التَّعَلُّمُ فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلُومِ أَوَائِلَ تُؤَدِّي إلَى أَوَاخِرِهَا، وَمَدَاخِلَ تُفْضِي إلَى حَقَائِقِهَا. فَلْيَبْتَدِئْ طَالِبُ الْعِلْمِ بِأَوَائِلِهَا لِيَنْتَهِيَ إلَى أَوَاخِرِهَا، وَبِمَدَاخِلِهَا لِتُفْضِيَ إلَى حَقَائِقِهَا. وَلَا يَطْلُبُ الْآخِرَ قَبْلَ الْأَوَّلِ، وَلَا الْحَقِيقَةَ قَبْلَ الْمَدْخَلِ.
فَلَا يُدْرِكُ الْآخِرَ وَلَا يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى غَيْرِ أُسٍّ لَا يُبْنَى، وَالثَّمَرُ مِنْ غَيْرِ غَرْسٍ لَا يُجْنَى. وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ فَاسِدَةٌ وَدَوَاعٍ وَاهِيَةٌ.
فَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ فِي النَّفْسِ أَغْرَاضٌ تَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ فَيَدْعُو الْغَرَضُ إلَى قَصْدِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَيَعْدِلُ عَنْ مُقَدِّمَاتِهِ، كَرَجُلٍ يُؤْثِرُ الْقَضَاءَ
[ ٤٨ ]
وَيَتَصَدَّى لِلْحُكْمِ فَيَقْصِدُ مِنْ عِلْمِ الْفِقْهِ أَدَبَ الْقَاضِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ، أَوْ يُحِبُّ الِاتِّسَامَ بِالشَّهَادَةِ فَيَتَعَلَّمُ كِتَابَ الشَّهَادَاتِ فَيَصِيرُ مَوْسُومًا بِجَهْلِ مَا يُعَانِي.
فَإِذَا أَدْرَكَ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ حَازَ مِنْ الْعِلْمِ جُمْهُورَهُ، وَأَدْرَكَ مِنْهُ مَشْهُورَهُ، وَلَمْ يَرَ مَا بَقِيَ مِنْهُ إلَّا غَامِضًا طَلَبُهُ عَنَاءٌ، وَغَوِيصًا اسْتِخْرَاجُهُ فَنَاءٌ؛ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ، وَانْصِرَافِهَا عَمَّا تَرَكَ.
وَلَوْ نَصَحَ نَفْسَهُ لَعَلِمَ أَنَّ مَا تَرَكَ أَهَمُّ مِمَّا أَدْرَكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْعِلْمِ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، وَلِكُلِّ بَابٍ مِنْهُ تَعَلُّقٌ بِمَا قَبْلَهُ فَلَا تَقُومُ الْأَوَاخِرُ إلَّا بِأَوَائِلِهَا.
وَقَدْ يَصِحُّ قِيَامُ الْأَوَائِلِ بِأَنْفُسِهَا فَيَصِيرُ طَلَبُ الْأَوَاخِرِ بِتَرْكِ الْأَوَائِلِ تَرْكًا لِلْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ فَإِذَنْ لَيْسَ يُعَرَّى مِنْ لَوْمٍ وَإِنْ كَانَ تَارِكُ الْآخَرِ أَلْوَمَ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُحِبَّ الِاشْتِهَارَ بِالْعِلْمِ إمَّا لِتَكَسُّبٍ أَوْ لِتَجَمُّلٍ فَيَقْصِدُ مِنْ الْعِلْمِ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ مَسَائِلِ الْجَدَلِ وَطَرِيقِ النَّظَرِ.
وَيَتَعَاطَى عِلْمَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ دُونَ مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ؛ لِيُنَاظِرَ عَلَى الْخِلَافِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْوِفَاقَ، وَيُجَادِلَ الْخُصُومَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَذْهَبًا مَخْصُوصًا. وَلَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ عَدَدًا قَدْ تَحَقَّقُوا بِالْعِلْمِ تَحَقُّقَ الْمُتَكَلِّفِينَ، وَاشْتُهِرُوا بِهِ اشْتِهَارَ الْمُتَبَحِّرِينَ. إذَا أَخَذُوا فِي مُنَاظَرَةِ الْخُصُومِ ظَهَرَ كَلَامُهُمْ، وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ وَاضِحِ مَذْهَبِهِمْ ضَلَّتْ أَفْهَامُهُمْ، حَتَّى إنَّهُمْ لَيَخْبِطُونَ فِي الْجَوَابِ خَبْطَ عَشْوَاءِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُمْ صَوَابٌ، وَلَا يَتَقَرَّرُ لَهُمْ جَوَابٌ.
وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا إذَا نَمَّقُوا فِي الْمَجَالِسِ كَلَامًا مَوْصُوفًا، وَلَفَّقُوا عَلَى الْمُخَالِفِ حِجَابًا مَأْلُوفًا. وَقَدْ جَهِلُوا مِنْ الْمَذَاهِبِ مَا يَعْلَمُ الْمُبْتَدِئُ وَيَتَدَاوَلُهُ النَّاشِئُ. فَهُمْ دَائِمًا فِي لَغَطٍ مُضِلٍّ، أَوْ غَلَطٍ مُذِلٍّ وَرَأَيْت قَوْمًا مِنْهُمْ يَرَوْنَ الِاشْتِغَالَ بِالْمَذَاهِبِ تَكَلُّفًا، وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ تَخَلُّفًا.
وَحَاجَّنِي بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ حَافِظِ الْمَذَاهِبِ مَسْتُورٌ، وَعِلْمُ الْمَنَاظِرِ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ. فَقُلْت: فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُ حَافِظِ الْمَذْهَبِ مَسْتُورًا وَهُوَ سَرِيعٌ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، كَثِيرُ الصَّوَابِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْأَلْ سَكَتَ فَلَمْ يُعْرَفْ، وَالْمَنَاظِرُ إنْ لَمْ يَسْأَلْ سَائِلٌ يُعْرَفُ. فَقُلْت: أَلَيْسَ إذَا سُئِلَ الْحَافِظُ فَأَصَابَ بَانَ فَضْلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَفَلَيْسَ إذَا سُئِلَ الْمَنَاظِرُ فَأَخْطَأَ بَانَ نَقْصُهُ، وَقَدْ قِيلَ: عِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ
[ ٤٩ ]
يُهَانُ؟ فَأَمْسَكَ عَنْ جَوَابِي؛ لِأَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ كَابَرَ الْمَعْقُولَ، وَلَوْ اعْتَرَفَ لَزِمَتْهُ الْحُجَّةُ.
وَالْإِمْسَاكُ إذْعَانٌ وَالسُّكُوتُ رِضًى، وَأَنْ يَنْقَادَ إلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الْبَاطِلُ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَنْ يَقُولُ اعْرَفُونِي وَهُوَ غَيْرُ عَرُوفٍ وَلَا مَعْرُوفٍ وَبَعِيدٌ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْعِلْمَ أَنْ يَعْرِفَهُ. وَقَدْ قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمْ.
وَمِنْ أَسْبَابِ التَّقْصِيرِ أَيْضًا أَنْ يَغْفُلَ عَنْ التَّعَلُّمِ فِي الصِّغَرِ، ثُمَّ يَشْتَغِلَ بِهِ فِي الْكِبَرِ فَيَسْتَحِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِمَا يَبْتَدِئُ الصَّغِيرُ، وَيَسْتَنْكِفُ أَنْ يُسَاوِيَهُ الْحَدَثُ الْغَرِيرُ، فَيَبْدَأُ بِأَوَاخِرِ الْعُلُومِ، وَأَطْرَافِهَا، وَيَهْتَمُّ بِحَوَاشِيهَا، وَأَكْنَافِهَا؛ لِيَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّغِيرِ الْمُبْتَدِي، وَيُسَاوِيَ الْكَبِيرَ الْمُنْتَهِي.
وَهَذَا مِمَّنْ رَضِيَ بِخِدَاعِ نَفْسِهِ، وَقَنَعَ بِمُدَاهَنَةِ حِسِّهِ؛ لِأَنَّ مَعْقُولَهُ إنْ أَحَسَّ وَمَعْقُولَ كُلِّ ذِي حِسٍّ يَشْهَدُ بِفَسَادِ هَذَا التَّصَوُّرِ، وَيَنْطِقُ بِاخْتِلَالِ هَذَا التَّخَيُّلِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقُومُ فِي وَهْمٍ. وَجَهْلُ مَا يَبْتَدِئُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ أَقْبَحُ مِنْ جَهْلِ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ الْعَالِمُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
تَرَقَّ إلَى صَغِيرِ الْأَمْرِ حَتَّى يُرَقِّيَك الصَّغِيرُ إلَى الْكَبِيرِ
فَتَعْرِفَ بِالتَّفَكُّرِ فِي صَغِيرٍ كَبِيرًا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الصَّغِيرِ
وَلِهَذَا الْمَعْنَى، وَأَشْبَاهِهِ كَانَ الْمُتَعَلِّمُ فِي الصِّغَرِ أَحْمَدَ.
رَوَى مَرْوَانُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؛ «مِثْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الصَّخْرِ وَاَلَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي كِبَرِهِ كَاَلَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ.» .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرَاضِيِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ أَفْرَغُ قَلْبًا، وَأَقَلُّ شُغْلًا، وَأَيْسَرُ تَبَذُّلًا، وَأَكْثَرُ تَوَاضُعًا.
وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْمُتَوَاضِعُ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ أَكْثَرُهُمْ عِلْمًا، كَمَا أَنَّ الْمَكَانَ الْمُنْخَفِضَ أَكْثَرُ الْبِقَاعِ مَاءً. فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ أَضْبَطَ مِنْ الْكَبِيرِ إذَا عَرِيَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَانِعِ، وَأَوْعَى مِنْهُ إذَا خَلَا مِنْ هَذِهِ الْقَوَاطِعِ فَلَا.
