وحتى نتلمس المزيد من أدب الاختلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم نعرض القضايا الخلافية، فنقول: كان ابن عباس ﵄ يذهب كالصدّيق وكثير من الصحابة إلى أن الجد يسقط جميع الإخوة والأخوات في المواريث كالادب، وكان زيد بن ثابت كعلي وابن مسعود وفريق آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يذهب إلى توريث الإخوة مع الجد ولا يحجبهم به، فقال ابن عباس يوما: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا!: وقال: لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع، فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (٤٨) .
تلك أمثلة من اختلافات الصحابة الفقيهة، نوردها لا لنعمق الهوة ونؤصل الاختلاف بل لتنحصر ضالتنا في استقراء آداب نلتقي عليها في حل خلافاتنا الفقهية حتى يغدو أسلوب حياة لنا في تعاملنا مع الناس.
إن ابن عباس ﵄ الذي بلغت ثقته بصحة اجتهاده وخطأ اجتهاد زيد هذا الحد الذي رأيناه، رأى زيد بن ثابت يوما يركب دابته فأخذ بركابه يقود به، فقال زيد: تنحّ يا ابن عم رسول الله ﷺ. فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد: أرني
_________________
(١) يراجع تخريجنا لهذا الاثر من كتب الآثار بحاشيتنا على المحصول (٢/ق٢/٧٦) وينظر كذلك (٢/ق١/ ١٨١) .
[ ٦٥ ]
يدك. فأخرج ابن عباس يده، فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. (٤٩) وحين توفي زيد قال ابن عباس: «هكذا يذهب العلم» (٥٠) وفي رواية البيهقي في سننه الكبرى «هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير» (٥١) . وكان عمر ﵁ يدعو ابن عباس للمعضلات من المسائل مع شيوخ المهاجرين والأنصار من البدريين وغيرهم (٥٢) .
والحق لو أننا حاولنا تتبع القضايا الخلافية بين الصحابة في مسائل الفقه، وسلوكهم في عرض مذاهبهم لسودنا في ذلك كتبا، وهذا ليس مبتغانا هنا إنما نورد نماذج فقط نستشف منها الآداب التي تربى عليها جيل الصحابة رضوان الله عليهم، لتدل على مدى التزامهم بآداب الاختلاف في الظروف كلها.
حين جرى الكتاب بما سبق في علم الله، ووقعت الفتن الكبرى، وحدث ما حدث بين الصحابة لأمور الله وحده العالم بكل اسبابها، والمحيط بسائر عواملها حين حدث ذلك ووقع السيف بينهم ما نسي أصحاب رسول الله ﷺ فضائل أهل الفضل منهم، ولا أنستهم الأحداث الجسام والفتن العظام مناقب أهل المناقب منهم، فهذا أمير المؤمنين
_________________
(١) كما في كنز العمال (٧/٣٧) وحياة الصحابة (٣/٣٠) وفيها ينظر تصحيحه وبقية مراجعه.
(٢) انظر إعلام الموقعين (١/١٨) .
(٣) سنن البيهقي (٦/٢١١) والمحصول (٢/ق٢/٧٧) .
(٤) مصنف عبد الرزاق (١١/٢٨) رقم (٣٠٤٨٩) والمحصول (٢/ق١/٢١٧) وما بعدها.
[ ٦٦ ]
علي ﵁ يقول عنه مروان بن الحكم: «ما رأيت أحدا أكرم غلبة من علي، ما هو إلاّ يوم الجمل فنادى مناديه ولا يذفف أي يجهز على جريح» (٥٣) .
ويدخل عمران بن طلحة على علّي ﵁، بعدما فرغ من معركة الجمل، فيرحب به ويدنيه ويقول: «إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله ﷿ فيهم: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) (الحجر: ٤٧) . ثم أخذ يسأله عن أهل بيت طلحة فردا فردا وعن غلمانه وعن أمهات أولاده
يا ابن أخي كيف فلانة؟ كيف فلانة؟ ويستغرب بعض الحاضرين ممن لم يحظوا بشرف صحبة رسول الله ﷺ، ولم يدركوا ماذا يعني أن يكون الإنسان من أصحاب رسول الله ﷺ، فيقول رجلان جالسان على ناحية البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا في الجنة؟ فيغضب الإمام علي، ويقول للقائلين: «قوما أبعد أرض الله وأسحقها فمن هو إذا إن لم أكن أنا وطلحة، فمن إذن؟!» (٥٤) .
ويسأل بعضهم أمير المؤمنين عليا عن «أهل الجمل» أمشركون هم؟ فيقول ﵁: من الشرك وفرّوا.
قال: أمنافقون هم؟ فيقول ﵁: إن المنافقين لا يذكرون الله إلاّ قليلا.
فيقال: فمن هم إذن؟ فيقول كرم الله وجهه؛ إخواننا بغوا علينا (٥٥) .
_________________
(١) حياة الصحابة (٣/١٢) .
(٢) طبقات ابن سعد (٣/٢٢٤) وحياة الصحابة (٣/١٣) .
(٣) أخرجه البيهقي في السنن (٨/١٧٣) .
[ ٦٧ ]
وينال أحدهم من أم المؤمنين عائشة ﵂ بمحضر من عمار بن ياسر الذي كان على غير موقفها يوم الجمل كما هو معروف فيقول ﵁: «اسكت مقبوحا منبوحا، أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ؟ فأشهد أنها زوجة رسول الله ﷺ في الجنة؟ لقد سارت أمنا عائشة ﵂ مسيرة وإنا لنعلم أنها زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلانا بها ليعلم إياه نطيع أو إياها» (٥٦) .
أي أدب بعد هذا ينتظر صدوره من رجال قضت مشيئة الله أن تتلاقى رماحهم، لكن النور الذي استقوه من مشكاة النبوة ظل ينير قلوبا عجزت الإحن أن تغشاها، ففاضت بمثل هذا الادب في الاختلاف، وحمد لله فما كان الله جل شأنه ليجمع في رجال عصوره الخير الاختلاف ومجانفة الأدب.