رأينا فيما تقدم كيف آل أمر الاجتهاد الى ما آل إليه، لقد خاف كثير من الصلحاء من أن يلج بابه من لا يصلح له، فقد تصدى للفتيا رجال صنعوا على أعين السلطان فأصبحوا يلوون أعناق النصوص الى حيث مالت بهم رياح الهى، وتفاوت العلماء بين مرخص ومتشدد، وخشي صلحاء الأمة على مصيرهم ومصير دينها وبدؤوا يبحثون عن العلاج فلم
[ ١٤٣ ]
يجدوا منفذا للخلاص إلا في إلزام الأمة بالتقليد، ويا لها من أزمة يكون المخرج منها درك التقليد.
إن تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، واستمرار مناقضاتهم ومعارضاتهم وممانعاتهم جعل المخرج الوحيد من الجدل هو الرجوع إلى أقوال المتقدمين في المسائل الخلافية، كما أن الناس فقدوا الثقة بكثير من القضاة لتقربهم من السلطان وإقبالهم على الدنيا وجورهم في كثير من القضايا، فأصبحوا لا يقون بقضاء القاضي إلا إذا كان قضاؤه موافقا لقول أحد الائمة الأربعة.
وهكذا اعتبر تقليد الأئمة الأربعة عند جماهير المسلمين، والتزام أقوالهم في كل ما قالوا به، والتخريج عليها فيما لم يقولوا به ضمانة واقية من الاجتهادات المنحرفة التي قد تصدر عن غير أهل الورع من حملة العلوم الشرعية خدمة للأغراض، وتحقيقا للرغبات، فقد ادعى إمام الحرمين (توفي٤٧٨هـ) انعقاد إجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذي سبروا ونظروا وبوبوا الأبواب وذكروا أوضاع المسائل، وتعرضوا لمذاهب الألين، ثم أكد ذلك وخلص إلى ذلك الحكم الغريب بكون العامي مأمورا باتباع مذاهب السابرين (١٦٣) .
وعلى قول إمام الحرمين هذا، وعلى ادعائه إجماع المحققين، بنى ابن الصلاح (٦٤٣هـ) دعواه بوجوب تقليد الأئمة الأربعة لانضباط
_________________
(١) البرهان (٢/١١٤٦، فقه ١١٧٣) والتقرير والتحبير (٣/٣٥٣) .
[ ١٤٤ ]
مذاهبهم وتدوينها، وتحرير شروطها، ونحو ذلك مما لم يتوفر لمذاهب سواهم من الصحابة والتابعين (١٦٤) وتناقله عنه بعد ذلك المتأخرون (١٦٥) . ومن هنا بدأ إهمال الناس للكتاب الكريم وعلومه، وإعراضم عن السنة وفنونها، وقنعوا من العلم بنقل الأقوال والمذاهب وتقعيدها وتأصيلها والجدال عنها، والتفريع عليها، والتخريج منها في أحسن الأحوال.
واستمر الانحدار واشتد الخلاف وتعمق ونشأت بعد ذلك قرون على التقليد المحض، فركدت حركة الفكر، وذوت شجرة الاجتهاد، وانتشرت الفتن وعم الجهل، وأصبح الفقيه العالم في نظر الناس هو ذلك الذي حفظ جملة من أقوال الفقهاء وتزود بعدد من الآراء، دون تمييز بين قويها وضعيفها، وصار المحدث من حفظ جملة من الأحاديث صحيحها وسقيمها.
وليت الأمر توقف عند هذه الحدود، فقد نزل الحال عن هذا الدرك الهابط الى ما هو أشد هبوطا منه، كأن شمس العلوم غابت عن دنيا المسلمين وعقم الفكر، فراجت سوق البدع، ونفقت بضاعة الانحراف، وشاعت الخرافات فاتخذت أشكالات مختلفة، مما أفسح أمام الغزاة الطريق ليكتسبوا الحضارة الإسلامية ويستبيحوا ديار الإسلام.
_________________
(١) ينظر التقرير والتحبير (٣/٣٥٣) .
(٢) ينظر التقرير والتحبير، وشرح جوهرة التوحيد تحفة المريد (١٥٢) .
[ ١٤٥ ]