فمن ذلك علم الفقه وأقل الأحوال أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة فإن معرفة ما يذهب إليه أهل المذاهب الإسلامية قد يحتاجه المجتهد لإفادة المتذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاجه لدفع من يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير
[ ١٥٢ ]
فإنه إذا قال له قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وقد وقعنا في كثير من هذه الأمور مع المقصرين وتخلصنا عن شغبهم بحكاية ما أنكروه علينا عن بعض من يعتقدونه من الأموات
وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم
فإن المجتهد يزداد بذلك علما إلى علمه وبصيرة إلى بصيرته وقوة في الاستدلال إلى قوته فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار المجتهدين وكثيرا ما يحصل للعالم من النكت واللطائف الصالحة للاستدلال بها ما لا يحصل للعالم الآخر وإن تقاربت معارفهما وتوازنت علومها بل قد يتيسر لمن هو أقل علما ما لا يتيسر لمن هو أكثر علما من الاستدلال والجواب والنقض والمعارضة وكما قيل
ورأيان أحزم من واحد … ورأي الثلاثة لا ينقض
وكما قيل
[ ١٥٣ ]
ولكن تأخذ الأفهام منه … على قدر القرائح والعلوم
ولا سيما مؤلفات أهل الإنصاف الذين لا يتعصبون لمذهب من المذاهب ولا يقصدون إلا تقرير الحق وتبيين الصواب فإن المجتهد الطالب للحق ينتفع بها ويستعين بأهلها فينظر فيما قد حرروه من الأدلة وقدروه من المباحث ويعمل فكره في ذلك فيأخذ ما يرتضيه ويزيد عليه ما بلغت إليه قدرته ووصلت إليه ملكته غير تارك للبحث عن تصحيح ما قد صححوه وتضعيف ما قد ضعفوه على الوجه المعتبر