عن عبد الله بن المبارك (٨٢) قال: حدّثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال علي: لا تقاتلوهم (أي الخوارج) حتى يخرجوا فإنهم سيخرجون، قال: قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فإني أريد أن أدخل عليهم فأسمع من كلامهم وأكلمهم، فقال: أخشى عليك منهم، قال: (أي ابن عباس) وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا. قال: فلبست أحسن ما يكون من الثياب اليمنية، وترجلت ثم دخلت عليهم وهم قائلون: فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلتو عليهم القرآن: (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (الأعراف: ٣٢) وقلت: ولقد
_________________
(١) عبد الله بن المبارك: هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي المروزي المكنى بأبي عبد الرحمن، فقيه محدث حافظ حجة جمع. بين العلم والعبادة، والجهاد والتجارة، واشتهر بالزهد والورع توفي بمدينة هيت في العراق سنة (١٨١ هـ)، له ترجمة في طبقات ابن سعد (٧/٣٧٢) والشيرازي (٧٧) والجرح والتعديل (٢ق٢/١٧٩) والتذكرة (١/٢٧٤) والحلية (٨/١٦٢) وتهذيب التهذيب (٥/٣٨٢) .
[ ٨٤ ]
رأيت رسول الله ﷺ يلبس أحسن ما يكون من اليمنية. فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتكم من عند صاحبي، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وصاحبه، وأصحاب رسول الله ﷺ أعلم بالوحي منكم، وفيهم نزل القرآن، ابلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فما الذي نقمتم؟ فقال بعضهم ناهيا: إياكم والكلام معه، إن قريشا قوم خصمون، قال الله ﷿: (بل هم قوم خصمون) (الزخرف:٥٨) . وقال بعضهم كلّموه، فانتحى لي منهم رجلان أو ثلاثة، فقالوا: إن شئت تكلمت وإن شئت تكلمنا. فقلت: بل تكلموا. فقالوا: ثلاث نقمناهن عليه: جعل الحكم إلى الرجال وقال الله: (إن الحكم إلا الله) (الأنعام: ٥٧) (يوسف: ٤٠ ٦٧) فقلت: قد جعل الله الحكم من أمره إلى الرجال في ربع درهم: في الأرنب (٨٣)، وفي المرأة وزوجها (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) (النساء: ٣٥) .
فالحكم في رجل وامرأته والعبد افضل، أم الحكم في الأمة يرجع بها ويحقن دماؤها، ويلم شعثها؟ قالوا: نعم.
قالوا: وأخرى مجانفة أن يكون أمير المؤمنين، فأمير الكافرين هو. فقلت لهم: أرأيتهم إن قرأت من كتاب الله عليكم، وجئتكم به من سنة رسول الله ﷺ أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: قد سمعتم أو أراه قد بلغكم أنه لما كان يوم الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) إشارة الى قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم) (المائدة: ٩٥) وذلك حول قتل المحرم الصيد.
[ ٨٥ ]
فقال النبي ﷺ لعلي: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ﷺ» فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال رسول الله ﷺ لعلي: «امح يا علي» أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: قتل ولم يسب، ولم يغنم (أي في معركة الجمل وصفين) أفتسبون أمكم، وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟! فإن قلتم: نعم، فقد كفرتم بكتاب الله، وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين
وكلما جئتم بشيء من ذلك اقول: أفخرجت منها؟ فيقولون: نعم. قال: فرجع منتهم ألفان وبقي ستة آلاف (٨٤) .
فهؤلاء قوم أشهروا سيوفهم للقتال، واستحلوا دماء مخالفيهم، لكنهم مع ذلك حين جودلوا بالحق استجاب كثير منهم، وحينما ذكّروا بالقرآن تذكروا، وحينما دعوا الى الحوار استجابوا بقلوب مفتحة، فأين المسلمون اليوم من هذا؟!
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/٢١٤ ٢١٥) وله طرق أخرى، بالفاظ مختلفة عنه.
[ ٨٦ ]