لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ما يمكن ان يؤدي الى الاختلاف بالمعنى الذي ذكرناه ذلك لان رسول الله ﷺ مرجع الجميع باتفاق ومردهم في كل أمر يحزبهم، ومفزعهم في كل شأن، وهاديهم من كل حيرة، فاذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في شيء ردوه اليه ﵊ فبين لهم وجه الحق فيه، وأوضح لهم سبيل الهداية، وأما الذين ينزل بهم من الأمور مالا يستطيعون رده الى رسول الله ﷺ
[ ٣٣ ]
لبعدهم عن المدينة المنورة، فكان يقع بينهم الاختلاف كاختلاف في تفسير ما يعرفونه من كتاب الله، او سنة رسوله ﷺ وتطبيقه على ما نابهم من احداث وقدا لا يجدون في ذلك نصا فتختلف اجتهاداتهم هؤلاء اذا عادوا الى المدينة، والتقوا برسول الله ﷺ عرضوا عليه ما فهموه من النصوص التي بين أيديهم او ما اجتهدوا فيه من القضايا فإما ان يقرهم على ذلك فيصبح جزءا من سنته ﷺ وإما أن يبين لهم وجه الحق والصواب فيطمئنون لحكمه ﷺ ويأخذون به ويرتفع الخلاف، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أما أخرجه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال يوم الاحزاب: «لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، أي: ديار بني قريظة.
وقال بعظهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم» (٩) وظاهر من هذا الحديث الشريف ان الصحابة رضوان الله عليهم انقسموا الى فريقين في موقفهم من أداء صلاة العصر: فريق أخذ بظاهر اللفظ (كما يقول المناطقة) أوم بما يسميه أصوليو الحنفية بـ «عبارة النص» . وفريق استنبط من النص معنى خصصه به.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري بهامش شرحه فتح الباري (٧/٣١٣)، وإرشاد الساري والعيني (٨/٢٥٤) ومتن البخاري (٥/٤٧) في كتاب المغازي ويستحسن مراجعته في باب صلاة الخوف، ومسلما في «كتاب الصلاة» .
[ ٣٤ ]
وتصويب رسول الله ﷺ للفريقين دليل على مشروعية كل من المذهبين.
فالمسلم اذن، له أن يأخذ بظاهر النص وله ان يستنبط من المعاني ما يحتمله النص وبمكن التدليل عليه ولا لوم على من بذل جهده وكان مؤهلا لهذا النوع من الجهد. فالفريق الثاني من الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أن رسول الله ﷺ انما اراد أن يأمرهم بالمبالغة في الاسراع ولذلك اعتبروا أن اداءهم الصلاة قبل الوصول الى بني قريظة لا ينافي أمر رسول الله ﷺ بالصلاة في بني قريظة ما دامت الصلاة لن تؤخرهم عن الوصول. ومن الطريف أن ابن القيم ﵀ أورد اختلاف الفقهاء في تصويب أي من الفريقين، وبيان الافضل من فعل كل منهما، فمن قائل: ان الافضل فعل من صلى في الطريق فحاز قصب السبق في أداء الصلاة في وقتها وتلبية أمر رسول الله ﷺ ومن قائل: ان الافضل فعل من أخرها ليليها في بني قريظة (١٠) .
قلت: وما دام رسول الله ﷺ لم يعنف واحدا منهما فكان على الفقهاء ﵏ ان يسعهم ذلك من سنة رسول الله ﷺ وألا يخوضوا في أمر قد تولى، ﵊، حسمه والانتهاء منه.
_________________
(١) في كتابه «إعلام الموقعين» .
[ ٣٥ ]
ب ومن امثلته كذلك ما أخرجه ابو داود والحاكم من حديث عمرو بن العاص ﵁، قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزة ذات السلاسل (١١) فأشفقت ان اغتسلت ان أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنفي ﷺ فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فأخبرته بالذي (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) «النساء ٢٩» فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا» (١٢) .