فمنها وهو أكثرها وقوعًا وأشدها بلاءً: أن ينشأ طالب العلم في بلد من البلدان التي قد تمذهب أهلها بمذهب معيّن، واقتدوا بعالم مخصوص (^١). وهذا الداء قد طبَّق في بلاد الإسلام وعم أهلها، ولم يخرج عنه إلّا أفراد قد يوجد الواحد منهم في المدينة الكبيرة، وقد لا يوجد لأن هؤلاء الذين ألفوا هذه المذاهب قد صاروا يعتقدون أنها هي الشريعة وأن ما خرج عنها خارج عن الدين مباين لسبيل المؤمنين ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٢]، فأهل هذا المذهب يعتقدون أن الحق بأيديهم وأن غيرهم على الخطأ والضلال والبدعة وأهل المذهب الآخر يقابلونهم بمثل ذلك. والسبب أنهم نشأوا فوجدوا آباءهم وسائر قراباتهم على ذلك ورثه الخلف
_________________
(١) راجع: فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٤٣.
[ ٩١ ]
عن السلف والآخر عن الأول (^١)، وانضم إلى ذلك قصورهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير الذي ورد عليهم ممن وجوده، قبلهم، وإذا وُجد فيهم من يعرف الحق والمحقين فهو لا يستطيع أن ينطق بذلك مع أخص خواصه وأقرب قرابته فضلًا عن غيره لما يخافه على نفسه أو على ماله أو على جاهه بحسب اختلاف المقاصد وتباين العزائم الدينية فيحصل من قصور هؤلاء مع تغيّر فطرهم، بمن أرشدهم إلى البقاء على ما هم عليه، و[اعتقاد] أنه الحق وخلافه الباطل، وسكوت من له فطنة ولديه عرفان وعنده إنصاف عن تعليمهم معالم الإنصاف، وهدايتهم إلى طرق الحق، ما يوجب جمودهم على ما هم عليه، واعتقادهم أن الحق مقصور عليه، منحصر فيه وأن غيره ليس من الدين، ولا هو من الحق، فإذا سمع عالمًا من العلماء يفتي بخلافه أو يعمل على ما لا يوافقه اعتقد أنه من أهل الضلال ومن الدّعاة إلى البدعة (^٢)، وهذا إذا عجز عن إنزال الضرر به بيده أو لسانه، فإن تمكن من ذلك فعله معتقدًا أنه من أعظم ما يتقرّب به إلى الله ويدخره في صحائف حسناته ويتاجر الله به، وهذا معلوم لكل أحد. وقد شاهدنا منه ما لا يأتي عليه حصر ولا تحيط به عبارة، بل قد يبلغ هذا المتعصب في معاداة من يخالفه إلى حد تجاوز به عداوته لليهود والنصارى، ولو علم المخدوع المغرور بأن سعيه ضلال وعمله وبال وأنه من ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤] لأقصر عن غوايته وأرعوى عن بعض جهله، لكنه جهل قدر نفسه وخسران سعيه وتحامى غيره من أهل المعرفة والفهم، إرشاده إلى الحق وتنبيهه على فساد ما هو فيه مخافة على نفسه منه وممن يشابهه في ذلك. فتعاظم الشر،
_________________
(١) راجع فتح القدير، للشوكاني ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد ص ١٠٢، المقبلي، العلم الشامخ ص ١٤٦، ١٩٦، ٢٨٠ - ٢٨١.
(٢) انظر: القول المفيد للشوكاني ص ٤٠.
