ومع ما تقدم فان العلماء قد حذروا من الاختلاف بكل انواعه وأكدوا على وجوب اجتنابه.
يقول ابن مسعود ﵁: «الخلاف شر» (٦) وقال السبكي ﵀: « ان الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال تعالى ( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) «البقرة ٢٥٣» وكذا السنة: قال ﵊: «انما هلكت بنو اسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» (٧)، والآيات والاحاديث في ذلك كثيرة، هذا وقد أدرج السبكي ﵀ تحت النوع الثالث من الاختلاف (الذي يتردد بين المدح والذم) اقساما ثلاثة، فقال: « والاختلاف على ثلاثة اقسام، احدها في الاصول، وهو المشار اليه في القرآن، ولاش: انه بدعة وضلال. والثاني في الآراء والحروب هو حرام ايضا لما فيه من تضييع المصالح، والثالث في الفروع، كالاختلاف في الحل والحرمة ونحوهما» (٨) .
_________________
(١) انظر «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة ص٢٢ و«العواصم من القواصم» ص٧٨. وراجع «المحصول» (٢ق١/٤٨٠) .
(٢) والحديث بتمامه من طريق أبي هريرة «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعونه» رواه أحمد في مسنده، ومسلم والنسائي وابن ماجه على ما في الفتح الكبير (٢/١٢٠) والإحكام (٦٦/٥) .
(٣) أنظر الإبهام (٣/١٣) .
[ ٣٠ ]
والذي قطع به أن الاتفاق فيه أي: في الثالث خير من الاختلاف.
كما نبه ﵀ الى كلام ابن حزم في ذم الاختلاف في ذلك ايضا اذ لم يجعل ابن حزم ﵀ شيئا من الاختلاف رحمة، بل اعتبره كله عذابا.
ويكفي لمعرفة اضرار الاختلاف وخطورته أن نبي الله هارون ﵇ عد الاختلاف اكبر خطرا، واشد ضررا من عبادة الاوثان. فحين صنع السامري لقومه عجلا من الذهب وقال لهم: (هذا الهكم واله موسى) (طه: ٨٨) التزم جانب الصمت وبقي ينتظر أخاه موسى ﵇، ولما وصل موسى ورأى القوم عاكفين على العجل وجه أشد اللوم الى اخيه، فما كان عذر أخيه الا أن قال: (يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قوله ) «طه ٩٤» فجعل من خوف الفرقة والاختلاف بين قومه عذرا له في عدم التشديد في الانكار، ومقاومة القوم والانفصال عنهم حين لا ينفع الانكار!!
[ ٣١ ]