ونظرا لاهمية الاجتهاد وخطورته، وما يترتب عليه من آثار لم يكن يمارسه من اصحاب رسول الله ﷺ الا الاكفاء القادرون.
وحين يمارسه غيرهم فيخطئ كان ﵊ ينكر ذلك ولا يقر أحدا عليه.
اخرج ابو داود والدارقطني من حديث جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه، ثم احتلم فسأل اصحابه: هل تجدون رخصة لي في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا رسول الله ﷺ اخبر بذلك، فقال ﵊: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوه اذا لم يعلموا فانما شفاء العي السؤال، انما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر او يعصب شك من راوي الحديث على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل
[ ٤٣ ]
سائر جسده » (١٥) فالرسول ﵊ لم يعذر المفتين هنا من اصحابه بل عنّفهم وعاب عليهم أنهم افتوا بغير علم واعتبرهم بمثابة القتلة لأخيهم، واوضح ان الجواب علي من كان مثلهم في «العي» أي الجهل والتحير السؤال لا المسارعة الى الفتوى ولو بغير علم والذي نبه اليه رسول الله ﷺ حول ضرورة السؤال هو ما ورد في القرآن العظيم نفسه في قوله تعالى:
(فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) «النحل ٤٣» .
واخرج الامام احمد والشيخان وأبو داود والنسائي والطبراني عن اسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا قلا: لا إلا اله الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «أقال لا إلا اله الله وقتلته؟!» قلت يا رسول انما قالها خوفا من السلاح. قال «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إلا اله الله يوم القيامة؟» فمازال يكررها حتى تمنيت ان لم أكن اسلمت قبل ذلك اليوم. (١٦)
ففي الحديث الاول انكر رسول الله «ص» على الصحابة أخذهم بعموم الادلة الدالة على وجوب استعمال الماء لواجده بغض النظر عن حالته فهم لم ينتبهوا الى قوله تعالى:
_________________
(١) سنن أبي داود «باب في المجروح التيمم» الحديث (٣٣٦) واخرجه ابن ماجه الحديث رقم (٥٧٢) وصححه ابن السكن، وانظر نيل الأوطار (١/٣٢٣) .
(٢) قد ورد باختلاف في بعض الفاظه فانظره في البخاري (٧/٣٩٨) .
[ ٤٤ ]
(وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) «المائدة٦٠» ولم يسألوا وهم ليسوا من أهل النظر.
واما حديث اسامة فيفهم منه كأنه ﵁ تأول قول الله تعالى:
( فلم يك ينفعهم ايمانهم لمّا رأوا بأسنا ) «غافر ٨٥» .
واعتبر الآية نافية للنفع في الدنيا والآخر وأنها عامة في الحالين وليست خاصة بالآخر، كما هو ظاهر من الآية الكريمة، ولعل ذلك ما جعل النبي ﷺ يعنفه.
تلك بعض فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم التي لم يقرهم عليها رسول الله ﷺ (١٧) .
لقد كان الناس يستفتونه، ﵊، في الوقائع فيفتيهم، وترفع اليه القضايا فيقضي فيها (١٨) ويرى الفعل الحسن فيستحسنه ويثني على فاعله ويرى الفعل المغاير فينكره، ويتعلم منه اصحابه رضوان الله عليهم ذلك، ويرويه بعضهم لبعضهم الآخر فيشيع بين الآخرين، وقد يختلفون فيتحاورون فيما اختلفوا فيه بدافع الحرص، دون أن يجاوزا ذلك الى التنازع والشقاق، وتراشق الاتهامات وتبادل الطعون لأنهم بالرجوع الى كتاب الله تعالى، والى رسوله ﷺ يحسمون أي خلاف دون ان تبقى اية رواسب يمكن ان تلقي ظلالها على اخوّتهم.
_________________
(١) وقد احصى ابن حزم جملة كبيرة من فتاوى الصحابة التي لم يقرهم عليها رسول الله ﷺ وانظرها في الإحكام (٦/٨٤ ٨٥) وراجع (٢/١٢٦ ١٢٧) .
(٢) تراجع حجة الله البالغة (١/٢٩٨) .
[ ٤٥ ]