[ ٩٢ ]
وطم (^١) البلاء وتفاقم الأمر وعمّ الضرر. ولو نظر ذلك المتعصب بعين الإنصاف ورجع إلى عقله وما تقتضيه فطرته الأصلية، لكف عن فعله وأقصر عن غيه وجهله ولكنه قد حيل بينه وبين ذاك وفرغ الشيطان منه إلّا من عصم الله وقليل ما هم. وهكذا صاحب المعرفة وحامل الحجة وثاقب الفهم لو وطّن نفسه على الإرشاد وتكلم بكلمة الحق ونَصرَ الله سبحانه ونصر دينه وقام في تبيين ما أمره الله بتبيينه لحمد مسراه وشكر عاقبته وأراه الله سبحانه من بدائع صنعه وعجائب وقايته، وصدق ما وعد به من قوله ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] [و] ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] ما يزيده ثباتًا ويشد من عضده ويقوي قلبه في نصرة الحق ومعاضدة أهله.
ومن تأمل الأمر كما ينبغي عرف أن كل قائم بحجة الله إذا بيّنها للناس كما أمره الله وصدع بالحق وضرب بالبدعة في وجه صاحبها وألقم المتعصب حجرًا وأوضح له ما شرعه الله لعباده، وإنه في تمسكه بمحض الرأي مع وجود البرهان الثابت عن صاحب الشرع، كخابط عشوي، وراكب العمياء، فإن قبل منه، ظفر بما وعده رسول الله ﵌ من الأجر في حديث: (لأن يهدي الله على يديك رجلًا) (^٢) الحديث، وإن لم يقبل منه كان قد فعل ما أوجب الله عليه وخلّص نفسه من كتم العلم الذي أمره الله بإفشائه، وخرج من ورطة أن يكون من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، ودفع الله عنه ما سوّلته له نفسه الأمّارة من الظنون الكاذبة والأوهام
_________________
(١) في (ب) فتعاظم الأمر، وعم البلاء.
(٢) في رواية البخاري ومسلم: لأن يهدي الله بك رجلٌ واحد خير لكم من حمر النعم" اللؤلؤ والمرجان ٣/ ١٣٢ (١٥٥٧)، أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٣٣٣، أبو داود، في باب العلم رقم ١٠: مجمع الزوائد ٥/ ٣٣٤، ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢١٨؛ جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٢٢.
[ ٩٣ ]
الباطلة وانتهى حاله إلى أن يكون كعبه الأعلى وقوله الأرفع ولم يزده ذلك إلّا رفعةٌ في الدنيا والآخرة وحظًا عند عباد الله وظفرًا بما وعد الله به عباده المتقين، وهم وإن أرادوا أن يضعوه بكثرة الأقاويل، وتزوير المطاعن وتلفيق العيوب، وتواعدوه بإيقاع المكروه به وإنزال الضرر عليه، فذلك كله ينتهي إلى خلاف ما قدّروه وعكس ما ظنوه، وكانت العاقبة للمتقين كما وعد به عباده المؤمنين ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
ولقد تتبعت أحوال كثير من القائمين بالحق، المبلغين له كما أمر الله، المرشدين إلى الحق، فوجدتهم ينالون من حسن الأحدوثة وبُعد الصّيت وقوّة الشهرة وانتشار العلم ونفاق المؤلفات وطيرانها وقبولها في الناس ما لا يبلغه غيرهم ولا يناله من سواهم، وسأذكر لك هنا جماعةً ممن اشتهرت مذاهبهم وانتشرت أقوالهم وطارت مصنفاتهم بعدما نالهم (^١) من المحنة ما نالهم كإمام دار الهجرة مالك بن أنس فإنه بلي بخصوم وعاداه ملوك، فنشر الله مذاهبه في الأقطار واشتهر من أقواله ما ملأ الأنجاد والأغوار، كذلك الإمام أحمد بن حنبل فإنه وقع له من المحن (^٢)، التي هي منح ما لا يخفى على من له اطّلاع، وضُرب بين يدي المعتصم العباسي ضربًا مبرحًا، وهمّوا بقتله مرة بعد مرة وسجنوه في الأمكنة المظلمة، وكبلوه بالحديد ونوعوا له أنواع العذاب، فنشر الله من علومه ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى إيضاح، وكانت العاقبة له، فصار بعد ذلك إمام الدنيا غير مدافع، ومرجع أهل العلم غير منازع، ودوَّن الناس كلماته وانتفعوا بها، وكان يتكلم بالكلمة فتطير في
_________________
(١) في (ب) بعدهم وما أصابهم.
