كان شعبة بن الحجاج أميرا للمؤمنين في الحديث (١٤٢)، وأبو حنيفة من أهل الرأي بالمكانة التي عرفنا، ورغم تباين منهجيهما فقد كان شعبة كثير التقدير لأبي حنيفة، تجمع بينهما مودة ومراسلة، وكان يوثّق أبا حنيفة، ويطلب إليه أن يحدّث، ولما بلغه نبأ موته قال: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله عليه علينا برحمته (١٤٣) .
وسأل رجل يحيى بن سعيد القطان عن أبي حنيفة فقال: ما يتزين عند الله بغير ما يعلمه الله عزك وجل، فإنا والله إذا استحسنا من قوله الشيء أخذنا به.
وهكذا لم يكن الاختلاف وتباين الآراء يمنع أحدا من الأخذ بما يراه حسنا عند صاحبه، وذكر فضله في هذا ونسبة قوله إليه.
وعن عبد الله بن المبارك روايات كثيرة في الثناء على أبي حنيفة: فقد كان يذكر عنه كل خير، ويزكيه، ويأخذ من قوله، ويثني عليه، ولا يسمح لأحد أن ينال منه في مسجده، وحاول بعض جلسائه يوما أن
_________________
(١) شعبة بن الحجاج: هو شعبة بن الحجاج بن الورد ابو بسطام الملقب بأمير المؤمنين في الحديث، توفي سنة (١٦٠ هـ) له ترجمة في تاريخ بغداد (٩/٢٥٥ وما بعدها) وتهذيب التهذيب (٤/٣٣٨) وما بعدها والتذكرة (١٩٣ وما بعدها) والتاريخ الكبير للبخاري (٢ق٢/٢٤٤) وما بعدها والتأريخ الصغير له (٢/١٣٥) وطبقات ابن سعد (٧/٢٨٠) .
(٢) الانتقاء (١٢٦) .
[ ١٢٨ ]
يغمز ابا حنيفة فقال له: اسكت، والله لو رأيت ابا حنيفة لرأيت عقلا ونبلا.
ونقل عن الشافعي أنه قال: سئل مالك يوما عن عثمان البتّي، فقال: كان رجلا مقاربا، وسئل عن ابن أبي شبرمة فقال: كان رجلا مقاربا، قيل: فأحبو حنيفة: قال: لو جاء إلى أساطينكم هذه (يعني سواري المسجد) فقايسكم على أنها خشب، لظننتم أنها خشب (١٤٤) إشارة الى براعته في القياس، أما الإمام الشافعي فما أكثر ما روي عنه قوله: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة (١٤٥) .
ولم تكن مجالس هؤلاء الرجال ليذكر فيها إلاّ الخير، ومن حاول تجاوز الآداب التي تجب مراعاتها مع أئمة هذه الأمة رد إلى الصواب، وحيل بينه وبين مس أحد بما يكره، فقد سئل الفضل بن موسى السيناني (١٤٦): ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: إن ابا حنيفة جاءهم بما يعقلونه وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئا فحسدوه (١٤٧) .
هذه بعض الاقوال التي نقلت عن ائمة في الحديث كانوا مخالفين
_________________
(١) المرجع السابق (١٤٧) .
(٢) المرجع السابق (١٣٦) .
(٣) الفل بن موسى السيناني: أحد العلماء الثقبات هو من «سينان» قرية من قرى خراسان، يروي عن صغار التابعين، توفي سنة (١٩١ هـ) أو (١٩٢) له ترجمة في الميزان (٣/٣٦٠) الترجمة (٦٧٥٤) والتقريب (٢/١١١) ط. المكتبة العلمية في المدينة المنورة، وتهذيب التهذيب (٨/٢٨٦) .
(٤) المرجع السابق.
[ ١٢٩ ]
للإمام أبي حنيفة في معظم ما ذهب إليه، ولكن مخالفتهم له لم تمنعهم من الإشادة به، والثناء عليه، وذكره بما هو أهل له من الخير، ذلك لثقتهم بأن الخلاف بينهم وبينه لم يك وليد الهوى، ولا الرغبة في الاستعلاء، بل كان نشدان الحق ضالة الجميع ﵏، ولولا هذه الاخلاق الكريمة والآداب الفاضلة لا ندثر فقه الكثير من علماء سلفنا الصالح، وما كانوا يذبون عن أحد إلاّ لعلمهم أن في ذلك صونا لفقه هذه الأمة التي لا تستقيم حياتهما إلاّ في ظله.