فإن قلت وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه
قلت هي شرف المحتد وكرم النجار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالم الدين أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب
وقد أشار إلى هذا النبي ﷺ في الحديث الثابت عنه في الصحيح فقال الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا
فاعتبر ﷺ الخيار في الجاهلية وليس ذلك لأمر يتعلق بالدين فإنه لا دين لأهل الجاهلية بل المراد بخيار أهل من كان منهم من أهل الشرف وفي البيوت الرفيعة فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ويحول بيته وبين الرذائل ويوجب عليه إذا دخل في أمر أن يكون منه في أعلى محل وأرفع رتبة فمتعلم العلم منهم يكون في أهله على أتم وصف وأحسن حال غير شامخ بأنفه ولا متباه بما حصله ولا مترفع على الناس بما نال منه
وأما من كان من سقط المتاع وسفساف أهل المهن كأهل الحياكة
[ ١٦٣ ]
العصارة والقضابة ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا تفارق الدناءة ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة ولا تنفر عن الضيم
فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها العجب والزهو والخيلاء لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضع مكان وأخس رتبة قاعدا في أعلا محل وأرفع موضع فإن منزلة العلم وأهله هي المنزلة التي لا تساميها منزلة وإن علت ولا تساويها رتبة وإن ارتفعت
فبينما ذلك الطالب قاعد بين أهل حرفته من أهل الحياكة أو الحجامة أو الجزارة أو نحوهم في أخس بقعة وأعظم مهانة إذ صار بين العلماء المتعلمين الذين هم في أعلا منازل الدنيا والدين
فمبجرد ذلك يحصل له من العجب والتطاول على الناس والترفع عليهم ما يعظم به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم ومع ما ينضم إلى ذلك من السخف الذي نشأ عليه وتلقاه من سلفه وسقوط النفس وضعف العقل ونذالة الهمة ومثل تأمر الصبي لما ينشأ عليه من أخلاق آبائه لا ينكره أحد
ولهذا يقول ﷺ فيما صح عنه في الصحيح كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا كان الصغير ينطبع بطابع الكفر بسبب أبويه فما بالك بسائر الأخلاق التي يجدهما عليها
[ ١٦٤ ]
ومما يقع فيه هذا الطالب الناشئ بين أهل الوضاعة المرتضع من ثدي الرقاعة أنه بحكم الطبع وألف المنشأ لا يرى في الناس إلا أهل حرفته وبني مهنته فيعود من حيث بدا ويرجع من الباب الذي خرج منه فيكون في ذلك من الإهانة للعلم والإزراء على أهله والوضع بجانبه ما لا يقادر قدره لأن هذا يراه الناس تارة في المدارس قاعدا بين أيدي شيوخ العلم مشاركا للمتعلمين وتارة يرونه في دكاكين الحجامين وحوانيت العطارين ومن جرى هذا المجرى من المحترفين
ومما يقع فيه أنه بحكم الطبع الذي استفاده من المنشأ وتطبع به من أبويه ومن يماثلهما وإن دخل في مداخل العلم وتزيا بزي أهله فهم أبغض الناس إليه وأحقرهم لديه لا يقيموا له وزنا ولا يعترف لهم بفضيلة بل يكون ديدنه وهجيراه ومعنى كلامه وفحواه هو التهاوم بهم وتحقير ما عظمه الله من أمرهم والإغراء بين أماثلهم والتعرض للمفاضلة بين فضائلهم وإدخال الشحناء بينهم بكل ممكن
ومن نكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع فإنه سيجد ما وجدناه ويقف على صحة ما حكيناه ولا يخرج من هؤلاء إلا النادر القليل ولا يكون ذلك إلا لعرق ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم وإن جهله من لم يعرفه
وبالجملة فهذا ما تفيده التجربة وتشير إليه بعض الأدلة الشرعية وإذا صح قوله ﷺ واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر ففيه أعظم عبرة للمعتبرين من الحاملين لعلوم الدين
وقد عزاه بعض أهل العلم إلى ابن ماجه ولا استحضره حال الرقم فيما هو في حفظ من أحاديث كتاب سنن ابن ماجه فلينظر ثم كشفت عنه فوجدته في سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ
[ ١٦٥ ]
طلبوا العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب وفي إسناده حفص بن سليمان البزاز وفيه مقال
وأما من كان أهلا للعم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى شرفه ويكتسب به من حسن السمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد عمله علوا وعرفانه تعظيما فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومن يمشي على طريقهم من عامل العلماء وصالح الأمة ويعرف للعلم حقه ويعظمه بما ينبغي من تعظيمه فلا يكدره بالمطامع ولا يشوبه بالخضوع لأهل الدنيا ولا يجهمه بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء فيكون عنده مخدوما لا خادما ومقصودا لا قاصدا
