" فَإِذَا نَشَرَ اللَّهُ لَهُ الذِّكْرَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى مَا عِنْدَهُ، أَلْزَمَ نَفْسَهُ التَّوَاضُعَ لِلْعَالِمِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ، فَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا مَحَبَّةٌ تَنْبُتُ لَهُ فِي قُلُوبِهِمْ. وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِلْعُلَمَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ، إِذْ أَرَاهُ الْعِلْمُ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَوَاضُعُهُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ، فَشَرَفُ الْعِلْمِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَكَانَ مِنْ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَصِدْقِهِ وَحُسْنِ إِرَادَتِهِ يُرِيدُ اللَّهَ بِعِلْمِهِ، فَمِنْ صِفَتِهِ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ بِعِلْمِهِ شَرَفَ مَنْزِلَةٍ عِنْدَ الْمُلُوكِ، وَلَا يَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ، صَائِنٌ لِلْعِلْمِ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ، وَلَا يَأْخُذُ عَلَى الْعِلْمِ ثَمَنًا، وَلَا يَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ، وَلَا يُقَرِّبُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، وَيُبَاعِدُ الْفُقَرَاءَ، وَيَتَجَافَى عَنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، يَتَوَاضَعُ لِلْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِيُفِيدَهُمُ الْعِلْمَ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مَجْلِسٌ قَدْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ، أَلْزَمُ نَفْسَهُ
[ ٥١ ]
حُسْنَ الْمُدَارَاةِ لِمَنْ جَالَسَهُ، وَالرِّفْقَ بِمَنْ سَاءَلَهُ، وَاسْتِعْمَالَ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَيَتَجَافَى عَنِ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ. فَأَمَّا أَخْلَاقُهُ مَعَ مُجَالِسِيهِ: فَصَبُورٌ عَلَى مَنْ كَانَ ذِهْنُهُ بَطِيئًا عَنِ الْفَهْمِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُ، صَبُورٌ عَلَى جَفَاءِ مَنْ جَهِلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهُ بِحِلْمٍ، يُؤَدِّبُ جُلَسَاءَهُ بِأَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَدَبِ، لَا يَدَعُهُمْ يَخُوضُونَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالِإنْصَاتِ مَعَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى مَا يَنْطِقُ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ. فَإِنْ تَخَطَّى أَحَدُهُمْ إِلَى خُلُقٍ لَا يَحْسُنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ، لَمْ يَجْبَهْهُ فِي وَجْهِهِ عَلَى جِهَةِ التَّبْكِيتِ لَهُ. وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا يَحْسُنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ كَذَا وَكَذَا، وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَجَافَوْا عَنْ كَذَا وَكَذَا، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ لِخُلُقٍ لَا يَحْسُنُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَذَا، فَيُبَادِرُ بِرِفْقِهِ بِهِ، إِنْ سَأَلَهُ مِنْهُمْ سَائِلٌ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ رَدَّهُ عَنْهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا يَعْنِيهِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ إِلَى عِلْمٍ قَدْ غَفِلُوا عَنْهُ أَبْدَاهُ إِلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ شِدَّةَ فَقْرِهِمْ إِلَيْهِ،
[ ٥٢ ]
لَا يُعَنِّفُ السَّائِلَ بِالتَّوْبِيخِ الْقَبِيحِ فَيُخْجِلَهُ، وَلَا يَزْجُرُهُ فَيَضَعُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَكِنْ يَبْسُطُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ لِيَجْبُرَهُ فِيهَا، قَدْ عَلِمَ بُغْيَتَهُ عَمَّا يَعْنِيهِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى طَلَبِ عِلْمِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ. يُقْبِلُ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى عِلْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَيَتْرُكُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْجَدَلَ وَالْمِرَاءَ، يُقَرِّبُ عَلَيْهِمْ مَا يَخَافُونَ بُعْدَهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. يَسْكُتُ عَنِ الْجَاهِلِ حِلْمًا، وَيَنْشُرُ الْحِكْمَةَ نُصْحًا، فَهَذِهِ أَخْلَاقُهُ لِأَهْلِ مَجْلِسِهِ وَمَا شَاكَلَ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ. وَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُ مَعَ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا، فَإِنَّ مِنْ صِفَتِهِ إِذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ أَجَابَ، وَجَعَلَ أَصْلَهُ أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ. فَإِذَا أُورِدَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ اجْتَهَدَ فِيهَا، فَمَا كَانَ أَشْبَهَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ بَعْدَهُمْ قَالَ بِهِ، إِذَا كَانَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَقَوْلِ
[ ٥٣ ]
بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ رَآهُ مِمَّا يُخَالِفُ بِهِ قَوْلَ الصَّحَابَةِ وَقَوْلَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَمْ يَقُلْ بِهِ، وَاتَّهَمَ رَأْيَهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ، حَتَّى يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَقُّ، وَيَسْأَلَ مَوْلَاهُ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِإِصَابَةِ الْخَيْرِ وَالْحَقِّ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ عَلِمٍ لَا يَعْلَمُهُ لَمْ يَسْتَحِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ. وَإِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّغَبِ، وَمِمَّا يُورِثُ الْفِتَنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، اسْتَعْفَى مِنْهَا، وَرَدَّ السَّائِلَ إِلَى مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ، عَلَى أَرْفَقِ مَا يَكُونُ. وَإِنْ أَفْتَى بِمَسْأَلَةٍ فَعَلِمَ أَنَّهُ أَخْطَأَ لَمْ يَسْتَنْكِفْ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا. وَإِنْ قَالَ قَوْلًا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ - مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ - فَعَلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ كَذَلِكَ، رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَحَمِدَهُ عَلَى ذَلِكَ وَجَزَاهُ خَيْرًا. وَإِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ اشْتَبَهَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ فِيهَا قَالَ: سَلُوا غَيْرِي، وَلَمْ يَتَكَلَّفْ مَا لَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ، يَحْذَرُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُحْدَثَاتِ فِي الْبِدَعِ، لَا يُصْغِي إِلَى أَهْلِهَا بِسَمْعِهِ، وَلَا يَرْضَى بِمُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلَا يُمَارِيهِمْ. أَصْلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَا كَانَ
[ ٥٤ ]
عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، يَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ، وَيَنْهَى عَنِ الِابْتِدَاعِ. لَا يُجَادِلُ الْعُلَمَاءَ، وَلَا يُمَارِي السُّفَهَاءَ. هَمُّهُ فِي تِلَاوَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْفَهْمُ، وَفِي سُنَنِ الرَّسُولِ ﷺ الْفِقْهُ لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَا لِلَّهِ عَلَيْهِ، وَلِيَعْلَمَ كَيْفَ يَتَقَرَّبُ إِلَى مَوْلَاهُ، مُذَّكِرٌ لِلْغَافِلِ، مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ، يَضَعُ الْحِكْمَةَ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَيَمْنَعُهَا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِهَا، مَثَلُهُ مَثَلُ الطَّبِيبِ: يَضَعُ الدَّوَاءَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ. فَهَذِهِ صِفَتُهُ، وَمَا يُشْبِهُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الشَّرِيفَةَ، إِذَا كَانَ اللَّهُ ﷿ قَدْ نَشَرَ لَهُ الذِّكْرَ بِالْعِلْمِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ لِلَّهِ تَوَاضُعًا، يَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنَ اللَّهِ ﷿، مَعَ شِدَّةِ حَذَرِهِ مِنْ وَاجِبِ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْعِلْمِ "
[ ٥٥ ]