قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: «مَنْ كَانَتْ صِفَاتُهُ فِي عِلْمِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ أَخْلَاقِهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَأْمَنَ شَرَّهُ مَنْ خَالَطَهُ، وَيَأْمَلَ خَيْرَهُ مَنْ صَاحَبَهُ، لَا يُؤَاخِذُ بِالْعَثَرَاتِ، وَلَا يُشِيعُ الذُّنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَقْطَعُ بِالْبَلَاغَاتِ، وَلَا يُفْشِي سِرَّ مَنْ عَادَاهُ، وَلَا يَنْتَصِرُ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْهُ، ذَلِيلٌ لِلْحَقِّ، عَزِيزٌ عَنِ الْبَاطِلِ، كَاظِمٌ لِلْغَيْظِ عَمَّنْ آذَاهُ، شَدِيدُ الْبُغْضِ لِمَنْ عَصَى مَوْلَاهُ، يُجِيبُ السَّفِيهَ بِالصَّمْتِ عَنْهُ، وَالْعَالِمَ بِالْقَبُولِ مِنْهُ، لَا مُدَاهِنٌ، وَلَا مُشَاحِنٌ وَلَا مُخْتَالٌ، وَلَا حَسُودٌ، وَلَا حَقُودٌ، وَلَا سَفِيهٌ، وَلَا جَافٍ، وَلَا فَظٌّ، وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا طَعَّانٌ، وَلَا لَعَّانٌ، وَلَا مُغْتَابٌ، وَلَا سَبَّابٌ. يُخَالِطُ مِنَ الْإِخْوَانِ مَنْ عَاوَنَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ، وَنَهَاهُ عَمَّا يَكْرَهُ مَوْلَاهُ، وَيُخَالِقُ بِالْجَمِيلِ مَنْ
[ ٦٤ ]
لَا يَأْمَنُ شَرَّهُ، إِبْقَاءً عَلَى دِينِهِ، سَلِيمُ الْقَلْبِ لِلْعِبَادِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، يَغْلِبُ عَلَى قَلْبِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْعُذْرُ، لَا يُحِبُّ زَوَالَ النِّعَمِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، يُدَارِي جَهْلَ مَنْ عَامَلَهُ بِرِفْقِهِ، إِذَا تَعَجَّبَ مِنْ جَهْلِ غَيْرِهِ ذَكَرَ أَنَّ جَهْلَهُ أَكْثَرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ﷿، لَا يَتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةً، وَلَا يَخَافُ مِنْهُ غَائِلَةً، النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، وَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي جَهْدٍ»
[ ٦٥ ]
ذِكْرُ أَخْلَاقِ هَذَا الْعَالِمِ وَأَوْصَافِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ﷿ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، مِمَّا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ، كُلُّهَا تَجْرِي لَهُ بِتَوْفِيقٍ مِنْ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ، وَمَنْ جَرَى لَهُ التَّوْفِيقُ بِمَا ذَكَرْنَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِلْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ﷿، أَعْظَمَ شَأْنًا مِمَّا ذَكَرْتُ، مِمَّا قَدْ أَوْصَلَهُ مَوْلَاهُ الْكَرِيمُ إِلَى قَلْبِهِ، يُمَتِّعُهُ بِهَا شَرَفًا لَهُ بِمَا
[ ٦٥ ]
خَصَّهُ مِنْ عِلْمِهِ، إِذْ جَعَلَهُ وَارِثَ الْأَنْبِيَاءِ، وَقُرَّةَ عَيْنِ الْأَوْلِيَاءِ، وَطَبِيبًا لِقُلُوبِ أَهْلِ الْجَفَاءِ. فَمِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ شَاكِرًا، وَلَهُ ذَاكِرًا، دَائِمَ الذِّكْرِ، بِحَلَاوَةِ حُبِّ الْمَذْكُورِ، فَنَعَّمَ قَلْبَهُ بِمُنَاجَاةِ الرَّحْمَنِ، يَعُدُّ نَفْسَهُ مَعَ شِدَّةِ اجْتِهَادِهِ خَاطِئًا مُذْنِبًا، وَمَعَ الدُّؤُوبِ عَلَى حُسْنِ الْعَمَلِ مُقَصِّرًا، لَجَأَ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَقَوِيَ ظَهْرُهُ، وَوَثِقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَخَفْ غَيْرَهُ، مُسْتَغْنٍ بِاللَّهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، أُنْسُهُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَحَشَتُهُ مِمَّنْ يَشْغَلُهُ عَنْ رَبِّهِ، إِنِ ازْدَادَ عِلْمًا خَافَ تَوْكِيدَ الْحُجَّةِ، مُشْفِقٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ، هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ عَنْ مَوْلَاهُ، وَفِي سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفِقْهُ، لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا أُمِرَ بِهِ، مُتَأَدِّبٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لَا يُنَافِسُ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي عِزِّهَا، وَلَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا، يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا بِالسَّكِينَةِ، وَالْوَقَارِ، وَمُشْتَغِلٌ قَلْبُهُ بِالْفَهْمِ وَالِاعْتِبَارِ، إِنْ فَرَغَ قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَمُصِيبَةٌ عِنْدَهُ عَظِيمَةٌ، وَإِنْ أَطَاعَ
