعض الأحيان كان يتأخر عن القيام، ولعل ذلك لغلبة نوم، وكان إذا قام لصلاة النافلة بالليل يقيم أهل بيته للاشتراك معه في العبادة اقتداء بالنبي ﷺ الذي أمره الله أن يأمر أهله بالصلاة ويصبر عليها، وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى.
٣- فهم المفسرون من قوله تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُك﴾ أن من لم يشغله طلب الرزق عن صلاته عناية بها ومحافظة عليها رزقه الله وأغناه بفضله، وأنّ من ظنّ أنّ المحافظة على الصلاة في أوقاتها تُنقص من رزقه أو تمنعه، ملأ الله قلبه همًّا وغمًّا، ولم يأته من الرزق إلاّ ما كتب له كما سيأتي في الحديث صريحًا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَاْ أُرِيْدُ أَنْ يُطْعِمُونَ إِنَّ اْلله هُوَ اْلرَّزَّاقُ ذُو اْلقُوَّةِ اْلمَتِينِ﴾، أخبر
[ ٢٣ ]
الله سبحانه أنه خلق الخلق لغرض واحد يعود عليهم بالخير والسعادة، وذلك الغرض هو عبادته وحده لا شريك له، وهو غنيٌّ عن العالمين، وهم محتاجون إليه، فمن اشتغل بالغرض الذي خلقه الله لأجله فقد أفلح وسعد ورشد واهتدى، وقد ضمن الله رزقه يأتيه من حيث لا يدري، ومن لم يثق بوعد الله، وشغله طلب الرزق عما خلق له شتت الله شمله، وأكثر همّه، ولم ينل من الرزق إلاّ ما قدّر له.
٥- قوله: "هشام عن أبيه" يعني عروة بن الزبير بن العوام، "كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفا" المراد بالطرف: نفائس الأموال التي يندر مثيلها، فإذا رجع إلى أهله ودخل بيته ولم ير فيه تلك النفائس التي رآها في بيوت أهل الثراء المترفين يتلو قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية.
قال ابن كثير في تفسيره: "يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: "لا تنظر إلى ما فيه هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، ليختبرهم بذلك أَيَشْكرون أم يكفرون، وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: "يعني الأغنياء"، فقد آتاك الله خيرا مما آتاهم، وكذلك ما ادّخره الله تعالى لرسوله ﷺ في الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ " اهـ.
أقول: في هذا الخطاب تزهيد للنبي ﷺ ولأمته في الدنيا وزخارفها وإبعاد لهم عن الافتتان بزهرتها وزينتها، لأنّ من فتن به أهلكته وشغلته عن ذكر الله، وهذا مع العلم بأنّ النبي ﷺ كان رئيس الدولة وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، والأموال كلها بيده، ولكنه كان زهدًا فيها، مفضّلًا التقشف في المعيشة طوعًا واختيارًا لا حاجة واضطرارًا، فكان ينام على الحصير حتى يؤثر في جسمه الشريف، وكان يمر الشهر والشهران لا توقد النار في بيته، وإنما يعيش هو وأهله على الماء والتمر كما في حديث عائشة في الصحيحين، فكان عروة بن الزبير إذا دخل بيته يعظ نفسه وأهله بهذه الآية وينادي فيهم: "الصلاة الصلاة"، ففي الصلاة نعيم وقرّة عين للمتقين كما قال النبي ﷺ: "وجعلت قرة عيني في الصلاة"، والمراد بقرة العين: "الفرح والسرور".
٦- قوله: "إذا أصابه خصاصة" أي حاجة وضيق في المعيشة، أمر أهله بالصلاة امتثالا لأمر الله تعالى؛ لأن الصلاة تعين كل محتاج، وتفرّج كربه كما قال تعالى في سورة (البقرة: ١٥٣): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاة﴾، وهذه سنة سائر كل الأنبياء إذا نزل بهم أمر يكرهونه يفزعون إلى الصلاة فيدفع الله عنهم بها كل مكروه، ويبدلهم بالعسر يسرا، وبالضيق سعة، وبالشدة رخاء، وهكذا ينبغي للمؤمنين الصادقين - شبابا كانوا أم كهولا أم شيوخا - أن يفعلوا إذا نزل بهم ما يكرهون أن يستعينوا
[ ٢٤ ]
بالصبر والصلاةو فالصبر يهوّن عليهم المصيبة، ويفتح لهم باب الفرج، والصلاة استغاثة واستعانة بالله تعالى.