(٢) يقصد المؤلف، محنة القول بخلق القرآن التي حدثت في أواخر عهد المأمون واستمرت إلى بداية عهد المتوكل (٢١٨ - ٢٣٤ هـ) وامتحن فيها أهل الحديث، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل.
[ ٩٤ ]
الآفاق، فإذا تكلم في رجل بجرح تبعه الناس، وبطل علم المجروح. وإن تكلّم في رجل بتعديل كان هو العدل الذي لا يحتاج بعد تعديله إلى غيره، ثم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أصابه من محمد بن يحيى الذهلي (^١) واتباعه من المحنة ما مات به كمدًا، ثم جعل الله تعالى كتابه الجامع الصحيح كما ترى، أصح كتاب في الدنيا وأشهر مؤلف في الحديث، وأجلّ دفتر من دفاتر الإسلام، ثم انظر أحوال من جاء بعد هؤلاء بدهر طويل كابن حزم المغربي [الأندلسي ت ٤٥٦ هـ] فإنه أُصيب بمحن عظيمة بسبب ما أظهره من إرشاد الناس إلى الدليل والصدع بالحق وتضعيف علم الرأي حتى أفضى ذلك إلى امتحان الملوك له وإيقاعهم به وتشريده من مواطنه، وتحريق مصنّفاته، ومع ذلك نشر الله من علومه ما صار عند كل فرقة وفي كل بلاد وبين ظهراني كل طائفة، ثم كذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، أحمد بن عبد الحليم [ت ٧٢٨ هـ] فإنه لما أبان للناس فساد الرأي وأرشدهم إلى التمسك بالدليل وصدع بما أمره الله به، ولم يخف في الله لومة لائم، قام عليه طوائف من المنتمين إلى العلم، المنتحلين له من أهل المناصب وغيرهم، فما زالوا يحاولون ويصاولون ويسعون به إلى الملوك، ويعقدون له
_________________
(١) هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي بالولاء، النيسابوري (١٨٠ - ٢٥٨ هـ) من حفاظ الحديث، له رحلة واسعة في طلبه، جمع حديث الزهري وانتهت إليه مشيخة الحديث بخراسان، أما المحنة التي لحقت بالبخاري بسببه - كما يشير المؤلف -، فلأن الذهلي عاصر البخاري، وبحكم اشتراكهما في المهنة الواحدة، وكون البخاري أكثر منه شعبية وشهرة، فقد داخله الحسد من البخاري، لذلك أراد أن يصرف الناس عنه، فأخذ يشنِّع عليه ويتهمه بأنه يقول "إن لفظه بالقرآن مخلوق"، واتفق أن أمير بخارى، كان قد حقد على البخاري لرفضه الحضور إلى مجلسه، ليسمع منه هو وأولاده الحديث، فلما انتشرت شائعات الذهلي ضد البخاري استغلَّها الأمير، فأمر بنفيه من بلاده؛ انظر: ابن الأثير الكامل ٥/ ٣٦٧ ابن كثير، البداية والنهاية ١١/ ٢٧، ابن الجوزي، المنتظم (طبعة بيروت) ١٢/ ١١٩.
[ ٩٥ ]
مجالس المناظرة ويفتون تارة بسفك دمه وتارةً بتشريده وتارةً باعتقاله. فنشر الله من فوائده ما لم ينشر بعضه لأحد من معاصريه، وترجَمه أعداؤه فضلًا عن أصدقائه بتراجم لم يتيسر لهم مثلها ولا ما يقارُبها لأحد من الذين يتعصبون لهم ويدأبون في نشر فضائلهم ويطرؤون في إطرائهم، وجعل الله له من ارتفاع الصيت وبُعد الشهرة ما لم يكن لأحد من أهل عصره، حتى اختلف من جاء بعد عصره في شأنه واشتغلوا بأمره، فعاداه قوم وخالفهم آخرون، والكل معترفون بقدره معظمون له خاضعون لعلومه واشتهر هذا بينهم غاية الاشتهار حتى ذكره المترجمون لهم في تراجمهم فيقولون وكان من المائلين إلى ابن تيمية أو المائلين عنه.