[ ٦٦ ]
اللَّهَ ﷿ بِغَيْرِ حُضُورِ فَهْمٍ فَخُسْرَانٌ عَنْهُ مُبِينٌ، يَذْكُرُ اللَّهَ مَعَ الذَّاكِرِينَ، وَيَعْتَبِرُ بِلِسَانِ الْغَافِلِينَ، عَالِمٌ بِدَاءِ نَفْسِهِ، وَمُتَّهِمٌ لَهَا فِي كُلِّ حَالٍ، اتَّسَعَ فِي الْعُلُومِ، فَتَرَاكَمَتْ عَلَى قَلْبِهِ الْفُهُومُ، فَاسْتَحَى مِنَ الْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَشُغْلُهُ بِاللَّهِ فِي جَمِيعِ سَعْيِهِ مُتَّصِلٌ، وَعَنْ غَيْرِهِ مُنْفَصِلٌ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ لِهَذَا النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَّ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَوَصَفْتَهُمْ بِهِ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ أَثَرٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، وَسَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٨] أَفَلَا تَرَى، رَحِمَكَ اللَّهُ، كَيْفَ وَصَفَ الْعُلَمَاءَ بِالْبُكَاءِ وَالْخَشْيَةِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ؟
[ ٦٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ ⦗٦٨⦘ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ، عَنْ مِسْعَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْأَعْلَى التَّيْمِيَّ يَقُولُ: " مَنْ أُوتِيَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُبْكِيهِ، فَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمًا يَنْفَعُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ نَعَتَ الْعُلَمَاءَ وَقَرَأَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] "
[ ٦٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: صَاحِبُ الْعِلْمِ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ، فَيَزْدَادُ رِضَا اللَّهِ، وَأَمَّا ⦗٦٩⦘ صَاحِبُ الدُّنْيَا، فَيَزْدَادُ فِي الطُّغْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ثُمَّ قَرَأَ لِلْآخَرِ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] "
[ ٦٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ «الْحِكْمَةَ خَشْيَةُ اللَّهِ، وَالْعِلْمُ بِهِ»
[ ٦٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ مَسْرُوقٌ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ»
[ ٧٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَقُولُ: «الْعَالِمُ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ، وَخَشْيَةُ اللَّهِ الْوَرَعُ»
[ ٧٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زَاطِيَا، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَضَعَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ ﷿»
[ ٧١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ يُرَى ذَلِكَ فِي تَخَشُّعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَزُهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَطْلُبُ الْبَابَ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ، فَيَعْمَلُ بِهِ، فَيَكُونُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، لَوْ كَانَتْ لَهُ فَجَعَلَهَا ⦗٧٢⦘ فِي الْآخِرَةِ»
[ ٧١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَانِيُّ، فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَيَّاطُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ نَهَارِي نَهَارَ سَفِيهٍ، وَلَيْلِي لَيْلَ جَاهِلٍ، فَمَا أَصْنَعُ بِالْعِلْمِ الَّذِي كَتَبْتُ؟»
[ ٧٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ ⦗٧٣⦘: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالْفَقِيهِ حَقَّ الْفَقِيهِ؟ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ مَكْرَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُرْآنَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَفَقُّهٌ، وَلَا خَيْرَ فِي تَفَقُّهٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَهُّمٌ، وَلَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ»