حُكِيَ أَنَّ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: التَّعْلِيمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ. فَقَالَ
[ ٥٠ ]
الْأَحْنَفُ: الْكَبِيرُ أَكْثَرُ عَقْلًا وَلَكِنَّهُ أَشْغَلُ قَلْبًا. وَلَعَمْرِي لَقَدْ فَحَصَ الْأَحْنَفُ عَنْ الْمَعْنَى وَنَبَّهَ عَلَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ قَوَاطِعَ الْكَبِيرِ كَثِيرَةٌ: فَمِنْهَا: مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِحْيَاءِ. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: يَرْتَعُ الْجَهْلُ بَيْنَ الْحَيَاءِ وَالْكِبَرِ فِي الْعِلْمِ.
وَمِنْهَا: وُفُورُ شَهَوَاتِهِ وَتَقَسُّمُ أَفْكَارِهِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
صَرْفُ الْهَوَى عَنْ ذِي الْهَوَى عَزِيزُ إنَّ الْهَوَى لَيْسَ لَهُ تَمْيِيزُ
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إنَّ الْقَلْبَ إذَا عَلِقَ كَالرَّهْنِ إذَا غُلِقَ.
وَمِنْهَا: الطَّوَارِقُ الْمُزْعِجَةُ وَالْهُمُومُ الْمُذْهِلَةُ. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: الْهَمُّ قَيْدُ الْحَوَاسِّ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ بَلَغَ أَشُدَّهُ لَاقِي مِنْ الْعِلْمِ أَشُدَّهُ.
وَمِنْهَا: كَثْرَةُ اشْتِغَالِهِ وَتَرَادُفُ حَالَاتِهِ حَتَّى أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ زَمَانَهُ وَتَسْتَنْفِدُ أَيَّامَهُ. فَإِذَا كَانَ ذَا رِئَاسَةٍ أَلْهَتْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَعِيشَةٍ قَطَعَتْهُ. وَلِذَلِكَ قِيلَ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا. وَقَالَ بَزَرْجَمْهَر: الشَّغْلُ مَجْهَدَةٌ وَالْفَرَاغُ مَفْسَدَةٌ.
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَنِيَ فِي طَلَبِهِ وَيَنْتَهِزَ الْفُرْصَةَ بِهِ، فَرُبَّمَا شَحَّ الزَّمَانُ بِمَا سَمَحَ وَضَنَّ بِمَا مَنَحَ. وَيَبْتَدِئُ مِنْ الْعِلْمِ بِأَوَّلِهِ وَيَأْتِيهِ مِنْ مُدْخَلِهِ وَلَا يَتَشَاغَلُ بِطَلَبِ مَا لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ إدْرَاكِ مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ.
فَإِنَّ لِكُلِّ عِلْمٍ فُصُولًا مُذْهِلَةً وَشُذُورًا مُشْغِلَةً، إنْ صَرَفَ إلَيْهَا نَفْسَهُ قَطَعَتْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ.
وَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَا لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ بَارِعًا فَبُطُونُ الصُّحُفِ أَوْلَى بِهِ مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيك تُدْرِكُ مَا يُغْنِيك. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى تَرْكِ مَا
[ ٥١ ]
اُسْتُصْعِبَ عَلَيْهِ إشْعَارًا لِنَفْسِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فُضُولِ عِلْمِهِ وَإِعْذَارًا لَهَا فِي تَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطِيَّةُ النَّوْكَى وَعُذْرُ الْمُقَصِّرِينَ.
وَمَنْ أَخَذَ مِنْ الْعِلْمِ مَا تَسَهَّلَ وَتَرَكَ مِنْهُ مَا تَعَذَّرَ كَانَ كَالْقَنَّاصِ إذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الصَّيْدُ تَرَكَهُ فَلَا يَرْجِعُ إلَّا خَائِبًا إذْ لَيْسَ يَرَى الصَّيْدَ إلَّا مُمْتَنِعًا. كَذَلِكَ الْعِلْمُ كُلُّهُ صَعْبٌ عَلَى مَنْ جَهِلَهُ، سَهْلٌ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ؛ لِأَنَّ مَعَانِيَهُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا مُسْتَوْدَعَةٌ فِي كَلَامٍ مُتَرْجَمٍ عَنْهَا.
وَكُلُّ كَلَامٍ مُسْتَعْمَلٍ فَهُوَ يَجْمَعُ لَفْظًا مَسْمُوعًا وَمَعْنًى مَفْهُومًا، فَاللَّفْظُ كَلَامٌ يُعْقَلُ بِالسَّمْعِ وَالْمَعْنَى تَحْتَ اللَّفْظِ يُفْهَمُ بِالْقَلْبِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعُلُومُ مَطَالِعُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: قَلْبٌ مُفَكِّرُ، وَلِسَانٌ مُعَبِّرٌ، وَبَيَانٌ مُصَوِّرٌ.
فَإِذَا عَقَلَ الْكَلَامَ بِسَمْعِهِ فَهِمَ مَعَانِيَهُ بِقَلْبِهِ. وَإِذَا فَهِمَ الْمَعَانِيَ سَقَطَ عَنْهُ كُلْفَةُ اسْتِخْرَاجِهَا وَبَقِيَ عَلَيْهِ مُعَانَاةُ حِفْظِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ شَوَارِدُ تَضِلُّ بِالْإِغْفَالِ، وَالْعُلُومُ وَحْشِيَّةٌ تَنْفِرُ بِالْإِرْسَالِ. فَإِذَا حَفِظَهَا بَعْدَ الْفَهْمِ أَنِسَتْ، وَإِذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ الْأُنْسِ رَسَتْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ أَكْثَرَ الْمُذَاكَرَةَ بِالْعِلْمِ لَمْ يَنْسَ مَا عَلِمَ وَاسْتَفَادَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا لَمْ يُذَاكِرْ ذُو الْعُلُومِ بِعِلْمِهِ وَلَمْ يَسْتَفِدْ عِلْمًا نَسِيَ مَا تَعَلَّمَا
فَكَمْ جَامِعٍ لِلْكُتُبِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ يَزِيدُ مَعَ الْأَيَّامِ فِي جَمْعِهِ عَمَى
وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَ مَا سَمِعَ كَشَفَ عَنْ السَّبَبِ الْمَانِعِ مِنْهَا لِيَعْلَمَ الْعِلَّةَ فِي تَعَذُّرِ فَهْمِهَا فَإِنَّهُ بِمَعْرِفَةِ أَسْبَابِ الْأَشْيَاءِ وَعِلَلِهَا يَصِلُ إلَى تَلَافِي مَا شَذَّ وَصَلَاحِ مَا فَسَدَ.
وَلَيْسَ يَخْلُو السَّبَبُ الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعِلَّةٍ فِي الْكَلَامِ الْمُتَرْجَمِ عَنْهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعِلَّةٍ فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعِلَّةٍ فِي السَّامِعِ الْمُسْتَخْرِجِ.
فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ الْمَانِعُ مِنْ فَهْمِهَا لِعِلَّةٍ فِي الْكَلَامِ الْمُتَرْجَمِ عَنْهَا لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِتَقْصِيرِ اللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى فَيَصِيرُ تَقْصِيرُ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى سَبَبًا مَانِعًا مِنْ فَهْمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا مِنْ حَصْرِ الْمُتَكَلِّمِ وَعِيِّهِ، وَإِمَّا مِنْ بَلَادَتِهِ وَقِلَّةِ فَهْمِهِ.
[ ٥٢ ]
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِزِيَادَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ عِلَّةً مَانِعَةً مِنْ فَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ. وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا مِنْ هَذْرِ الْمُتَكَلِّمِ وَإِكْثَارِهِ، وَإِمَّا لِسُوءِ ظَنِّهِ بِفَهْمِ سَامِعِهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِمُوَاضَعَةٍ يَقْصِدُهَا الْمُتَكَلِّمُ بِكَلَامِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهَا السَّامِعُ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَهَا. وَأَمَّا تَقْصِيرُ اللَّفْظِ وَزِيَادَتُهُ فَمِنْ الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ دُونَ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّك لَسْت تَجِدُ ذَلِكَ عَامًّا فِي كُلِّ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا تَجِدُهُ فِي بَعْضِهِ.
فَإِنْ عَدَلْت عَنْ الْكَلَامِ الْمُقَصِّرِ إلَى الْكَلَامِ الْمُسْتَوْفِي، وَعَنْ الزَّائِدِ إلَى الْكَافِي أَرَحْت نَفْسَك مِنْ تَكَلُّفِ مَا يَكِدُّ خَاطِرَك. وَإِنْ أَقَمْت عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ إمَّا لِضَرُورَةٍ دَعَتْك إلَيْهِ عِنْدَ إعْوَازِ غَيْرِهِ، أَوْ لِحَمِيَّةٍ دَاخَلَتْك عِنْدَ تَعَذُّرِ فَهْمِهِ، فَانْظُرْ فِي سَبَبِ الزِّيَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ.