وهذه الإشارة إنما هي لقصد الإيضاح لك لتعلم بما يصنعه الله لعباده وعلماء دينه وحملة حجته. وفي كل عصر من هذا الجنس من تقوم به الحجة على العباد.
وانظر في أهل قطرنا فإنه لا يخفى عليك حالهم إن كنت ممن له إطلاع على أخبار الناس، وبحث عن أحوالهم، كالسيد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير (^١) فإنه قام داعيًا إلى الدليل في ديارنا هذه في وقت غربة وزمان ميل من الناس إلى التقليد وإعراض عن العمل بالبرهان فناله من أهل عصره من المحن ما اشتملت عليه مصنفاته، حتى ترسل عليه من ترسل من مشائخه برسالة حاصلها الإنكار عليه لما هو فيه من العمل بالدليل وطرح التقليد، وقام عليه كثير من الناس وثلبوه بالنظم والنثر ولم يضيرهُ ذلك شيئًا، بل نشر الله من علومه وأظهر من معارفه ما طار كل مطار.
ثم جاء بعده - مع طول فصل وبعُد عهد - السيد العلامة الحسن بن
_________________
(١) من مشاهير علماء اليمن (ت ٨٤٠ هـ)، انظر ترجمته في البدر الطالع للشوكاني ٢/ ٨١ - ٩٣.
[ ٩٦ ]
أحمد الجلال (^١) والعلامة صالح بن مهدي المقبلي (^٢) فنالهما من المحن والعداوة من أهل عصرهما ما حمل الأول على استقراره في هجرة الجراف (^٣) منعزلًا عن الناس وحمل الثاني على الارتحال إلى الحرم الشريف والاستقرار فيه حتى توفاه الله فيه، ومع هذا فنشر الله من علومهما وأظهر مؤلفاتهما ما لم يكن لأحدٍ من أهل عصرهما ما يقاربه فضلًا عن أن يساويه.
ثم كان في العصر الذي قبل عصرنا هذا السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير (^٤) وله في القيام بحجة الله والإرشاد إليها وتنفير الناس عن العمل بالرأي وترغيبهم إلى علم الرواية ما هو مشهور معروف، فعاداه أهل عصره وسعوا به إلى الملوك، ولم يتركوا في السعي عليه بما يضره جَهدًا، وطالت بينه وبينهم المصاولة والمقاولة ولم يظفروا منه بطائل ولا نقصوه من جاه ولا مال، ورفعه الله عليهم وجعل كلمته العليا، ونشر له من المصنفات المطوّلة والمختصرة ما هو معلوم عند أهل هذه الديار، ولم ينتشر لمعاصريه المعادين له المبالغين في ضرره بحث من المباحث العلمية فضلًا عن رسالة فضلًا عن مؤلف بسيط، فهذه عادة الله في عباده فاعلمها وتيقنها.
_________________
(١) الحسن بن أحمد الجلال (ت ١٠٨٤ هـ) له مؤلفات كثيرة، راجع ترجمته في البدر الطالع ١/ ١٩١ - ٤١٩٤؛ مصادر الفكر الإسلامي في اليمن عبد الله الحبشي ص ١٢٩.
(٢) توفي سنة ١١٠٨ هـ من مؤلفاته: العلم الشامخ، (مطبوع)، انظر: البدر الطالع ١/ ٢٨٨ - ٢٩٢، مصادر الفكر الإسلامي ص ١٣٢.
(٣) كانت من ضواحي صنعاء الشمالية، وقد اتصلت بها في الوقت الحاضر مباني صنعاء فأصبحت حيًا من أحيائها يعرف بهذا الاسم.