[ ٧٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ الْحَمَّالُ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ فِيهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ يَأْبَى عَلَيْكَ الْفُقَهَاءُ وَيُخَالِفُونَكَ، فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مَطَرُ، وَهَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ؟ وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفَقِيهُ؟ الْفَقِيهُ الْوَرِعُ الزَّاهِدُ الَّذِي لَا يَسْخَرُ مِمَّنْ أَسْفَلَ مِنْهُ، وَلَا يَهْمِزُ ⦗٧٤⦘ مَنْ فَوْقَهُ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ حُطَامًا»
[ ٧٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ، سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ الْمِنْقَرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ يَوْمًا فِي شَيْءٍ قَالَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ قَالَ: فَقَالَ: وَيْحَكَ أَوَ رَأَيْتَ أَنْتَ فَقِيهًا قَطُّ؟ «إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ فِي أَمْرِ دِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ﷿»
[ ٧٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَبِي كَرْدَمٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ابْنُ أَبِي دَرْمٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ ⦗٧٥⦘ مُنَبِّهٍ قَالَ: بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ مَجْلِسٍ، كَانَ فِي نَاحِيَةِ بَنِي سَهْمٍ، يَجْلِسُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَخْتَصِمُونَ، فَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى وَقَفْنَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَخْبِرْهُمْ عَنْ كَلَامِ الْفَتَى الَّذِي كَلَّمَ بِهِ أَيُّوبَ فِي حَالِهِ قَالَ أَيُّوبُ: فَقُلْتُ: قَالَ الْفَتَى: يَا أَيُّوبُ، أَمَا كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ، وَذِكْرِ الْمَوْتِ، مَا يُكِلُّ لِسَانَكَ، وَيَقْطَعُ قَلْبَكَ، وَيَكْسِرُ حُجَّتَكَ؟ يَا أَيُّوبُ، أَمَا عَلِمْتَ " أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَةُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ، وَلَا بُكْمٍ، وَإِنَّهُمْ هُمُ النُّبَلَاءُ، الْفُصَحَاءُ، الطُّلَقَاءُ، الْأَلِبَّاءُ، الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، انْقَطَعَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَطَاشَتْ عُقُولُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ، فَرَقًا مِنَ اللَّهِ، وَهَيْبَةً لَهُ، وَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ ﷿ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، لَا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ الْكَثِيرَ، وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ، يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ الْخَاطِئِينَ، وَإِنَّهُمْ لَأَنْزَاهٌ أَبْرَارٌ، وَمَعَ الْمُضَيِّعِينَ الْمُفَرِّطِينَ، وَإِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ أَقْوِيَاءٌ، نَاحِلُونَ، ذَائِبُونَ، يَرَاهُمُ الْجَاهِلُ فَيَقُولُ: مَرْضَى، ⦗٧٦⦘ وَلَيْسُوا بِمَرْضَى، قَدْ خُولِطُوا، وَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: " هَذِهِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَلِمَ دَاخَلَ الْعُلَمَاءَ هَذَا الْإِشْفَاقُ الشَّدِيدُ، وَخَافُوا مِنْ عِلْمِهِمْ هَذَا الْخَوْفَ كُلَّهُ؟ قِيلَ لَهُ: عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُسَائِلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ: مَا عَمِلُوا فِيهِ؟ فَجَعَلُوا مُسَاءَلَةَ اللَّهِ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، فَأَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمْ شِدَّةَ الْحَذَرِ، وَأَخَذُوا بِالثِّقَةِ فِي كُلِّ أَمْرِهِمْ. إِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ يُسْأَلُونَ عَنْ عِلْمِهِمْ: مَا عَمِلُوا فِيهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، فَإِنْ قَالَ: فَاذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا سَمِعَهُ الْعَالِمُ انْتَبَهَ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَأَخَذَ نَفْسَهُ بِلُزُومِ أَخْلَاقِ مَنْ ذَكَرْتَ، وَاللَّهُ مُوَفِّقُنَا قِيلَ: نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[ ٧٤ ]