فَإِنْ كَانَ التَّقْصِيرُ لِحَصْرٍ وَالزِّيَادَةُ لِهَذْرٍ سَهُلَ عَلَيْك اسْتِخْرَاجُ الْمَعْنَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِنْ الْكَلَامِ مَحْصُولٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَلُّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الصَّحِيحِ وَفِي الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ دَلِيلٌ. وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى دَلِيلًا لِسُوءِ ظَنِّ الْمُتَكَلِّمِ بِفَهْمِ السَّامِعِ كَانَ اسْتِخْرَاجُهُ أَسْهَلَ. وَإِنْ كَانَ تَقْصِيرُ اللَّفْظِ عَنْ الْمَعْنَى لِسُوءِ فَهْمِ الْمُتَكَلِّمِ فَهُوَ أَصْعَبُ الْأُمُورِ حَالًا، وَأَبْعَدُهَا اسْتِخْرَاجًا؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ مُكَلِّمُك فَأَنْتَ مِنْ فَهْمِهِ أَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِفَرْطِ ذَكَائِك وَجَوْدَةِ خَاطِرِك تَتَنَبَّهُ بِإِشَارَتِهِ عَلَى اسْتِنْبَاطِ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا قَصَّرَ فِيهِ فَتَكُونُ فَضِيلَةُ الِاسْتِيفَاءِ لَك وَحَقُّ التَّقَدُّمِ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُوَاضَعَةُ فَضَرْبَانِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ. أَمَّا الْعَامَّةُ فَهِيَ مُوَاضَعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا جَعَلُوهُ أَلْقَابًا لِمَعَانٍ لَا يَسْتَغْنِي الْمُتَعَلِّمُ عَنْهَا وَلَا يَقِفُ عَلَى مَعْنَى كَلَامِهِمْ إلَّا بِهَا، كَمَا جَعَلَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْجَوَاهِرَ، وَالْأَعْرَاضَ وَالْأَجْسَامَ أَلْقَابًا تَوَاضَعُوهَا لِمَعَانٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهَا. وَلَسْت تَجِدُ مِنْ الْعُلُومِ عِلْمًا يَخْلُو مِنْ هَذَا. وَهَذِهِ الْمُوَاضَعَةُ الْعَامَّةُ تُسَمَّى عُرْفًا.
وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَمُوَاضَعَةُ الْوَاحِدِ يَقْصِدُ بِبَاطِنِ كَلَامِهِ غَيْرَ ظَاهِرِهِ. فَإِذَا كَانَتْ فِي الْكَلَامِ كَانَتْ رَمْزًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الشِّعْرِ كَانَتْ لُغْزًا.
فَأَمَّا الرَّمْزُ فَلَسْت تَجِدُهُ فِي عِلْمٍ مَعْنَوِيٍّ، وَلَا فِي كَلَامٍ لُغَوِيٍّ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ غَالِبًا بِأَحَدِ
[ ٥٣ ]
شَيْئَيْنِ: إمَّا بِمَذْهَبٍ شَنِيعٍ يُخْفِيهِ مُعْتَقِدُهُ وَيَجْعَلُ الرَّمْزَ سَبَبًا لِتَطَلُّعِ النُّفُوسِ إلَيْهِ وَاحْتِمَالِ التَّأْوِيلِ فِيهِ سَبَبًا لِدَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْهُ. وَإِمَّا لِمَا يَدَّعِي أَرْبَابُهُ أَنَّهُ عِلْمٌ مُعْوِزٌ، وَأَنَّ إدْرَاكَهُ بَدِيعٌ مُعْجِزٌ، كَالصَّنْعَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَرْبَابُهَا اسْمًا لِعِلْمِ الْكِيمْيَاءِ فَرَمَزُوا بِأَوْصَافِهِ، وَأَخْفَوْا مَعَانِيَهُ؛ لِيُوهِمُوا الشُّحَّ بِهِ وَالْأَسَفَ عَلَيْهِ خَدِيعَةً لِلْعُقُولِ الْوَاهِيَةِ وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
مُنِعْتُ شَيْئًا فَأَكْثَرْت الْوَلُوعَ بِهِ أَحَبُّ شَيْءٍ إلَى الْإِنْسَانِ مَا مُنِعَا
ثُمَّ لِيَكُونُوا بُرَاءً مِنْ عُهْدَةِ مَا قَالُوهُ إذَا جُرِّبَ. وَلَوْ كَانَ مَا تَضَمَّنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وَأَشْبَاهِهِمَا مِنْ الرُّمُوزِ مَعْنًى صَحِيحًا وَعِلْمًا مُسْتَفَادًا لَخَرَجَ مِنْ الرَّمْزِ الْخَفِيِّ إلَى الْعِلْمِ الْجَلِيِّ، فَإِنَّ أَغْرَاضَ النَّاسِ مَعَ اخْتِلَافِ أَهْوَائِهِمْ لَا تَتَّفِقُ عَلَى سَتْرِ سَلِيمٍ وَإِخْفَاءِ مُفِيدٍ. وَقَدْ قَالَ زُهَيْرٌ:
السَّتْرُ دُونَ الْفَاحِشَاتِ وَلَا يَلْقَاك دُونَ الْخَيْرِ مِنْ سَتْرِ
وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَ الرَّمْزُ مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا يُرَادُ تَفْخِيمُهُ مِنْ الْمَعَانِي، وَتَعْظِيمُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ؛ لِيَكُونَ أَحْلَى فِي الْقُلُوبِ مَوْقِعًا، وَأَجَلَّ فِي النُّفُوسِ مَوْضِعًا، فَيَصِيرُ بِالرَّمْزِ سَائِرًا وَفِي الصُّحُفِ مُخَلَّدًا. كَاَلَّذِي حُكِيَ عَنْ فِيثَاغُورْسَ فِي وَصَايَاهُ الْمَرْمُوزَةِ أَنَّهُ قَالَ: احْفَظْ مِيزَانَك مِنْ الْبَذِيءِ، وَأَوْزَانَك مِنْ الصَّدِيءِ. يُرِيدُ بِحِفْظِ الْمِيزَانِ مِنْ الْبَذِيءِ حِفْظَ اللِّسَانِ مِنْ الْخَنَا، وَحِفْظِ الْأَوْزَانِ مِنْ الصَّدَى حِفْظَ الْعَقْلِ مِنْ الْهَوَى.
فَصَارَ بِهَذَا الرَّمْزِ مُسْتَحْسَنًا وَمُدَوَّنًا وَلَوْ قَالَهُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ وَالْمَعْنَى الصَّحِيحِ، لَمَا سَارَ عَنْهُ، وَلَا اُسْتُحْسِنَ مِنْهُ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْجُوبَ عَنْ الْأَفْهَامِ كَالْمَحْجُوبِ عَنْ الْأَبْصَارِ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي النُّفُوسِ مِنْ التَّعْظِيمِ، وَفِي الْقُلُوبِ مِنْ التَّفْخِيمِ. وَمَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلَمْ يَحْتَجِبْ هَانَ وَاسْتُرْذِلَ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِحْلَاؤُهُ فِيمَا قَلَّ وَهُوَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ مُسْتَقَلٌّ.
فَأَمَّا الْعُلُومُ الْمُنْتَشِرَةُ الَّتِي تَتَطَلَّعُ النُّفُوسُ إلَيْهَا فَقَدْ اسْتَغْنَتْ بِقُوَّةِ الْبَاعِثِ عَلَيْهَا وَشِدَّةِ الدَّاعِي إلَيْهَا عَنْ الِاسْتِدْعَاءِ إلَيْهَا بِرَمْزٍ مُسْتَحْلٍ وَلَفْظٍ مُسْتَغْرَبٍ. بَلْ ذَلِكَ مُنَفِّرٌ عَنْهَا؛ لِمَا فِي التَّشَاغُلِ بِاسْتِخْرَاجِ رُمُوزِهَا مِنْ الْإِبْطَاءِ عَنْ إدْرَاكِهَا، فَهَذَا حَالُ الرَّمْزِ.
[ ٥٤ ]
وَأَمَّا اللُّغْزُ فَهُوَ تَحَرِّي أَهْلِ الْفَرَاغِ وَشُغْلُ ذَوِي الْبَطَالَةِ؛ لِيَتَنَافَسُوا فِي تَبَايُنِ قَرَائِحِهِمْ، وَيَتَفَاخَرُوا فِي سُرْعَةِ خَوَاطِرِهِمْ، فَيَسْتَكِدُّوا خَوَاطِرَ قَدْ مُنِحُوا صِحَّتَهَا فِيمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا وَلَا يُفِيدُ عِلْمًا، كَأَهْلِ الصِّرَاعِ الَّذِينَ قَدْ صَرَفُوا مَا مُنِحُوهُ مِنْ صِحَّةِ أَجْسَامِهِمْ إلَى صِرَاعٍ كَدُودٍ يَصْرَعُ عُقُولَهُمْ وَيَهِدُّ أَجْسَامَهُمْ وَلَا يُكْسِبُهُمْ حَمْدًا وَلَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ نَفْعًا. اُنْظُرْ إلَى قَوْلِ الشَّاعِر:
رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَّفَ رَجُلًا ابْنَ أُمِّ ابْنَ أَبِي أُخْتِ أَبِيهِ
مَعَهُ أُمُّ بَنِي أَوْلَادِهِ وَأَبَا أُخْتِ بَنِي عَمِّ أَخِيهِ
أَخْبَرَنِي عَنْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَقَدْ رَوَّعَك صُعُوبَةُ مَا تَضَمَّنَهُمَا مِنْ السُّؤَالِ.