وبين هذه الطائفتين طائفة ثالثه ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعل العلم مكسبا من مكاسب الدنيا ومعيشة من معايش أهله لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم
كما نشاهده في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور
فإن من كان طالبا للوصول إلى شئ من هذه الأمور ذهب إلى مدارس العلم يتعلم ما يتأهل به لما يطلبه وهو لا يتصور البلوغ إلى الثمرة المستفادة من العلم والغاية الحاصلة لطالبه فيكون ذهنه كليلا وفهمه عليلا ونفسه خائرة ونيته خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه فيخدم في مدة طلبه واشتغاله أهل المناصب ومن يرجو منهم الإعانة على بلوغ مراده أكثر مما يخدم العلم ويتردد إلى أبوابهم ويتعثر في مجالسهم ويذوق به من الإهانة ما فيه أعظم مرارة ويتجرع من الغصص
[ ١٦٦ ]
ما يصغر قدر الدنيا بالنسبة إليه فإذا نال ذلك المنصب ضرب بالدفاتر وجه الحائط وألقاها خلف الصور لعدم الباعث عليها من جهة نفسه والمنشط على العلم والمرغب فيه
فهذا هو شبيه بمن يتعلم مهنة من المهن ويتدرب في حرفة من الحرف فيقصد أهلها حتى يدركها ويكون فيها أستاذا ثم يذهب إلى دكان من الدكاكين فيعتاش بتلك الحرفة
وليس هو من أهل العلم في ورد ولا صدر ولا ينبغي أن يكون معدودا منهم وإن ارتسم في ذهنه منه رسوم فهو من أزهد الناس فيها وأجفاهم لها وأقلهم احتفالا بها ولا فائدة في تعلمه راجعة إلى الدين قط بل غاية ما استفاده منه العلم وأهله تعريضه وتعريضهم للإهانة عند أهل الدنيا وإيقاعه وإيقاعهم في يد من لا يعرف للعلم قدرا ولا يرفع له ذكرا ولا يقيم له وزنا كما يشاهد من المتعلقين بالأعمال الدولية فإنهم يتلاعبون بطلبة المناصب الدنيوية غاية التلاعب ويعرضونهم للإهانة مرة بعد أخرى ويتلذذون بذلك ويبتهجون لأنهم يظنون أنها قد ارتفعت طبقتهم عن طبقات أهل العلم وحكموا تارة فيهم بالولاية وتارة بالعزل وتمرغوا على عتابتهم مرة بعد مرة فبهذه الوسيلة دخل على أهل العلم بما يصنعه هؤلاء من هذه الهنات الوضيعة والفعلات الشنيعة ما تبكي عيون العلم وأهله وتقوم عليه النواعي ويغضب له كل من له حمية دينة وهمة علية ولو علم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قصدهم من هؤلاء النوكاء فإنهم ليسوا من أهل العلم ولا بينهم وبينهم علاقة ولا فرق بينهم وبين من يطلب الأعمال الدولية التي لا تعلق لها بالعلم
ومن هذه الحيثية تنازل منصب العلم وتهاون الناس به لأنهم يرون رجلا قد لبس لباس أهل العلم وتزين بزيهم وحضر مجالسهم ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومن لهم قدرة على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزير أو أمير فتصاغر لهم وتذلل وتهاون وتحقر حتى يصير في عداد خدمهم
[ ١٦٧ ]
ومن هو في أبوابهم ثم أعطوه منصبا من المناصب فعمل ما يريدونه منهم وإن خالف الشرع واعتمد على ما يرسمونه له وإن كان طاغوتا بحتا
فيظن من لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهل العلم كلهم هكذا وأنهم ينسلخون من العلم إذا ظفروا بمنصب من المناصب هذا الانسلاخ ويمسخون هذا المسخ ويعود أمرهم إلى هذا المعاد فيزهد في العلم وأهله وتنفر عنه نفسه وتقل فيه رغبته ويؤثر الحرف الدنيوية عليه ليربح السلامة من المهانة التي رآها نازلة بهذا المشؤوم الجالب على نفسه وعلى أهل العلم ما جلب من الذل والصغار
وإذا كان ما جناه هؤلاء النكاء على العلم وأهله بالغا إلى هذا الحد عند سائر الناس فما ظنك بما يعتقده فيهم من يطلبونه من المناصب بعد أن شاهد منهم ما يشاهد من الخضوع والذلة والانسلاخ عن الشرع إلى ما يريدونه منه وبذل الأموال لهم على ذلك ومهاداتهم بأفخر الهدايا والوقوف على ما يطلبونه منه على أي صفة تراد منهم
وينظم إلى هذا خلوهم عن العلم وجهلهم لأهله الذين هم أهلهم فيظنون أن هؤلاء الذين قصدوهم وتعثروا على أبوابهم هم رؤوس أهله لما يشاهدونه عليهم من الهيئة واللباس الفاخر الذي لا يجدونه عند المشتغلين بالعلم
فهل تراهم بعد هذا يميلون إلى ما يقوله أهل العلم وينزجرون بما يوردونه عليهم من الزواجر الشرعية المتضمنة لإنكار ما هو منكر والأمر بما هو معروف والتخويف لهم عن مجاوزة حدود الله هيهات أن يصغوا لهذا سمعا أو يفتحوا له طرفا فإلى الله المشتكى وعليه المعول فهذا أمر وقع فيه أهل العصور الأول فألأول
وما أحق أهل العلم الحاملين لحجيج الله المرشدين لعباده إلى شرائعه أن يطردوا هؤلاء عن مجالسهم ويبعدونهم عن مواطن تعليمهم وأن لا يبذلوا العلم إلا لمن يقدره حق قدره وينزله منزلته ويطلبه لذاته ويرغب فيه
[ ١٦٨ ]
لشرفه ويعتقد أنه أشرف مطلب من مطالب الدين والدنيا وأنه يصغر عنده الملك فضلا عما هو دونه