(٤) توفي ١١٨٢ من إجلاء العلماء انظر ترجمته في: البدر الطالع ٢/ ١٣٣ - ١٣٩؛ (مصادر ص ٦٢) (الحبشي).
[ ٩٧ ]
وكان شيخنا السيد العلامة عبد القادر بن أحمد (^١) ﵀ من أكثر الناس نشرًا للحق وإرشادًا إليه وتلقينًا له وهدمًا لما يخالفه، فجعله الله علمًا يُقتدى به ومرجعًا يأوي إليه أهل عصره، وأخضع له كل مخالف له واعترف له كل واحدٍ بأنه إمام عصره وعالمه ومجتهده، ولم يضره ما كان يناله به المخالفون له من الغيبة التي هي غاية ما يقدرون عليه ونهاية ما يبلغون إليه.
وإني أخبرك أيها الطالب عن نفسي وعن الحوادث الجارية بيني وبين أهل عصري ليزداد يقينك وتكون على بصيرة فيما أرشدتك إليه: إعلم أني كنت عند شروعي في الطلب على الصفة التي ذكرتها لك سابقًا، ثم كنت بعد التمكن من البحث عن الدليل والنظر في مجاميعه أذكر في مجالس شيوخي ومواقف تدريسهم وعند الاجتماع بأهل العلم ما قد عرفته من ذلك، لا سيما عند الكلام في شيء من الرأي مخالف الدليل أو عند ورود قول عالم من أهل العلم قد تمسك بدليل ضعيف وترك الدليل القوي أو أخذ بدليل عام وبعمل خاص أو بمطلق وطرح المقيّد، أو بمجمل ولم يعرف المبيّن، أو بمنسوخ ولم ينتبه للناسخ، أو بأول ولم يعرف بآخر، أو بمحض رأي ولم يبلغه أن في تلك المسألة دليلًا يتعيّن عليه العمل به فكنت إذا سمعت بشيء من هذا لا سيما في مواقف المتعصبين ومجامع الجامدين، تكلمت بما بلغت إليه مقدرتي وأقل الأحوال أن أقول استدلّ هذا بكذا وفلان المخالف له بكذا، ودليل فلان أرجح لكذا، فما زال أسرى التقليد يستنكرون ذلك ويستعظمونه لعدم الفهم به وقبول طبائعهم له حتى ولد ذلك في قلوبهم من العداوة والبغضاء ما الله به عليم.
ثم كنت إذا فرغت من أخذ فن من الفنون أو مصنف من المصنفات
_________________
(١) توفي سنة ١٢٠٧ (انظر البدر الطالع ١/ ٣٦٠ - ٣٦٨ ومصادر الفكر الإسلامي ص ٢٣٤) (الحبشي).
[ ٩٨ ]
على شيوخي أقبل جماعة من الطلبة إليّ وعوّلوا عليّ في تدريسهم في ذلك (^١)، فكان يأخذ أترابي شيئًا من الحسد الذي لا يخلو عنه إلا القليل، ثم تكاثر الطلبة عليّ في علوم الاجتهاد وغيرها وأخذوا عني أخذًا خاليًا عن التعصب سالمًا من الاعتساف فكنتُ أقرر لهم دليل كل مسألة وأوضح لهم الراجح فيها، وأصرّح لهم بوجوب المصير إلى ذلك وكانوا قد تمرّنوا وعرفوا علوم الاجتهاد، وذهب عنهم ما تكدرت به فطرهم من المغيرات فزاد ذلك المخالفين عداوة وشناعة وحسدًا وبغضًا وأطلقوا ألسنتهم بذلك وكان مع ذلك ترد إلي أبحاث من جماعة من أهل العلم الساكنين بصنعاء وغيرهم من أهل البلاد البعيدة والمدائن النائية، فأحرر الجوابات عليهم في رسائل مستقلة، ويرغب تلامذتي لتحصيل ذلك وتنتشر في الناس، فإذا وقف عليه المتعصبون ورأوه يخالف ما يعتقدون استشاطوا غضبًا، وعرضوا