من خلال الاطلاع على مؤلفات الشوكاني ولا سيما "أدب الطلب" و"القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" يمكن للباحث أن يستنبط منهجه في الوصول إلى الحقيقة، وقد تراءى لي أن أقسم خطوات ذلك المنهج إلى
[ ٧ ]
قسمين: أحدهما سلبى والآخر إيجابى. أما المنهج السبي: فندرج تحته كل الأمور السلبية التي تعوق المرء عن التوصل إلى الحق، والتي نبه الشوكاني إليها، ودعا الباحثين إلى وجوب التخلى عنها بعزيمة صادقة وتحرير أذهانهم وتطهيرها منها حتى يقبلوا على البحث بذهن بريء محياد، هذه المعوقات والسلبيات تتمثل في:
١ - النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين أو تقليد ذلك المذهب دون تبصر.
٢ - حب الشرف والمال.
٣ - الجدال والمراء وحب الانتصار والظهور.
٤ - حب القرابة والتعصب للأجداد.
٥ - عدم الرجوع إلى الحق الذي سبق لطالب العلم أن قال بخلافه.
٦ - عدم الرجوع إلى الحق لأن المتكلم به صغير السن أو الشأن.
٧ - الاستناد إلى قواعد ظنية.
٨ - عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم.
٩ - تقليد المتعصبين من علماء الجرح والتعديل.
١٠ - المنافسة بين الأقران بلا تبصر.
١١ - التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد.
١٢ - التحايل على أحكام الشريعة للتخلص من فرائضها وواجباتها وسائر أنواع ما تأمر بالالتزام به.
١٣ - الاغترار بمجرد الاسم عن المسمى.
١٤ - التسرع في قبول الإجماع، والقياس، والاستحسان، والاجتهاد (بمعنى استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي)، دون كشف وتحر.
فهذه الأمور تعوق الذهن الإنساني عن التوصل إلى الحق، وينبغى على
[ ٨ ]
طالب العلم أن يتخلى عنها قبل شروعه في البحث. أما المنهج الإيجابي: فيمكن للمرء أن يدرج تحته كل الأشياء التي دعا الشوكاني طلاب العلم إلى وجوب اتباعها حتى يمكنهم البحث على أسس سليمة، وهي:
١ - تقديم القرآن الكريم والسنة الصحيحة على قول كل عالم كائنًا مَنْ كان.
٢ - وجوب الوقوف على الدليل والحجة وعدم التقليد الأعمى، سواء كان عالمًا أم غير عالم فإذا ما كان الباحث عالمًا فإنه يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، لأنه استعد لذلك بما اشتغل به من الطلب والوقوف بين يدى أهل العلم ومشاركته لهم في معارف الاجتهاد. أما إذا لم يكن قد بلغ مرتبة العلماء فيمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة، على طريقة طلب الدليل واسترواء النص. وبذلك يكون مجتهدًا في طلب الدليل والحجة وفهمهما، بخلاف المقلد الذي يعمل بالرأي دون السؤال عن البرهان.
٣ - أن يعلم الباحث عن الحق أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد؛ حتى إذا وجد أمرًا لم يرد فيه نص يخصه، ولا اشتمل عليه عموم، ولا تناوله إطلاق؛ فحق عليه أن يستحضر ذلك، ويرشد إليه، ويحكم وفقًا له.
٤ - تدبر الدلائل العامة، والتفكير فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه الدلالة المعتبرة. فإن الباحث إذا تمرن في ذلك وتدرب - صار مستحضرًا لدليل كل ما يُسأل عنه من الأحكام الشرعية. وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عن النبي (ص)؛ فإن كثيرًا من عباراته صالحة لأن تكون كليات عامة تندرج تحتها كثير من المسائل الجزئية.
٥ - أن يعلم الباحث أن نصوص الشريعة قرآنًا وسنة يراد بها المعنى الحقيقى والمدلول الواضح، ولا يجوز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرينة، كأن يكون هناك مسوّغ شرعى تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق عليها العقلاء.
[ ٩ ]
تلك كانت أهم المقومات والعناصر التي يقوم عليها منهج الشوكاني -بشقيه السلبى والإيجابى حسب تقسيمنا- في البحث عن الحقيقة، وبهذا
يمكننا تحديد ملامح شخصيته العلمية، فنجدها شخصية عالم، مجتهد، أصولى بالدرجة الأولى؛ شخصية تتميز بالموضوعية والحياد؛ شخصية ذات ضمير حى، وبصيرة نافذة؛ شخصية لها من صفات الاندغام الإجتماعي، والنضج الإنسانى، والحس الحضارى، ما يجعلها ترفض التقليد، وتدعو إلى التجديد.
[ ١٠ ]