ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته أن يشتغل بفن الكلام المسمى بأصول الدين ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب ومن مؤلفات المعتزلة بنصيب ومن المؤلفات الماتريدية بنصيب ومن مؤلفات المتوسطين بين هذه الفرق كالزيدية بنصيب
فإنه إذا فعل كل هذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصف كل فرقة بالترجيح أو التجريح على بصيرة وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة
ومن أحسن مؤلفات المعتزلة المجتبي ومن أحسن مؤلفات متأخري الأشعرية المواقف العضدية وشرحها للشريف والمقاصد السعدية وشرحها له
وإياك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه والتقليل لفائدته فإنك إن عملت على ذلك وقبلت ما يقال في الفن قبل معرفته كنت مقلدا فيما لا يدري ما هو
_ - _ - _ - _ والكون في الطبقة الأولية بل أعرفه حق معرفته وأنت بعد ذلك مفوض فما تقوله من مدح أو قدح فإنه لا يقال لك حينئذ أنت تمدح ما لا تعرفه أو تقدح فيما لا تدري ما هو
[ ١٤٥ ]
على أنه يتعلق بذلك فائدة وزيادة بصيرة في علوم أخرى كعلم التفسير وعلم تفسير الحديث فإنك إذا بلغت إلى ذلك علمت ما في العلم بهذا الفن من الفائدة لا سيما عند قراءة كشاف الزمخشري ومن سلك مسلكه فإن في مباحثهم من التدقيقات الراجعة إلى علم الكلام ما لا يفهمها حق الفهم إلا من عرف الفن واطلع على مذاهب المعتزلة والأشعرية وسائر الفرق
وإني أقول بعد هذا إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة وإبراز الصفات كما جاءت ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم المبنية على شفى جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوي والافتراء على العقل بما يطابق الهوى ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في الحديث والسنة فإنها حينئذ حديث خرافة ولعبة لاعب فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه وبالوعد والوعيد والجنة والنار والمبدأ والمعاد إلا ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن الله سبحانه وليس للمعقول وصول إلى تلك الأمور ومن زعم ذلك فقد كلف العقول ما أراحها الله منه ولم يتعبدها به بل غاية ما تدركه وجل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق الباري وأن هذه المصنوعات لها صانع وهذه الموجودات لها موجد وما عدى ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله ﷿ وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من العقل بل من ذلك النقل الذي منه جاءت وإلينا به وصلت
واعلم أني عند الاشتغال بعلم الكلام وممارسة تلك المذاهب والنحل لم أزدد بها إلا حيرة ولا استفدت منها إلا العلم بأن تلك المقالات خزعبلات فقلت إذ ذاك مشيرا إلى ما استفدته من هذا العلم
وغاية ما حصلته من مبحاثي … ومن نظري من بعد طول التدبر
[ ١٤٦ ]
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة … فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بدون التبحر
وعند هذا رميت بتلك القواعد من حالق وطرحتها خلف الحائط ورجعت إلى الطريقة المربوطة بأدلة الكتاب والسنة المعمودة بالأعمدة التي هي أوثق ما يعتمد عليه عباد الله وهم الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء الأمة المقتدين بهم السالكين مسالكهم فطاحت الحيرة وانجابت ظلمة العماية وانقشعت وانكشفت ستور الغواية ولله الحمد
على أني ولله الشكر لم أشتغل بهذا الفن إلا بعد رسوخ القدم في أدلة الكتاب والسنة فكنت إذا عرضت مسألة من مسائله مبنية على غير أساس رجعت إلى ما يدفعها من علم الشرع ويدمغ زائفها من أنوار الكتاب والسنة ولكنني كنت أقدر في نفسي أنه لو لم يكن لدي إلا تلك القواعد والمقالات فلا أجد حينئذ إلا حيرة ولا أمشي إلا في ظلمة ثم إذا ضربت بها وجه قائلها ودخلت إلى تلك المسائل من الباب الذي أمر الله بالدخول منه كنت حينئذ في راحة من تلك الحيرة وفي دعة من تلك الخزعبلات والحمد لله رب العالمين عدد ما حمده الحامدون بكل لسان في كل زمان