إذَا اسْتَكْدَيْتَ الْفِكْرَ فِي اسْتِخْرَاجِهِ فَعَلِمْت أَنَّهُ أَرَادَ مَيْتًا خَلَّفَ أَبًا وَزَوْجَةً وَعَمًّا، مَا الَّذِي أَفَادَك مِنْ الْعِلْمِ وَنَفَى عَنْك مِنْ الْجَهْلِ؟ أَلَسْت بَعْدَ عِلْمِهِ تَجْهَلُ مَا كُنْت جَاهِلًا مِنْ قَبْلِهِ؟ وَلَوْ أَنَّ السَّائِلَ قَلَبَ لَك السُّؤَالَ فَأَخَّرَ مَا قُدِّمَ وَقَدَّمَ مَا أُخِّرَ لَكُنْت فِي الْجَهْلِ بِهِ قَبْلَ اسْتِدْرَاجِهِ كَمَا كُنْت فِي الْجَهْلِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَدَدْت نَفْسَك، وَأَتْعَبْت خَاطِرَك ثُمَّ لَا تَعْدَمُ أَنْ يَرِدَ عَلَيْك مِثْلُ هَذَا مِمَّا تَجْهَلُهُ فَتَكُونُ فِيهِ كَمَا كُنْت قَبْلَهُ. فَاصْرِفْ نَفْسَك - تَوَلَّى اللَّهُ رُشْدَك - عَنْ عُلُومِ النَّوْكَى وَتَكَلُّفِ الْبَطَّالِينَ. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» .
ثُمَّ اجْعَلْ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْك مِنْ صِحَّةِ الْقَرِيحَةِ وَسُرْعَةِ الْخَاطِرِ مَصْرُوفًا إلَى عِلْمِ مَا يَكُونُ إنْفَاقُ خَاطِرِك فِيهِ مَذْخُورًا، وَكَدُّ فِكْرِك فِيهِ مَشْكُورًا. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» . وَنَحْنُ نَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ نُغْبَنَ بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ عَلَيْنَا، وَنَجْهَلَ نَفْعَ إحْسَانِهِ إلَيْنَا. وَقَدْ قِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مِنْ الْفَرَاغِ تَكُونُ الصَّبْوَةُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
لَقَدْ أَهَاجَ الْفَرَاغُ عَلَيْك شُغْلًا وَأَسْبَابُ الْبَلَاءِ مِنْ الْفَرَاغِ
[ ٥٥ ]
فَهَذَا تَعْلِيلُ مَا فِي الْكَلَامِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ فَهْمِ مَعَانِيهِ حَتَّى خَرَجَ بِنَا الِاسْتِيفَاءُ وَالْكَشْفُ إلَى الْإِغْمَاضِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْمَانِعُ مِنْ فَهْمِ السَّامِعِ لِعِلَّةٍ فِي الْمَعْنَى الْمُسْتَوْدَعِ فَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَعْنَى مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِغَيْرِهِ، أَوْ يَكُونَ نَتِيجَةً مِنْ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَضَرْبَانِ: جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ. فَأَمَّا الْجَلِيُّ فَهُوَ يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ مُتَصَوِّرِهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَقْسَامِ مَا يُشْكِلُ عَلَى مَنْ تَصَوَّرَهُ. وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَيَحْتَاجُ فِي إدْرَاكِهِ إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ وَفَضْلِ مُعَانَاةٍ لِيَنْجَلِيَ عَمَّا أَخْفَى وَيَنْكَشِفَ عَمَّا أُغْمِضَ، وَبِاسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ فِيهِ يَكُونُ الِارْتِيَاضُ بِهِ وَبِالِارْتِيَاضِ بِهِ يَسْهُلُ مِنْهُ مَا اُسْتُصْعِبَ وَيَقْرَبُ مِنْهُ مَا بَعُدَ، فَإِنَّ لِلرِّيَاضَةِ جَرَاءَةً وَلِلدِّرَايَةِ تَأْثِيرًا، وَأَمَّا مَا كَانَ مُقَدِّمَةً لِغَيْرِهِ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقُومَ الْمُقَدِّمَةُ بِنَفْسِهَا وَإِنْ تَعَدَّتْ إلَى غَيْرِهَا، فَتَكُونُ كَالْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ فِي تَصَوُّرِهِ وَفَهْمِهِ مُسْتَدْعِيًا لِنَتِيجَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إلَى نَتِيجَتِهِ فَيَتَعَذَّرُ فَهْمُ الْمُقَدِّمَةِ إلَّا بِمَا يَتْبَعُهَا مِنْ النَّتِيجَةِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ بَعْضًا وَتَبْعِيضُ الْمَعْنَى أَشْكَلُ لَهُ وَبَعْضُهُ لَا يُغْنِي عَنْ كُلِّهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ نَتِيجَةً لِغَيْرِهِ فَهُوَ لَا يُدْرَكُ إلَّا بِأَوَّلِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ إلَّا بِمُقَدِّمَتِهِ وَالِاشْتِغَالُ بِهِ قَبْلَ الْمُقَدِّمَةِ عَنَاءٌ، وَإِتْعَابُ الْفِكْرِ فِي اسْتِنْبَاطِهِ قَبْلَ قَاعِدَتِهِ إيذَاءٌ. فَهَذَا يُوَضِّحُ تَعْلِيلَ مَا فِي الْمَعَانِي مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ فَهْمِهَا.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْمَانِعُ لِعِلَّةٍ فِي الْمُسْتَمِعِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: مِنْ ذَاتِهِ. وَالثَّانِي: مِنْ طَارِئٍ عَلَيْهِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَاتِهِ فَيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: أَحَدَهُمَا: مَا كَانَ مَانِعًا مِنْ تَصَوُّرِ الْمَعْنَى، وَالثَّانِيَ: مَا كَانَ مَانِعًا مِنْ حِفْظِهِ بَعْدَ تَصَوُّرِهِ وَفَهْمِهِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مَانِعًا مِنْ تَصَوُّرِ الْمَعْنَى وَفَهْمِهِ فَهُوَ الْبَلَادَةُ وَقِلَّةُ الْفِطْنَةِ وَهُوَ الدَّاءُ الْعَيَاءُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا فَقَدَ الْعَالِمُ الذِّهْنَ قَلَّ عَلَى الْأَضْدَادِ احْتِجَاجُهُ، وَكَثُرَ إلَى الْكُتُبِ احْتِيَاجُهُ. وَلَيْسَ لِمَنْ بُلِيَ بِهِ إلَّا الصَّبْرُ وَالْإِقْلَالُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْقَلِيلِ أَقْدَرُ، وَبِالصَّبْرِ أَحْرَى أَنْ يَنَالَ وَيَظْفَرَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: قَدِّمْ
[ ٥٦ ]
لِحَاجَتِك بَعْضَ لَجَاجَتِك. وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ مَنْ هَذَا حَالُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَالِبَ الشَّهْوَةِ، بَعِيدَ الْهِمَّةِ، فَيُشْعِرُ قَلْبَهُ الصَّبْرَ؛ لِقُوَّةِ شَهْوَتِهِ، وَجَسَدَهُ احْتِمَالَ التَّعَبِ؛ لِبُعْدِ هِمَّتِهِ.
فَإِذَا تَلَوَّحَ لَهُ الْمَعْنَى بِمُسَاعَدَةِ الشَّهْوَةِ أَعْقَبَهُ ذَلِكَ إلْحَاحُ الْآمِلِينَ وَنَشَاطُ الْمُدْرِكِينَ فَقَلَّ عِنْدَهُ كُلُّ كَثِيرٍ، وَسَهُلَ عَلَيْهِ كُلُّ عَسِيرٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَنَالُونَ مَا تُحِبُّونَ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَلَا تَبْلُغُونَ مَا تَهْوُونَ إلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ» . وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: أَتْعِبْ قَدَمَك، فَإِنْ تَعِبَ قَدَّمَك. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إذَا اشْتَدَّ الْكَلَفُ، هَانَتْ الْكُلَفُ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ -:
لَا تَعْجِزَنَّ وَلَا يَدْخُلْك مُضْجِرَةٌ فَالنُّجْحُ يَهْلِكُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالضَّجَرِ
وَأَمَّا الْمَانِعُ مِنْ حِفْظِهِ بَعْدَ تَصَوُّرِهِ وَفَهْمِهِ فَهُوَ النِّسْيَانُ الْحَادِثُ عَنْ غَفْلَةِ التَّقْصِيرِ وَإِهْمَالِ التَّوَانِي. فَيَنْبَغِي لِمَنْ بُلِيَ بِهِ أَنْ يَسْتَدْرِكَ تَقْصِيرَهُ بِكَثْرَةِ الدَّرْسِ وَيُوقِظَ غَفْلَتَهُ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ. فَقَدْ قِيلَ لَا يُدْرِكُ الْعِلْمَ مَنْ لَا يُطِيلُ دَرْسَهُ، وَيَكُدُّ نَفْسَهُ. وَكَثْرَةُ الدَّرْسِ كَدُودٌ لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ يَرَى الْعِلْمَ مَغْنَمًا، وَالْجَهَالَةَ مَغْرَمًا. فَيَحْتَمِلُ تَعَبَ الدَّرْسِ لِيُدْرِكَ رَاحَةَ الْعِلْمِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَعَرَّةَ الْجَهْلِ.
فَإِنَّ نَيْلَ الْعَظِيمِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَعَلَى قَدْرِ الرَّغْبَةِ تَكُونُ الْمَطَالِبُ، وَبِحَسَبِ الرَّاحَةِ يَكُونُ التَّعَبُ.
وَقَدْ قِيلَ: طَلَبُ الرَّاحَةِ قِلَّةُ الِاسْتِرَاحَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَكْمَلُ الرَّاحَةِ مَا كَانَتْ عَنْ كَدِّ التَّعَبِ، وَأَعَزُّ الْعِلْمِ مَا كَانَ عَنْ ذُلِّ الطَّلَبِ. وَرُبَّمَا اسْتَثْقَلَ الْمُتَعَلِّمُ الدَّرْسَ وَالْحِفْظَ وَاتَّكَلَ بَعْدَ فَهْمِ الْمَعَانِي عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْكُتُبِ وَالْمُطَالَعَةِ فِيهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ فَلَا يَكُونُ إلَّا كَمَنْ أَطْلَقَ مَا صَادَهُ ثِقَةً بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ فَلَا تُعْقِبُهُ الثِّقَةُ إلَّا خَجَلًا وَالتَّفْرِيطُ إلَّا نَدَمًا.
