ولا سبب لهذا الإستصعاب إلّا تأثير الدنيا على الدين فإنه قد يسوّل له الشيطان أو النفس الأمارة أن ذلك ينقصه ويحط من رتبته ويخدش في تحقيقه ويغض من رئاسته، وهذا تخيل مختل وتسويل باطل، فإن الرجوع إلى الحق هو يوجب له من الجلالة والنبالة وحسن الثناء ما لا يكون في تصميمه على الباطل بل ليس في التصميم على الباطل إلّا محض النقص له والإزراء عليه والاستصغار لشأنه، فإن منهج الحق واضح المنار يفهمه أهل العلم ويعرفون براهينه ولا سيما عند المناظرة فإذا زاغ عنه زائغ تعصبًا لقول قد قاله أو رأي رآه، فإنه لا محالة يكون عند من يطلع على ذلك من أهل العلم أحد رجلين: أما متعصب مجادل مكابر إن كان له من الفهم والعلم ما يدرك به الحق ويتميز به الصواب، أو جاهل فاسد الفهم باطل التصوّر إن لم يكن له من العلم ما يتوصل به إلى معرفة بطلان ما صمّم عليه وجادل عنه، وكلا هذين المطعنين فيه غاية الشين وكثيرًا ما تجد الرجلين المنصفين من أهل العلم قد تباريا في مسألة وتعارضا في بحث، فبحث كل واحد منهما عن أدلة ما ذهب إليه فجاءا بالمتردية والنطيحة على علم منه بأن الحق في الجانب الآخر، وأن
[ ١٤١ ]
ما جاء به لا يسمن ولا يغني من جوع، وهذا نوع من التعصب دقيق جدًّا يقع فيه كثير من أهل الإنصاف ولا سيما إذا كان بمحضر من الناس وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلّا في أندر الأحوال، وغالب وقوع هذا في مجالس الدرس ومجامع أهل العلم.