وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ أَوْصَافُهُ وَأَخْلَاقُهُ الْأَخْلَاقَ الْمَذْمُومَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى هَذَا، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَتَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَتَجَبَّرَ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْعِلْمُ فِي قَلْبِهِ أَثَرًا يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعُهُ، وَكَانَتْ أَخْلَاقُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِ أَخْلَاقَ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْغَفْلَةِ، وَسَأَذْكُرُ مِنْ أَخْلَاقِهِ الْجَافِيَةِ، مَا إِذَا تَصَفَّحَ نَفْسَهُ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ، وَرَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ، الَّتِي لَا تَحْسُنُ بِالْعُلَمَاءِ، عَلِمَ أَنَّهَا فِيهِ، وَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، لَا يُمْكِنْهُ دَفْعُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْعَظِيمُ مُطَّلِعٌ عَلَى سِرِّهِ. فَمِنْ صِفَتِهِ: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ هَمِّهِ مَعَاشَهُ، مِنْ حَيْثُ نُهِيَ عَنْهُ، مَخَافَةَ الْفَقْرِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، لَا يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ، مُسْتَبْطِئًا لِمَا لَمْ يَجْرِ بِهِ الْمَقْدُورُ أَنْ يَكُونَ، شُغْلُ الدُّنْيَا دَائِمٌ فِي قَلْبِهِ، وَذِكْرُ الْآخِرَةِ خَطَرَاتٌ، يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالتَّعَبِ، وَالْحِرْصِ، وَالنَّصَبِ، وَيَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِالتَّسْوِيفِ، وَالْمُنَى. يَذْكُرُ الرَّجَاءَ
[ ١١٨ ]
عِنْدَ الذُّنُوبِ، فَيَطْلُبُ نَفْسَهُ بِالْمُقَامِ عَلَيْهَا، وَيَذْكُرُ الْعَجْزَ عِنْدَ الطَّاعَةِ حِينَ هَمَّ بِهَا، فَيَنْزَجِرُ عَنْهَا، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مُحْسِنٌ بِاللَّهِ الظَّنَّ، وَأَنَّهُ وَاثِقٌ بِهِ فِي الْعَفْوِ، وَلَمْ يُضْمَنْ لَهُ، وَلَا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَيَثِقُ بِهِ فِي الرِّزْقِ الَّذِي ضُمِنَ لَهُ، يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ، وَيُشْغَلُ بِطَلَبِ رِزْقِهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالطُّمَأْنَينَةِ فِيهِ إِلَى رَبِّهِ، وَيَطْمَئِنُّ وَيَسْكُنُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَدْ نُدِبَ إِلَى أَنْ يَخَافَهُ، وَلَا يَسْكُنُ عِنْدَ الْحَذَرِ وَالْخَوْفِ مِنْ أَجْلِ رِزْقِهِ، وَقَدْ ضُمِنَ لَهُ، وَأَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ مَا قُدِّرَ لَهُ، فَمَا أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْهُ يَخَافُهُ، وَمَا خَوَّفَهُ اللَّهُ مِنْهُ أَمِنَهُ يَفْرَحُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْسَى بِفَرَحِهِ شُكْرَ رَبِّهِ، وَيَغْتَمُّ بِالْمَصَائِبِ حَتَّى تَشْغَلَهُ عَنِ الرِّضَى عَنْ رَبِّهِ، إِنْ نَابَتْهُ نَائِبَةٌ سَبَقَ إِلَى قَلْبِهِ الْفَزَعُ إِلَى الْعِبَادِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ، يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ الْفَرَجَ إِذَا يَئِسَ مِنَ الْفَرَجِ مِنْ قِبَلِ الْخَلْقِ، فَإِنْ طَمِعَ فِي دُنُوٍّ إِلَى مَخْلُوقٍ نَسِيَ مَوْلَاهُ. مَنِ اصْطَنَعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ حُبُّ الْمُصْطَنِعِ إِلَيْهِ، وَشُغِلَ قَلْبُهُ بِذِكْرِهِ، وَأَلْزَمَ قَلْبَهُ حُبَّهُ وَشُكْرَهُ، نَاسٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رَبَّهُ. يَثْقُلُ
[ ١١٩ ]
عَلَيْهِ بَذْلُ الْقَلِيلِ مِنْ مَالِهِ لِمَنْ لَا يُكَافِئُ عَلَيْهِ إِلَّا رَبُّهُ، وَيَخِفُّ عَلَيْهِ بَذْلُ الْكَثِيرِ لِمَنْ يُكَافِئُهُ، أَوْ يُؤَمِّلُ مِنْهُ مَنْفَعَتَهُ فِي دُنْيَاهُ، يَأْثَمُ فِيمَنْ أَحَبَّ فَيَمْدَحُهُ بِالْبَاطِلِ، وَيَعْصِي اللَّهَ فِيمَنْ يُبْغِضُهُ فَيَذُمُّهُ بِالْبَاطِلِ، يَقْطَعُ بِالظُّنُونِ، وَيُحَقِّقُ بِالتُّهَمِ. يَكْرَهُ ظُلْمَ مَنْ يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَنْصُرُهُ مِنَ الْعِبَادِ غَيْرُهُ، وَيَخِفُّ عَلَيْهِ ظُلْمُ مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ سِوَى رَبِّهِ. يَثْقُلُ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، وَيَخِفُّ عَلَيْهِ فُضُولَ الْقَوْلِ. إِنْ كَانَ فِي رَخَاءٍ فَرِحَ، وَلَهَى، وَأَسَى، وَطَغَى، وَبَغَى، وَإِنْ زَالَ عَنْهُ الرَّخَاءُ، شُلَّ قَلْبُهُ عَنِ الْوَاجِبَاتِ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَفْرَحُ، وَلَا يَمْرَحُ أَبَدًا. إِنْ مَرِضَ سَوَّفَ التَّوْبَةَ، وَأَظْهَرَ النَّدَامَةَ، وَعَاهَدَ أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ وَجَدَ الرَّاحَةَ نَقَضَ الْعَهْدَ، وَرَجَعَ مِنْ قَرِيبٍ. وَإِنْ خَافَ الْخَلْقَ، وَرَجَا دُنْيَاهُمْ، أَرْضَاهُمْ بِمَا يَكْرَهُ مَوْلَاهُ، وَإِنْ خَافَ اللَّهَ كَمَا يَزْعُمُ، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا يَكْرَهُ الْخَلْقُ. يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ من هو فوقه من العباد ولا يعيذ من هو دونه من الخلق من شر نَفْسِهِ، شِفَاؤُهُ فِي إِمْضَاءِ غَيْظِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْخِطُ رَبَّهُ. يَنْظُرُ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، فَيَسْتَقِلُّ
[ ١٢٠ ]
نِعَمَ رَبِّهِ، فَلَا يَشْكُرُهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْعَيْشِ فَيَشْكُرُ النِّعْمَةَ. يَتَشَاغَلُ بِالْفُضُولِ عَنِ الصَّلَوَاتِ إِلَى آخِرِ أَوْقَاتِهَا، فَإِنْ صَلَّى صَلَّى لَاهِيًا عَنْ صَلَاتِهِ، غَيْرَ مُعَظِّمٍ لِمَوْلَاهُ إِذَا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِذَا أَطَالَ إِمَامُهُ الصَّلَاةَ مَلَّهَا وَذَمَّهُ، وَإِنْ خَفَّفَهَا اغْتَنَمَ خِفَّتَهُ وَحَمِدَهُ. قَلِيلُ الدُّعَاءِ مَا لَمْ تَنْزِلْ بِهِ الشَّدَائِدُ وَالْعِلَلُ، فَإِنْ دَعَا فَبِقَلْبٍ مَشْغُولٍ بِالدُّنْيَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذِهِ الْأَخْلَاقُ، وَمَا يُشْبِهُهَا، تَغْلِبُ عَلَى قَلْبِ مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْعِلْمِ، فَبَيْنَا هُوَ مُقَارِنٌ لِهَذِهِ الْأَخْلَاقِ، إِذْ رَغِبَتْ نَفْسُهُ فِي حُبِّ الشُّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَأَحَبَّ مُجَالَسَةَ الْمُلُوكِ، وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَأَحَبَّ أَنْ يُشَارِكَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنْ رَاخِي عَيْشِهِمْ، مِنْ مَنْزِلٍ بَهِيٍّ، وَمَرْكَبٍ هَنِيٍّ، وَخَادِمٍ سَرِيٍّ، وَلِبَاسٍ لَيِّنٍ، وَفِرَاشٍ نَاعِمٍ، وَطَعَامٍ شَهِيٍّ، وَأَحَبَّ أَنْ يُغْشَى بَابُهُ، وَيُسْمَعَ قَوْلُهُ، وَيُطَاعَ أَمْرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ فَطَلَبَهُ، وَلَمْ يُمَكَّنْهُ إِلَّا بِبَذْلِ دِينِهِ فَتَذَلَّلَ لِلْمُلُوكِ وَلِأَتْبَاعِهِمْ، وَخَدَمَهُمْ بِنَفْسِهِ،
[ ١٢١ ]
وَأَكْرَمَهُمْ بِمَالِهِ، وَسَكَتَ عَنْ قَبِيحِ مَا يَظْهَرُ مِنْ مَنَاكِيرِهِمْ عَلَى أَبْوَابِهِمْ، وَفِي مَنَازِلِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ ثُمَّ زَيَّنَ لَهُمْ كَثِيرًا مِنْ قَبِيحِ فِعَالِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ الْخَطَأَ، لِيَحْسُنَ مَوْقِعُهُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا مُدَّةً طَوِيلَةً، وَاسْتَحْكَمَ فِيهِ الْفَسَادُ، وَلُّوهُ الْقَضَاءَ، فَذَبَحُوهُ بِغَيْرِ سِكِّينٍ، فَصَارَتْ لَهُمْ عَلَيْهِ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ شُكْرُهُمْ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُغْضِبَهُمْ عَلَيْهِ، فَيَعْزِلُوهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَضِبِ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ، فَاقْتَطَعَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى، وَالْأَرَامِلِ، وَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَأَمْوَالَ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ، وَأَهْلِ الشَّرَفِ، وَبِالْحَرَمَيْنِ، وَأَمْوَالًا يَعُودُ نَفْعُهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَرْضَى بِهَا الْكَاتِبَ، وَالْحَاجِبَ، وَالْخَادِمَ، فَأَكَلَ الْحَرَامَ، وَأَطْعَمَ الْحَرَامَ، وَكَثُرَ الدَّاعِي عَلَيْهِ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَوْرَثَهُ عِلْمُهُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَمَرَ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهُ، هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ»
[ ١٢٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا الْفِرْيَابِيُّ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ، مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ»
[ ١٢٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ ⦗١٢٤⦘ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» قَالَ جَابِرٌ ﵁: فَأَسْرَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَادْعُوا بِهِنَّ
[ ١٢٣ ]