وقد رأينا محمد علي كلاي الملاكم العالمي المشهور إذا أراد أن ينازل بطلا من أبطال الملاكمة يصلّي ويدعو الله تعالى ويستمدّ منه قوة على خصمه فينصره الله ويهزم عدوه، فهذا هو الأدب المحمدي الذي ينجح في كل زمان ومكان.
٧- حديث أبي هريرة القدسي، يقول الله تعالى: "يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلًا ولم أسدّ فقرك"، في هذا الحديث جواب للذين يسألون عن أوقات الصلاة إذا فرض فيها شغل دنيوي كالمعلّمين وتلامذة المدارس، والموظفين في الإدارات، وفي سائر الأعمال إذا دخل وقت العصر، هل يتفرّغون لعبادة الله لمدة خمس دقائق ويؤدون فريضتهم، ويدعون شغلهم جانبًا، فإن فعلوا ذلك ملأ الله صدورهم وأيديهم غنى، وأزال فقرهم الحسي والمعنوي، فالمعنوي هو فقر القلب وجزعه، وشغله بالتفكير في الرزق، أو في أيّ وسيلة التي يظن أن الرزق يأتي بسببها، وإن هم لم يستجيبوا لدعوة الله، وتمادوا في شغلهم، وأعرضوا عن صلاة العصر وحدها؛ لأنها هي التي تجيء عادة في وسط الأشغال وبها يمتحن المؤمن، فإن كان صادق العزم ثابت اليقين وقف الشغل الدنيوي من بيع وشراء وعمل في مزرعة أو مصنع، أو مدرسة أو مختبر، أو غير ذلك، وتفرّغ لعبادة الله واستجاب لدعوته، فيزيده الله قوة إلى قوته، ويملأ صدره غنى وثقة به، وذلك هو الظفر والنصر المبين، وإن كان خائر العزم، ضعيف الإرادة، كبر عليه ترك شغله وخيّل له أنّ في تركه خسارة لا تعوّض، فيستمر في شغله عاصيا ربه، خائنا دينه، خائسا بعهده، فحينئذ يمتليء صدره غمًّا وشغلًا يلازمانه أبدًا.
أخرج البخاري في كتاب المواقيت من صحيحه عن أبي المليح قال: "كنّا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: "بكروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله".
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله".
نفهم من الحديث الأول ومن غيره من الأحاديث الصحاح، ومن الآيات البينات أن من ترك صلاة العصر عمدا بلا عذر شرعي حتى خرج وقتها فقد بطل عمله الصالح كله، لأنه كفر فإن تاب ورجع إلى الإسلام، وعاهد الله عهدًا صادقا أن لا يتعمد ترك الصلاة مفروضة أبدًا، فإن الله يرد له ما حبط من عمله.
ومثل هذا قوله تعالى في سورة (الزمر: ٥٢): ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقول النبي ﷺ: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم من حديث جابر، وإذا كان ترك
[ ٢٥ ]
الصلاة عمدًا كفرا فلا إشكال في حبوط العمل.
وأما الحديث الثاني: "الذي تفوته الصلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"، أي خسر ماله وأهله وبقي فردًا بلا أهل ولا مال، ومثل ذلك قوله تعالى في سورة (الزمر:١٥): ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾، وكل فريضة حدّد وقتها يجب على المسلم أن يترك كل شغله يشغله عن أدائها، قال تعالى في سورة (الجمعة: ٩-١٠): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فحرّم الله على المسلمين أن يشتغلوا بالبيع وغيره من أمور الدنيا بعد آذان الجمعة، وأوجب عليهم أن يسعوا إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة حتى إذا سلّم الإمام من صلاة الجمعة فقد أذن الله لهم أن يخرجوا من المسجد، وينتشروا في الأرض ليشتغلوا بأعمالهم التي تكفّل لهم رزقهم.
ومثل ذلك في قوله تعالى في سورة (المعارج: ١٦-٣٥): ﴿إِنَّ اْلإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلاّ الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ .
