شيء طبيعي أن يلتف العدد الجم من التلاميذ والطلبة حول عالم كبير مثل الشوكاني؛ فهو صاحب علم راسخ، وذو عقل مستنير مجدد، وقلب مفتوح لكل من يريد أن يرقى بفهمه ويسمو بعلمه.
وإذ كانت ثمرة علم الشوكاني الأولى، هي مؤلفاته، فإن ثمرة علمه الثانية هي تلاميذه الذين بلغوا من العلم تحت رعايته مبلغًا أهلهم لأن يحتلوا مراتب سامية بين الفضلاء، ومناصب ذات تأثير في شئون الدول.
نذكر من بين أولئك التلاميذ الفضلاء:
١ - ابنه على بن محمد الشوكاني ولد في سنة ١٢١٧ هـ، رباه أبوه الإمام الشوكاني فأحسن تربيته، حتى أصبح فقيهًا من أهل الاجتهاد. من مؤلفاته "القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد". توفي قبل وفاة أبيه بشهرين سنة ١٢٥٠ هـ.
٢ - ابنه أحمد بن محمد الشوكاني: ولد ١٢٢٩ هـ، نهل من علم أبيه ومؤلفاته الشيء الكثير، حتى أصبح عالمًا فقيهًا، وتولى القضاء في صنعاء زمنًا. وأصابته محن في أيام الناصر (عبد الله بن الحسن) وأيام الإمام أحمد بن هاشم، فسجن في عهد الأول، وفرّ من صنعاء في عهد الثاني، فطاف متنقلًا في بعض الأطراف، ثم استقر في "الروضة" يحكم وينفذ الشريعة وهو لم يولَّ ذلك فكان علماء اليمن يسمونه "قاضى أرحم الراحمين"! وتوفي فيها. من كتبه
[ ١٩ ]
"كشف الريبة في الزجر عن الغيبة". توفى سنة ١٢٨١ هـ.
٣ - محمد بن حسن بن علي الشجنى: ولد سنة ١٢٠٠ هـ، من أهل "ذمار" باليمن، صاحب الإمام الشوكاني وأخذ عنه، وقد أجازه الشوكاني سنة ١٢٣٩ هـ. وأهم ما يتميز به الشجنى هو العلم بالتراجم. من مؤلفاته التي تدل على وفائه لأستاذه "التقصار" في سيرة الشوكاني ومشايخه وتلاميذه، وقد انتقل إلى رحاب ربه عام ١٢٨٦ هـ.
٤ - محمد بن أحمد السودى: ولد في سنة ١١٧٨ هـ، وقد صاحب الشوكاني وأخذ عنه من بداية طلبه حتى منتهاه. وقد عاجلته المنية سنة ١٢٢٦ هـ.
وقد أثنى عليه الشوكاني فقال فيه نظمًا:
أعز المعالى أنت للدهر زينة … وأنت على رغم الحواسد ماجده
٥ - على بن أحمد هاجر الصنعاني: ولد نحو ١١٨٠ هـ، تعمق في دراسة العلوم الفلسفية وبرع فيها لاسيما المنطق. وقد تعلم المنطق وغيره من العلوم على يد الشوكاني، وأثنى عليه شيخنا ثناء كبيرًا حتى قال عنه في تمكنه من المنطق: "وهو يفهمه فهما بديعًا، ويتقنه إتقانًا عجيبًا .. قل أن يوجد نظيره". مات عام ١٢٣٥ هـ.
٦ - أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز الضمدى: ولد سنة ١١٧٤ هـ في هجرة ضمد باليمن. ورحل إلى زبيد ثم إلى صنعاء وصعدة، وحج مرات، وتوفي في مدينة أبي عريش، راجعًا من الحرمين. وهو فقيه زيدى متمكن. من كتبه "مشارق الأنوار" أربع مجلدات في الفقه، و"شرح ملحة الإعراب" نحو. وله فتاوى ومراجعات في العلوم الإسلامية. وقال الشوكاني: "قرأ عليّ في شرح الغاية، وسألنى مسائل عديدة أجبت عليها بجواب سميته" "العقد المنضد في جيد مسائل علامة ضمد". انتقل إلى رحمة الله عام ١٢٢٢ هـ.
[ ٢٠ ]
هؤلاء كانوا بعض تلاميذ الشوكاني المباشرين، ولا يزال تلاميذه الناهلون من علمه المكتوب في ثنايا مؤلفاته يتزايدون يومًا بعد يوم حتى عصرنا الحالي. وكاتب هذه السطور شخصيًا قد تأثر منذ وقت مبكر من حياته بمنهج الإمام الشوكاني الفقهى وبأسلوبه الاجتهادى الفذ في استنباط الأحكام الشرعية.