وَهَذِهِ حَالٌ قَدْ يَدْعُو إلَيْهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءِ: إمَّا الضَّجَرُ مِنْ مُعَانَاةِ الْحِفْظِ وَمُرَاعَاتِهِ وَطُولِ الْأَمَلِ فِي التَّوَفُّرِ عَلَيْهِ عِنْدَ نَشَاطِهِ وَفَسَادِ الرَّأْيِ فِي عَزِيمَتِهِ. وَلَيْسَ يَعْلَمُ أَنَّ الضَّجُورَ خَائِبٌ، وَأَنَّ الطَّوِيلَ الْأَمَلِ مَغْرُورٌ، وَأَنَّ الْفَاسِدَ الرَّأْيِ مُصَابٌ.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي أَمْثَالِهَا: حَرْفٌ فِي قَلْبِك، خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي كُتُبِك. وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَعْبُرُ
[ ٥٧ ]
مَعَك الْوَادِيَ، وَلَا يُعَمِّرُ بِك النَّادِيَ، وَأَنْشَدْت عَنْ الرَّبِيعِ لِلشَّافِعِيِّ - ﵁ -:
عِلْمِي مَعِي حَيْثُ مَا يَمَّمْتُ يَنْفَعُنِي قَلْبِي وِعَاءٌ لَهُ لَا بَطْنُ صُنْدُوقِي
إنْ كُنْت فِي الْبَيْتِ كَانَ الْعِلْمُ فِيهِ مَعِي أَوْ كُنْت فِي السُّوقِ كَانَ الْعِلْمُ فِي السُّوقِ
وَرُبَّمَا اعْتَنَى الْمُتَعَلِّمُ بِالْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ تَصَوُّرٍ وَلَا فَهْمٍ حَتَّى يَصِيرَ حَافِظًا لِأَلْفَاظِ الْمَعَانِي قَيِّمًا بِتِلَاوَتِهَا. وَهُوَ لَا يَتَصَوَّرُهَا وَلَا يَفْهَمُ مَا تَضَمَّنَهَا يَرْوِي بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ، وَيُخْبِرُ عَنْ غَيْرِ خِبْرَةٍ.
فَهُوَ كَالْكِتَابِ الَّذِي لَا يَدْفَعُ شُبْهَةً، وَلَا يُؤَيِّدُ حُجَّةً. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ وَهِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الرِّعَايَةُ» . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعَاةً، وَلَا تَكُونُوا لَهُ رُوَاةً، فَقَدْ يَرْعَوِي مَنْ لَا يَرْوِي، وَيَرْوِي مَنْ لَا يَرْعَوِي. وَحَدَّثَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، عَمَّنْ؟ قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِعَمَّنْ، أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ نَالَتْك عِظَتُهُ، وَقَامَتْ عَلَيْك حُجَّتُهُ. وَرُبَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ وَتَصَوُّرِهِ، وَأَغْفَلَ تَقْيِيدَ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِ ثِقَةً بِمَا اسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِهِ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الشَّكْلَ مُعْتَرِضٌ وَالنِّسْيَانَ طَارِقٌ.
وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» . وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - النِّسْيَانَ فَقَالَ لَهُ: اسْتَعْمِلْ يَدَك، أَيْ اُكْتُبْ حَتَّى تَرْجِعَ إذَا نَسِيتَ إلَى مَا كَتَبْتَ» . وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: اجْعَلْ مَا فِي الْكُتُبِ رَأْسَ الْمَالِ، وَمَا فِي الْقَلْبِ النَّفَقَةَ. وَقَالَ مَهْبُودٌ. لَوْلَا مَا عَقَدَتْهُ الْكُتُبُ مِنْ تَجَارِبِ الْأَوَّلِينَ، لَانْحَلَّ مَعَ النِّسْيَانِ عُقُودُ الْآخِرِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إنَّ هَذِهِ الْآدَابَ نَوَافِرُ تَنِدُّ عَنْ عَقْلِ الْأَذْهَانِ فَاجْعَلُوا الْكُتُبَ عَنْهَا حُمَاةً، وَالْأَقْلَامَ لَهَا رُعَاةً.
وَأَمَّا الطَّوَارِئُ فَنَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: شُبْهَةٌ تَعْتَرِضُ الْمَعْنَى فَتَمْنَعُ عَنْ نَفَسِ تَصَوُّرِهِ وَتَدْفَعُ عَنْ إدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَنْ
[ ٥٨ ]
نَفْسِهِ بِالسُّؤَالِ وَالنَّظَرِ؛ لِيَصِلَ إلَى تَصَوُّرِ الْمَعْنَى وَإِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا تُخْلِ قَلْبَك مِنْ الْمُذَاكَرَةِ فَتَعُدْ عَقِيمًا، وَلَا تُعْفِ طَبْعَك مِنْ الْمُنَاظَرَةِ فَيَعُدْ سَقِيمًا.
وَقَالَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ:
شِفَاءُ الْعَمَى طُولُ السُّؤَالِ وَإِنَّمَا دَوَامُ الْعَمَى طُولُ السُّكُوتِ عَلَى الْجَهْلِ
فَكُنْ سَائِلًا عَمَّا عَنَاك فَإِنَّمَا دُعِيتَ أَخَا عَقْلٍ لِتَبْحَثَ بِالْعَقْلِ
وَالثَّانِي: أَفْكَارٌ تُعَارِضُ الْخَاطِرِ فَيَذْهَلُ عَنْ تَصَوُّرِ الْمَعْنَى.
وَهَذَا سَبَبٌ قَلَّمَا يَعْرَى مِنْهُ أَحَدٌ لَا سِيَّمَا فِيمَنْ انْبَسَطَتْ آمَالُهُ وَاتَّسَعَتْ أَمَانِيهِ. وَقَدْ يَقِلُّ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ أَرَبٌ، وَلَا فِيمَا سِوَاهُ هِمَّةٌ، فَإِنْ طَرَأَتْ عَلَى الْإِنْسَانِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُكَابَرَةِ نَفْسِهِ عَلَى الْفَهْمِ وَغَلَبَةِ قَلْبِهِ عَلَى التَّصَوُّرِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَشَدُّ نُفُورًا، وَأَبْعَدُ قَبُولًا. وَقَدْ جَاءَ الْأَثَرُ بِأَنَّ الْقَلْبَ إذَا أُكْرِهَ عَمِيَ، وَلَكِنْ يَعْمَلُ فِي دَفْعِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ هَمٍّ مُذْهِلٍ أَوْ فِكْرٍ قَاطِعٍ لِيَسْتَجِيبَ لَهُ الْقَلْبُ مُطِيعًا. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَيْسَ بِمُغْنٍ فِي الْمَوَدَّةِ شَافِعٌ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الضُّلُوعِ شَفِيعُ
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ تَنَافُرَ كَتَنَافُرِ الْوَحْشِ فَتَأَلَّفُوهَا بِالِاقْتِصَادِ فِي التَّعْلِيمِ، وَالتَّوَسُّطِ فِي التَّقْدِيمِ؛ لِتَحْسُنَ طَاعَتُهَا، وَيَدُومَ نَشَاطُهَا. فَهَذَا تَعْلِيلُ مَا فِي الْمُسْتَمِعِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ فَهْمِ الْمَعَانِي.
وَهَا هُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ يَمْنَعُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ وَفَهْمِ مَعَانِيهِ. وَلَكِنَّهُ قَدْ يُعَرَّى مِنْ بَعْضِ الْكَلَامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ أَقْسَامِهِ، وَلَمْ نَسْتَجِزْ الْإِخْلَالَ بِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْكَلَامِ مَا كَانَ مَسْمُوعًا لَا يَحْتَاجُ فِي فَهْمِهِ إلَى تَأَمُّلِ الْخَطِّ بِهِ.
وَالْمَانِعُ مِنْ فَهْمِهِ هُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْسَامِهِ وَمِنْهُ مَا كَانَ مُسْتَوْدَعًا بِالْخَطِّ، مَحْفُوظًا بِالْكِتَابَةِ، مَأْخُوذًا بِالِاسْتِخْرَاجِ، فَكَانَ الْخَطُّ حَافِظًا لَهُ وَمُعَبِّرًا عَنْهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قَالَ: يَعْنِي الْخَطَّ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ
[ ٥٩ ]
فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] يَعْنِي الْخَطَّ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] يَعْنِي الْخَطَّ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: الْخَطُّ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَحُسْنُهُ أَحَدُ الْفَصَاحَتَيْنِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى: الْخَطُّ سَمْطُ الْحِكْمَةِ بِهِ يُفْصَلُ شُذُورُهَا، وَيُنَظَّمُ مَنْثُورُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: اللِّسَانُ مَقْصُورٌ عَلَى الْقَرِيبِ الْحَاضِرِ وَالْقَلَمُ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ وَهُوَ لِلْغَابِرِ الْكَائِنِ مِثْلُهُ لِلْقَائِمِ الدَّائِمِ. وَقَالَ حَكِيمُ الرُّومِ: الْخَطُّ هَنْدَسَةٌ رُوحَانِيَّةٌ، وَإِنْ ظَهَرَتْ بِآلَةٍ جُسْمَانِيَّةٍ. وَقَالَ حَكِيمُ الْعَرَبِ: الْخَطُّ أَصْلٌ فِي الرُّوحِ وَإِنْ ظَهَرَ بِحَوَاسِّ الْجَسَدِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ كَتَبَ الْخَطَّ فَذَكَرَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ آدَمَ - ﵇ - كَتَبَ سَائِرَ الْكُتُبِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ فِي طِينٍ ثُمَّ طَبَخَهُ فَلَمَّا غَرِقَتْ الْأَرْضُ فِي أَيَّامِ نُوحٍ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ - بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ فَأَصَابَ كُلُّ قَوْمٍ كِتَابَهُمْ. وَبَقِيَ الْكِتَابُ الْعَرَبِيُّ إلَى أَنْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إسْمَاعِيلَ فَأَصَابَهُ وَتَعَلَّمَهَا.
وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ إدْرِيسُ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُعَظِّمُ قَدْرَ الْخَطِّ وَتَعُدُّهُ مِنْ أَجَلِّ نَافِعٍ حَتَّى قَالَ عِكْرِمَةُ: بَلَغَ فِدَاءُ أَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لِيُفَادَى عَلَى أَنَّهُ يُعَلِّمُ الْخَطَّ، لِمَا هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ عِظَمِ خَطَرِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَظُهُورِ نَفْعِهِ وَأَثَرِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - ﷺ -: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] . فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْكَرَمِ، وَأَعَدَّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الْعِظَامِ، وَمِنْ آيَاتِهِ الْجِسَامِ، حَتَّى أَقْسَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ ﷾: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] . فَأَقْسَمَ بِالْقَلَمِ وَمَا يُخَطُّ بِالْقَلَمِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَذَكَرَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ
[ ٦٠ ]
بِهِ آدَم - ﵇ - ثُمَّ وَجَدَهَا بَعْدَ الطُّوفَانِ إسْمَاعِيلُ - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ - وَحَكَى ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵁ - أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِهَا وَوَضَعَهَا إسْمَاعِيلُ - ﵇ - عَلَى لَفْظِهِ وَمَنْطِقِهِ. وَحَكَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - ﵁ - أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِهَا قَوْمٌ مِنْ الْأَوَائِلِ أَسْمَاؤُهُمْ أَبْجَدُ، وَهَوَّزُ، وَحُطِّي، وَكَلَمُنْ، وَسَعْفَص، وَقَرْشَت، وَكَانُوا مُلُوكَ مَدْيَنَ.
وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِالْعَرَبِيِّ مُرَامِرُ بْنُ مُرَّةَ مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ وَمِنْ الْأَنْبَارِ انْتَشَرَتْ. وَحَكَى الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِهَا مُرَامِرُ بْنُ مُرَّةَ، وَأَسْلَمُ بْنُ سَدْرَةَ وَعَامِرُ بْنُ حَدْرَةَ. فَمُرَامِرُ وَضَعَ الصُّوَرَ،، وَأَسْلَمُ فَصَّلَ وَوَصَلَ، وَعَامِرٌ وَضَعَ الْإِعْجَامَ.
وَلَمَّا كَانَ الْخَطُّ بِهَذَا الْحَالِ وَجَبَ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَ الْعِلْمِ أَنْ يَعْبَأَ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا: تَقْوِيمُ الْحُرُوفِ عَلَى أَشْكَالِهَا الْمَوْضُوعَةِ لَهَا. وَالثَّانِي: ضَبْطُ مَا اشْتَبَهَ مِنْهَا بِالنُّقَطِ وَالْأَشْكَالِ الْمُمَيَّزَةِ لَهَا.
ثُمَّ مَا زَادَ عَلَى هَذَيْنِ مِنْ تَحْسِينِ الْخَطِّ وَمَلَاحَةِ نَظْمِهِ فَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ حَذِقٍ بِصَنْعَتِهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدَةَ: حُسْنُ الْخَطِّ لِسَانُ الْيَدِ وَبَهْجَةُ الضَّمِيرِ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ: رَدَاءَةُ الْخَطِّ زَمَانَةُ الْأَدَبِ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: الْبَيَانُ فِي اللِّسَانِ وَالْخَطُّ فِي الْبَنَانِ.
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَحَدِ شُعَرَاءِ الْبَصْرَةِ:
اُعْذُرْ أَخَاك عَلَى نَذَالَةِ خَطِّهِ وَاغْفِرْ نَذَالَتَهُ لِجَوْدَةِ ضَبْطِهِ
فَإِذَا أَبَانَ عَنْ الْمَعَانِي لَمْ يَكُنْ تَحْسِينُهُ إلَّا زِيَادَةَ شَرْطِهِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْخَطَّ لَيْسَ يُرَادُ مِنْ تَرْكِيبِهِ إلَّا تَبَيُّنُ سِمْطِهِ
وَمَحَلُّ مَا زَادَ عَلَى الْخَطِّ الْمَفْهُومِ مِنْ تَصْحِيحِ الْحُرُوفِ وَحُسْنِ الصُّورَةِ مَحَلُّ مَا زَادَ عَلَى الْكَلَامِ الْمَفْهُومِ مِنْ فَصَاحَةِ الْأَلْفَاظِ وَصِحَّةِ الْإِعْرَابِ.
وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْعَرَبُ: حُسْنُ الْخَطِّ أَحَدُ الْفَصَاحَتَيْنِ. وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَرَادَ التَّقَدُّمَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَطْرَحَ الْفَصَاحَةَ وَالْإِعْرَابَ وَإِنْ فَهِمَ، وَأَفْهَمَ. كَذَلِكَ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَرَادَ التَّقَدُّمَ فِي الْخَطِّ أَنْ يَطْرَحَ تَصْحِيحَ الْحُرُوفِ وَتَحْسِينَ الصُّورَةِ، وَإِنْ فَهِمَ، وَأَفْهَمَ. وَرُبَّمَا تَقَدَّمَ بِالْخَطِّ مَنْ كَانَ الْخَطُّ مِنْ جُلِّ فَضَائِلِهِ، وَأَشْرَفِ خَصَائِلِهِ، حَتَّى صَارَ عَالِمًا مَشْهُورًا، وَسَيِّدًا مَذْكُورًا.
غَيْرَ
[ ٦١ ]
أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَطْرَحُوا صَرْفَ الْهِمَّةِ إلَى تَحْسِينِ الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُمْ عَنْ الْعِلْمِ وَيَقْطَعُهُمْ عَنْ التَّوَفُّرِ عَلَيْهِ. وَلِذَلِكَ تَجِدُ خُطُوطَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَغْلَبِ رَدِيئَةً لَا يَخُطُّ إلَّا مَنْ أَسْعَدَهُ الْقَضَاءُ. وَقَدْ قَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ: مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ رَدِيءَ الْخَطِّ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُفْنِيهِ بِالْكِتَابَةِ يَشْغَلُهُ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَرِ. وَلَيْسَتْ رَدَاءَةُ الْخَطِّ هِيَ السَّعَادَةَ، وَإِنَّمَا السَّعَادَةُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ صَارِفٌ عَنْ الْعِلْمِ. وَعَادَةُ ذِي الْخَطِّ الْحَسَنِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتَحْسِينِ خَطِّهِ عَنْ الْعِلْمِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ بِرَدَاءَةِ خَطِّهِ سَعِيدًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَدَاءَةُ الْخَطِّ سَعَادَةً.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَعْرِضُ لِلْخَطِّ أَسْبَابٌ تَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ كَمَا يَعْرِضُ لِلْكَلَامِ أَسْبَابٌ تَمْنَعُ مِنْ فَهْمِهِ وَصِحَّتِهِ. وَالْأَسْبَابُ الْمَانِعَةُ مِنْ قِرَاءَةِ الْخَطِّ وَفَهْمِ مَا تَضَمَّنَهُ قَدْ تَكُونُ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إسْقَاطُهُ أَلْفَاظٍ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلَامِ يَصِيرُ الْبَاقِي بِهَا مَبْتُورًا لَا يُعْرَفُ اسْتِخْرَاجُهُ، وَلَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. وَهَذَا يَكُونُ إمَّا مِنْ سَهْوِ الْكَاتِبِ أَوْ مِنْ فَسَادِ نَقْلِهِ.
وَهَذَا يَسْهُلُ اسْتِنْبَاطُهُ عَلَى مَنْ كَانَ مُرْتَاضًا بِذَلِكَ النَّوْعِ فَيَسْتَدِلُّ بِحَوَاشِي الْكَلَامِ وَمَا سَلِمَ مِنْهُ عَلَى مَا سَقَطَ أَوْ فَسَدَ، لَا سِيَّمَا إذَا قَلَّ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَسْتَدْعِي مَا يَلِيهَا وَمَعْرِفَةُ الْمَعْنَى تُوَضِّحُ عَنْ الْكَلَامِ الْمُتَرْجِمِ عَنْهُ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ قَلِيلَ الِارْتِيَاضِ بِذَلِكَ النَّوْعِ فَإِنَّهُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ اسْتِنْبَاطُ الْمَعْنَى مِنْهُ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي إلَى الْفِكْرَةِ وَالرَّوِيَّةِ فِيمَا قَدْ اسْتَخْرَجَهُ بِالْكِتَابَةِ. فَإِذَا هُوَ لَمْ يَعْرِفْ تَمَامَ الْكَلَامِ الْمُتَرْجِمِ عَنْ الْمَعْنَى قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ إدْرَاكِهِ وَضَلَّ فِكْرُهُ عَنْ اسْتِنْبَاطِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: زِيَادَةُ أَلْفَاظٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ يَشْكُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ غَيْرِ الزَّائِدِ مِنْ مَعْرِفَةِ السَّقِيمِ الزَّائِدِ فَيَصِيرُ الْكُلُّ مُشْكَلًا.
وَهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ كَثِيرًا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْكَاتِبُ تَعْمِيَةَ كَلَامِهِ فَيُدْخِلُ فِي أَثْنَائِهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ فَهْمِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ رَمْزًا يُعْرَفُ بِالْمُوَاضَعَةِ. فَأَمَّا وُقُوعُهُ سَهْوًا فَقَدْ يَكُونُ بِالْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ فَهْمِهِ عَلَى الْمُرْتَاضِ وَغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إسْقَاطُ حُرُوفٍ مِنْ أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِخْرَاجِهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا تَارَةً مِنْ السَّهْوِ فَيَقِلُّ، وَتَارَةً مِنْ ضَعْفِ الْهِجَاءِ
[ ٦٢ ]
فَيَكْثُرُ. وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: زِيَادَةُ حُرُوفٍ فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ يَشْكُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْ حُرُوفِهَا. وَهَذَا يَكُونُ تَارَةً مِنْ سَهْوِ الْكَاتِبِ فَيَقِلُّ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِخْرَاجِ الصَّحِيحِ، وَيَكُونُ تَارَةً لِتَعْمِيَةٍ وَمُوَاضَعَةٍ يَقْصِدُ بِهَا الْكَاتِبُ إخْفَاءَ غَرَضِهِ فَيَكْثُرُ كَالتَّرَاجِمِ. وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: وَصْلُ الْحُرُوفِ الْمَفْصُولَةِ وَفَصْلُ الْحُرُوفِ الْمَوْصُولَةِ، فَيَدْعُو ذَلِكَ إلَى الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا وَصْلُ حُرُوفِهَا وَيَمْنَعُ فَصْلُهَا مِنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهَا. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ سَهْوٍ قَلَّ فَسَهُلَ اسْتِخْرَاجُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَةٍ بِالْخَطِّ أَوْ مَشْقًا تَشْبَقُ بِهِ الْيَدُ كَثِيرًا فَصَعُبَ اسْتِخْرَاجُهُ إلَّا عَلَى الْمُرْتَاضِ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -: شَرُّ الْكِتَابَةِ الشَّبَقُ كَمَا أَنَّ شَرَّ الْقِرَاءَةِ الْهَذْرَمَةُ. وَإِنْ كَانَ لِلتَّعْمِيَةِ وَالرَّمْزِ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِالْمُوَاضَعَةِ.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: تَغْيِيرُ الْحُرُوفِ عَنْ أَشْكَالِهَا وَإِبْدَالِهَا بِأَغْيَارِهَا حَتَّى يَكْتُبَ الْحَاءَ عَلَى شَكْلِ الْبَاءِ، وَالصَّادَ عَلَى شَكْلِ الرَّاءِ. وَهَذَا يَكُونُ فِي رُمُوزِ التَّرَاجِمِ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْمُوَاضَعَةِ إلَّا لِمَنْ قَدْ زَادَ فِيهِ الذَّكَاءُ فَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَعْنَى.
وَالْوَجْهُ السَّابِعُ: ضَعْفُ الْخَطِّ عَنْ تَقْوِيمِ الْحُرُوفِ عَلَى الْأَشْكَالِ الصَّحِيحَةِ وَإِثْبَاتِهَا عَلَى الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ حَتَّى لَا تَكَادَ الْحُرُوفُ تَمْتَازُ عَنْ أَغْيَارِهَا حَتَّى تَصِيرَ الْعَيْنُ الْمَوْصُولَةُ كَالْفَاءِ وَالْمَفْصُولَةُ كَالْحَاءِ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ رَدَاءَةِ الْخَطِّ وَضَعْفِ الْيَدِ، وَاسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ مُمْكِنٌ بِفَضْلِ الْمُعَانَاةِ وَشِدَّةِ التَّأَمُّلِ، وَرُبَّمَا أَضْجَرَ قَارِئَهُ، وَأَوْهَى مَعَانِيَهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الْخَطَّ الْحَسَنَ لَيَزِيدُ الْحَقَّ وُضُوحًا.
وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ: إغْفَالُ النُّقَطِ وَالْأَشْكَالِ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا الْحُرُوفُ الْمُشْتَبِهَةُ. وَهَذَا أَيْسَرُ أَمْرًا، وَأَخَفُّ حَالًا؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مُمَيَّزًا بِصِحَّةِ الِاسْتِخْرَاجِ وَمَعْرِفَةِ الْخَطِّ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْخَطِّ وَفَهْمُ مَا تَضَمَّنَهُ مَعَ إغْفَالِ النُّقَطِ
[ ٦٣ ]
وَالْأَشْكَالِ، بَلْ اسْتَقْبَحَ الْكُتَّابُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَاتِ وَرَأَوْهُ مِنْ تَقْصِيرِ الْكَاتِبِ أَوْ سُوءِ ظَنِّهِ بِفَهْمِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِقْبَاحُهُمْ لَهُ فِي مُكَاتَبَةِ الرُّؤَسَاءِ أَكْثَرَ.
حَكَى قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ بَعْضَ كُتَّابِ الدَّوَاوِينِ حَاسَبَ عَامِلًا فَشَكَا الْعَامِلُ مِنْهُ إلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَكَتَبَ رُقْعَةً يَذْكُرُ فِيهَا احْتِجَاجًا لِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَوُضُوحِ شَكْوَاهُ. فَوَقَعَ فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ هَذَا، هَذَا، فَأَخَذَهَا الْعَامِلُ وَقَرَأَهَا فَظَنَّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَرَادَ بِهَذَا هَذَا إثْبَاتًا لِصِحَّةِ دَعْوَاهُ وَصِدْقِ قَوْلِهِ، كَمَا يُقَالُ فِي إثْبَاتِ الشَّيْءِ هُوَ هُوَ، فَحَمَلَ الرُّقْعَةَ إلَى كَاتِبِ الدِّيوَانِ، وَأَرَاهُ خَطَّ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ قَدْ صَدَّقَ قَوْلِي، وَصَحَّحَ مَا ذَكَرْتُ.
فَخَفِيَ عَلَى الْكَاتِبِ ذَلِكَ، وَأُطِيفَ بِهِ عَلَى كُتَّابِ الدَّوَاوِينِ فَلَمْ يَقِفُوا عَلَى مُرَادِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَرُدَّ إلَيْهِ لِيُسْأَلَ عَنْ مُرَادِهِ بِهِ فَشَدَّدَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْكَلِمَةَ الثَّانِيَةَ وَكَتَبَ تَحْتَهَا وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ اسْتِعْظَامًا مِنْهُ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي اسْتِخْرَاجِ مُرَادِهِ حَتَّى احْتَاجَ إلَى إبَانَتِهِ بِالشَّكْلِ. فَهَذِهِ حَالُ الْكُتَّابِ فِي اسْتِقْبَاحِهِمْ إعْجَامِ الْمُكَاتَبَاتِ بِالنُّقَطِ وَالْأَشْكَالِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَاتَبَاتِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ فَلَمْ يَرَوْهُ قَبِيحًا بَلْ اسْتَحْسَنُوهُ لَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ الْأَدَبِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا مَعْرِفَةُ صِيغَةِ الْأَلْفَاظِ وَكَيْفِيَّةِ مَخَارِجِهَا مِثْلِ كُتُبِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ الْغَرِيبِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى ضَبْطِهَا بِالشَّكْلِ وَالْإِعْجَامِ أَكْثَرُ، وَهِيَ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْعُلُومِ أَيْسَرُ.
وَقَدْ قَالَ النُّورِيُّ: الْخُطُوطُ الْمُعْجَمَةُ كَالْبُرُودِ الْمُعَلَّمَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: إعْجَامُ الْخَطِّ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِعْجَامِهِ، وَشَكْلُهُ يُؤَمِّنُ مِنْ إشْكَالِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: رُبَّ عِلْمٍ لَمْ تُعْجَمْ فُصُولُهُ فَاسْتُعْجِمَ مَحْصُولُهُ. وَكَمَا اسْتَقْبَحَ الْكُتَّابُ الشَّكْلَ وَالْإِعْجَامَ فِي الْمُكَاتَبَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي كُتُبِ الْعُلُومِ مُسْتَحْسَنًا، فَكَذَلِكَ اسْتَحْسَنُوا مَشْقَ الْخَطِّ فِي الْمُكَاتَبَاتِ وَإِنْ كَانَ فِي كُتُبِ الْعُلُومِ مُسْتَقْبَحًا.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لِفَرْطِ إدْلَالِهِمْ فِي الصَّنْعَةِ وَتَقَدُّمِهِمْ فِي الْكِتَابَةِ يَكْتَفُونَ بِالْإِشَارَةِ وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى التَّلْوِيحِ، وَيَرَوْنَ الْحَاجَةَ إلَى اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِبَانَةِ تَقْصِيرًا وَلِفَصْلِ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ التَّقَدُّمِ بِهَذَا الْحَالِ رَأَوْا مَا نُبِّهَ عَلَيْهِ مِنْ سَوَادِ
[ ٦٤ ]
الْمِدَادِ أَثَرًا جَمِيلًا، وَعَلَى الْفَضْلِ وَالتَّخْصِيصِ دَلِيلًا. حُكِيَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ رَأَى عَلَى بَعْضِ ثِيَابِهِ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَأَخَذَ مِنْ مِدَادِ الدَّوَاةِ فَطَلَاهُ بِهِ ثُمَّ قَالَ: الْمِدَادُ بِنَا أَحْسَنُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ، وَأَنْشَدَ:
إنَّمَا الزَّعْفَرَانُ عِطْرُ الْعَذَارَى وَمِدَادُ الدُّوِيِّ عِطْرُ الرِّجَالِ
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ كَافِيَةٌ فِي الْإِبَانَةِ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ فَهْمِ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ لَفْظًا كَانَ أَوْ خَطًّا، وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ عَنْ فَهْمِ الْمَعْنَى لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَائِسًا لِنَفْسِهِ مُدَبِّرًا لَهَا فِي حَالِ تَعَلُّمِهِ. فَإِنَّ لِلنَّفْسِ نُفُورًا يُفْضِي إلَى تَقْصِيرٍ وَوُفُورًا يَئُولُ إلَى سَرَفٍ وَقِيَادُهَا عَسِرٌ وَلَهَا أَحْوَالٌ ثَلَاثٌ: فَحَالُ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ، وَحَالُ غُلُوٍّ وَإِسْرَافٍ، وَحَالُ تَقْصِيرٍ وَإِجْحَافٍ.