أخبرنا الله سبحانه أن الإنسان - يعني جميع الناس - خُلق هلوعا، جعل من طبعه الهلع وهو الجزع وشدة الحرص، فتفسير ﴿هَلُوعًا﴾ هو ما بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: المرض والفقر وسائر المصائب ﴿جَزُوعًا﴾: يائسا خاضعا منقطع الرجاء ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾: وهو الغنى والصحة والقوة والنصر وسائر النعم، ﴿مَنُوعًا﴾: بخيلا لا ينفع غيره بشيء.
ثم استثنى الله تعالى من الناس المجبولين على ذلك الطبع الخبيث المصلين، وأكد وصفهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ أي محافظون على أوقاتها وشروطها وأركانها وآدابها، ووصفهم بصفات بدأها بالمحافظة على الصلاة، وختمها بالمحافظة على الصلاة، وذكر بينهما صفات:
أولاها: أنّ في أموالهم حقًا معلومًا للفقراء والمحتاجين، سواء أكانوا من الذين يظهرون فقرهم وحاجتهم ويسألون الناس، أم كانوا من المتعففين الذين يكتمون فقرهم، ولا يسألون الناس، وهم القسم المعبر عنه بالمحروم؛ لأن أكثر الناس يحرمونهم من الصدقة.
ثانيتهما: أنهم يصدّقون بيوم الدين، أي يؤمنون بيوم القيامة، وهو يوم الجزاء، ويجعلونه نصب أعينهم، فيبعثهم ذلك على مراقبة الله تعالى
[ ٢٦ ]
، فلا يفعلون إلاّ ما يرضيه.
ثالثتها: الخوف من الله تعالى فهم يخافون عذابه ولا يأمنون مكره، فإنه لا يأمنه إلاّ القوم الخاسرون.
رابعتها: أنهم يحفظون فروجهم عمّا حرم الله ويقتصرون على ما أحل الله.
خامستها: أنهم يحافظون على عهدهم إذا عاهدوا مسلما أو ذميا، أو معاهدا أو مصالحا، لا ينقضونه أبدًا.
سادستها: أنهم يقومون بشهاداتهم فيؤدّونها كما علموها، ولو كانت على الوالدين والأقربين، لا يزيدون فيها ولا ينقصون، ولا يبدّلون ولا يغيّرون، ولا يكتمونها أبدا، ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبُه.
فهذه صفات المؤمنين الصادقين، لا جرم أنّ كل شعب سادت فيه هذه الصفات يكون سعيدًا في دنياه وأخراه، عزيزا مؤيدًا منصورا، جعلنا الله من أهلها.
٨- "رأى النبي ﷺ في المنام" ورؤيا الأنبياء حق أنه كان مع بعض أصحابه في دار عقبة بن رافع، فوضع لهم رطبًا من النوع المسمى ابن طاب وهو نوع من رطب المدينة، ففسّر النبي ﷺ هذه الرؤيا بأن العاقبة الحسنة والرفعة له ولأمته في الدنيا والآخرة، وأن دين الإسلام طاب، أي زكا وبورك فيه فعلا وانتصر، وكذلك وقع، وهذا مضمون للأمة الإسلامية إلى يوم القيامة بشرطه، وهو الإيمان، والاجتماع على إعلاء كلمة الله، والجهاد في سبيل الله، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة (المؤمن: ٥١): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ .
قال القاسمي في تفسيره هذه الآية: "أي لننصرهم في الدارين؛ أما في الدنيا فبإهلاك عدوهم واستئصاله عاجلا، أو بإظفارهم بعدوهم وإظهارهم عليه، وجعل الدولة لهم والعاقبة لأتباعهم، وأما في الآخرة فبالنعيم الأبدي والحبور السرمدي، والأشهاد جمع شاهد، وهم من يشهد على تبليغ الرسل وتكذيب من كذبهم ظلما، أو جمع شهيد كأشراف وشريف"اهـ.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله ﵎: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب".