فَأَمَّا حَالُ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فَهِيَ أَنْ تَخْتَلِفَ قُوَى النَّفْسِ مِنْ جِهَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ: طَاعَةٌ مُسْعِدَةٌ وَشَفَقَةٌ كَافَّةٌ. فَطَاعَتُهَا تَمْنَعُ التَّقْصِيرَ، وَشَفَقَتُهَا تَرُدُّ عَنْ السَّرَفِ وَالتَّبْذِيرِ. وَهَذِهِ أَحْمَدُ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ التَّقْصِيرِ نَمَا، وَمَا صُدَّ عَنْ السَّرَفِ مُسْتَدِيمٌ. وَالنُّمُوُّ إذَا اسْتَدَامَ فَأَخْلِقْ بِهِ أَنْ يُسْتَكْمَلَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إيَّاكَ وَمُفَارَقَةَ الِاعْتِدَالِ، فَإِنَّ الْمُسْرِفَ مِثْلُ الْمُقَصِّرِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْحَدِّ.
وَأَمَّا حَالُ الْغُلُوِّ وَالْإِسْرَافِ فَهِيَ أَنْ تَخْتَصَّ النَّفْسُ بِقُوَى الطَّاعَةِ وَتُقَدِّمَ قَوَّى الشَّفَقَةِ فَيَبْعَثَهَا اخْتِصَاصُ الطَّاعَةِ عَلَى إفْرَاغِ الْجُهْدِ، وَيُفْضِي إفْرَاغُ الْجُهْدِ إلَى عَجْزِ الْكَلَالِ، فَيُؤَدِّي عَجْزُ الْكَلَالِ إلَى التَّرْكِ وَالْإِهْمَالِ، فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ نُقْصَانًا، وَالرِّبْحُ خُسْرَانًا. وَقَدْ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: طَالِبُ الْعِلْمِ وَعَامِلُ الْبِرِّ كَآكِلِ الطَّعَامِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قُوتًا عَصَمَهُ، وَإِنْ أَسْرَفَ فِيهِ أَبْشَمَهُ.
وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ مَنِيَّتُهُ كَأَخْذِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي فِيهَا شِفَاءٌ وَمُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ فِيهَا السُّمُّ الْمُمِيتُ، وَأَمَّا حَالُ التَّقْصِيرِ وَالْإِجْحَافِ فَهِيَ أَنْ تَخْتَصَّ النَّفْسُ بِقُوَى الشَّفَقَةِ وَتَعْدَمَ قُوَى الطَّاعَةِ فَيَدْعُوهَا الْإِشْفَاقُ إلَى الْمَعْصِيَةِ، وَتَمْنَعُهَا الْمَعْصِيَةُ مِنْ الْإِجَابَةِ فَلَا تَطْلُبُ شَارِدًا، وَلَا تَقْبَلُ عَائِدًا، وَلَا تَحْفَظُ مُسْتَوْدَعًا.
وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ الشَّارِدَ، وَيَقْبَلْ الْعَائِدَ، وَيَحْفَظْ الْمُسْتَوْدَعَ فَقَدَ الْمَوْجُودَ، وَلَمْ يَجِدْ الْمَفْقُودَ.
وَمَنْ فَقَدَ مَا وَجَدَ فَهُوَ مُصَابٌ مَحْزُونٌ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا فَقَدَ فَهُوَ
[ ٦٥ ]
خَائِبٌ مَغْبُونٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعَجْزُ مَعَ الْوَانِي، وَالْفَوْتُ مَعَ التَّوَانِي. وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّفْسِ مَعَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ حَالَتَانِ مُشْتَرَكَتَانِ بِغَلَبَةِ إحْدَى الْقُوَّتَيْنِ، فَيَكُونُ لِلنَّفْسِ طَاعَةٌ وَإِشْفَاقٌ، وَأَحَدُهُمَا أَغْلَبُ مِنْ الْآخَرِ. فَإِنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَغْلَبَ كَانَتْ إلَى الْوُفُورِ أَمْيَلَ، وَإِنْ كَانَ الْإِشْفَاقُ أَغْلَبَ كَانَتْ إلَى التَّقْصِيرِ أَقْرَبَ.
فَإِذَا عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قَدْرَ طَاعَتِهَا، وَخَبَرَ مِنْهَا كُنْهَ إشْفَاقِهَا رَاضَ نَفْسَهُ لِتَثْبُتَ عَلَى أَحَدِ حَالَاتِهَا.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ حَالِ النَّفْسِ الْفَرَزْدَقُ فِي قَوْلِهِ:
لِكُلِّ امْرِئٍ نَفْسَانِ نَفْسٌ كَرِيمَةٌ وَأُخْرَى يُعَاصِيهَا الْفَتَى وَيُطِيعُهَا
وَنَفْسُك مِنْ نَفْسَيْك تَشْفَعُ لِلنَّدَى إذَا قَلَّ مِنْ إحْرَازِهِنَّ شَفِيعُهَا
وَإِنْ أَهْمَلَ سِيَاسَتَهَا، فَأَغْفَلَ رِيَاضَتَهَا، وَرَامَ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْعُنْفِ، وَيَقْهَرَهَا بِالْعَسْفِ، اسْتَشَاطَتْ نَافِرَةً وَلَحَّتْ مُعَانِدَةً فَلَمْ تَنْقَدْ إلَى طَاعَةٍ وَلَمْ تَنْكَفَّ عَنْ مَعْصِيَةٍ وَقَالَ سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ:
إذَا زَجَرْت لَجُوجًا زِدْته عَلَقًا وَلَجَّتْ النَّفْسُ مِنْهُ فِي تَمَادِيهَا
فَعُدْ عَلَيْهِ إذَا مَا نَفْسُهُ جَنَحَتْ بِاللِّينِ مِنْك فَإِنَّ اللِّينَ يُثْنِيهَا
فَإِذَا اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ قِيَادُ نَفْسِهِ وَدَامَ مِنْهُ نُفُورُ قَلْبِهِ مَعَ سِيَاسَتِهَا، وَمُعَانَاةِ رِيَاضَتِهَا، تَرَكَهَا تَرْكَ رَاحَةٍ، ثُمَّ عَاوَدَهَا بَعْدَ الِاسْتِرَاحَةِ، فَإِنَّ إجَابَتَهَا تُسْرِعُ، وَطَاعَتُهَا تَرْجِعُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْقَلْبَ يَمُوتُ وَيَحْيَى وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لِلْقُلُوبِ شَهْوَةٌ وَإِقْبَالٌ وَفَتْرَةٌ وَإِدْبَارٌ فَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ شَهْوَتِهَا وَلَا تَأْتُوهَا مِنْ قِبَلِ فَتْرَتِهَا.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إلَّا لِأُنْسِهِ وَلَا الْقَلْبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
فَأَمَّا الشُّرُوطُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا عِلْمُ الطَّالِبِ وَيَنْتَهِي مَعَهَا كَمَالُ الرَّاغِبِ مَعَ مَا يُلَاحَظُ بِهِ مِنْ التَّوْفِيقِ وَيَمُدُّ بِهِ مِنْ الْمَعُونَةِ فَتِسْعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْعَقْلُ
[ ٦٦ ]
الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ حَقَائِقَ الْأُمُورِ. وَالثَّانِي: الْفِطْنَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُ بِهَا غَوَامِضَ الْعُلُومِ. وَالثَّالِثُ: الذَّكَاءُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ حِفْظُ مَا تَصَوَّرَهُ وَفَهْمُ مَا عَلِمَهُ. وَالرَّابِعُ: الشَّهْوَةُ الَّتِي يَدُومُ بِهَا الطَّلَبُ وَلَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَلَلُ.
وَالْخَامِسُ: الِاكْتِفَاءُ بِمَادَّةٍ تُغْنِيهِ عَنْ كَلَفِ الطَّلَبِ. وَالسَّادِسُ: الْفَرَاغُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ التَّوَفُّرُ وَيَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِكْثَارُ. وَالسَّابِعُ: عَدَمُ الْقَوَاطِعِ الْمُذْهِلَةِ مِنْ هُمُومٍ، وَأَمْرَاضٍ. وَالثَّامِنُ: طُولُ الْعُمُرِ وَاتِّسَاعُ الْمُدَّةِ؛ لِيَنْتَهِيَ بِالِاسْتِكْثَارِ إلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ. وَالتَّاسِعُ: الظَّفَرُ بِعَالِمٍ سَمْحٍ بِعِلْمِهِ مُتَأَنٍّ فِي تَعْلِيمِهِ.
فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ التِّسْعَةَ فَهُوَ أَسْعَدُ طَالِبٍ، وَأَنْجَحُ مُتَعَلِّمٍ. وَقَدْ قَالَ الْإِسْكَنْدَرُ: يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى أَرْبَعٍ: مُدَّةٌ وَجِدَّةٌ وَقَرِيحَةٌ وَشَهْوَةٌ. وَتَمَامُهَا فِي الْخَامِسَةِ مُعَلِّمٌ نَاصِحٌ.