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "وفي الحديث القدسي "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" اهـ، ومعناه أنّ الله ينتقم لأوليائه وهم المؤمنون كما ينتقم الأسد الغضبان ممن أغضبه، والله عزيز ذو انتقام.. وقال تعالى في سورة (الصافات: ١٧١-١٧٣): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقبلها (١٦٧-١٦٩): ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ، لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ، لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾
أخبرنا ﷾ أنّ كفار العرب كانوا يقولون قبل نزول القرآن وبعثة الرسول ﵊: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي كتابًا من الكتب التي أنزلها الله عليهم لاهتدينا به، وتطهرنا به من جهالتنا ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ المطهّرين من كل ضلال
[ ٢٧ ]
وشر وشرك، فلما جاءهم أفضل كتاب بواسطة أفضل رسول كفروا به وكذّبوه، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد لهم بعذاب عظيم لم يكن لهم في الحسبان، وهو تهديد لكل أمة بلغها هذا الكتاب فأعرضت عنه، ولم تتخذه إماما وحكما، ولم تستضيء بنوره، ولو اهتدت بهداه، لابد أن يصيبها عذاب عظيم فوق ما يخطر بالبال، ونحن نشاهد هذا العذاب اليوم بأعيننا يصيب الشعوب التي أعرضت عن كتاب الله ورفضت شريعته وسنة رسوله بعدما علمت يقينا ما أدركه أسلافها من السعادة والعز والنصر المبين بإتباع هذا الكتاب الكريم، والرسول ذي الخلق العظيم.
وبعد هذا التمهيد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ اللام واقعة في جواب قسم، أي وتالله لقد سبقت كلمتنا لعبادنا الذين أرسلنهم إلى الأمم ليقوموا بإرشادها وهدايتها وإنقاذها من أوحالها ونكباتها، وإخراجها من الظلمات إلى النور، وتلك الكلمة التي سبقت من الله تعالى هي قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ على كل من عاداهم من أقوامهم وغيرهم، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ وهم المرسلون وأتباعهم الصادقون ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ لكل من عاداهم ووقف في طريقهم، وعد الله لا يخلف الله وعده.
وقد رأينا هذا الوعد بعيون بصائرنا عبر التاريخ الطويل يتحقق على أيدي شعوب مختلفة في الجنس واللون والأوطان، ولكنها متفقة في الاهتداء بالقرآن، وحروب المغاربة في أوربا من طارق إلى المرينيين وحروب المسلمين في فلسطين وبلاد الشام لجميع الدول النصرانية مدة مائتي عام، وقبل ذلك حروب العرب في العراق، وخراسان، وإفريقية، وبلاد السند، وكل ذلك أدلة قاطعة، وبراهين ساطعة.
وما أصاب المسلمين من الشتات والذلة والهوان وضنك العيش في هذه الأزمنة المتأخرة حجج قائمة عليهم تسجل عليهم أنهم هم الذين أخلفوا ونقضوا عهدهم كما قال تعالى في سورة (الأنفال: ٢٣): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌْ﴾ .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره هذه الآية: "يخبر تعالى عن تمام عدله، وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلاّ بسبب ذنب ارتكبه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ اهـ.
وقال تعالى في سورة (مريم: ٥٤-٥٥): ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ .
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: "هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه صادق الوعد وقال ابن جريج: "لم يعد ربه عدة إلاّ أنجزها"، يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلاّ قام بها ووفاها
[ ٢٨ ]
حقها".
وقال ابن جرير بسنده إلى سهل بن عقيل أن إسماعيل النبي ﵇ وعدا رجلا مكانا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال: "ما برحت من ها هنا؟ " قال: "لا"، قال: "إني نسيت" قال: "لم أكن أبرح حتى تأتيني"، فلذلك كان صادق الوعد.
وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: "بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك فقال لي: "يا فتى لقد شققت عليّ، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك".
فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أنّ خلفه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾، وقال رسول الله ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
ولما كانت هذه صفات المنافقين كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضا لا يعد أحدا شيئا إلاّ وفّى له به. وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي".
ولم توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق: "من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاء جابر بن عبد الله فقال: "إن رسول الله ﷺ كان قال لي: "لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا"، يعني ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده، فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثيلها معها.
وقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق، لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل" وذكر تمام الحديث. فدل على صحة ما قلناه.
وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ هذا أيضا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة؛ حيث كان صابرًا على طاعة ربه ﷿، آمرًا بها أهله كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية، أي مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا فتأكلهم النار يوم القيامة.
[ ٢٩ ]
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء". أخرجه أبو داود وابن ماجه، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن الني ﷺ قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. اهـ.