ذلك على مَن يرجون منه الموافقة والمساعدة، فمن ثالبٍ بلسانه، ومعترض بقلمه، وأنا مصمّم على ما أنا فيه لا أنثني عنه ولا أميل عن الطريقة التي أنا فيها، وكثيرًا ما يرفعون ذلك إلى من لا علم عنده من رؤساء الدولة الذين لهم في الناس شهرة وصولة، فكان في كل حين يبلغني من ذلك العجب، ويناصحني من يظهر لي المودّة، ومن لا تخفى عليه حقيقة ما أقوله وحقيته، مع اعترافهم بأن ما أسلكه هو ما أخذه الله على الذين حملوا الحجة، لكنهم يتعللون بأن الواجب يسقط بدون ذلك، ويذكرون أحوال أهل الزمان وما هم عليه وما يخشونه من العواقب فلا أرفع لذلك رأسًا، ولا أعوّل عليه، وكنت أتصوّر في نفسي أن هؤلاء الذين يتعصبون عليّ ويشغلون أنفسهم بذكري والحطّ عليّ هم أحد رجلين: إمّا جاهل لا يدري أنه جاهل ولا يهتدي بالهداية ولا يعرف الصواب وهذا لا يعبأ الله به. أو رجل متميز له حظ من
_________________
(١) راجع ص ١٧٣ - ١٧٤ من هذا الكتاب أيضًا: البدر الطالع ٢/ ٢١٩.
[ ٩٩ ]
علم وحصّة من فهم، لكنه قد أعمى بصيرته الحسد وذهب بإنصافه حب الجاه، وهذا لا ينجع فيه الدواء ولا تنفع عنده المحاسنة ولا يؤثر فيه شيء، فما زلت على ذلك وأنا أجد المنفعة بما يصنعونه أكثر من المضرَّة والمصلحة. العائدة على ما أنا فيه بما هم فيه أكثر من المفسدة.
ولقد اشتد بلاؤهم وتفاقمت محنتهم في بعض الواقعات فقاموا قومة شيطانية وصالوا صولة جاهلية، وذلك أنه ورد إليّ سؤال في شأن ما يقع من كثير من المقصّرين من الذَّم لجماعة من الصحابة صانهم الله، وغضبت على من ينتهك أعراضهم المصونة، فأجبت برسالة (^١) ذكرت فيها ما كان عليه أئمة الزيدية من أهل البيت وغيرهم، ونقلت إجماعهم من طرق وذكرت كلمات قالها جماعة من أكابر الأئمة، وظننت أنّ نقل إجماع أهل العلم يرفع عنهم العماية، ويردّهم عن طرق الغواية، فقاموا بأجمعهم وحرروا جوابات زيادة على عشرين رسالة (^٢) مشتملة على الشتم والمعارضة بما لا ينفق إلّا على بهيمة، واشتغلوا بتحرير ذلك وأشاعوه بين العامة ولم يجدوا عند الخاصة إلّا الموافقة، تقية لشرهم وفرارًا من معرتهم، وزاد الشر وتفاقم حتى أبلغوا ذلك إلى أرباب الدولة والمخالطين للملوك من الوزراء وغيرهم، وأبلغوه إلى مقام خليفة العصر (^٣) حفظه الله وعظَّم القضية عليه جماعة ممن يتصل به، فمنهم من يشير عليه بحبسي، ومنهم من ينتصح له بإخراجي من مواطني، وهو ساكت لا يلتفت إلى شيء من ذلك وقاية من الله وحماية لأهل العلم ومدافعة
_________________
(١) هي رسالته المسماة إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي (مخطوطة)، ذكر المؤلف في البدر الطالع ١/ ٢٣٤، أنه ألفها سنة ١٢٠٨ هـ (الحبشي).
(٢) جمعت في كتاب بعنوان إظهار الخبى، وانظر كتابنا مصادر الفكر الإسلامي ص ١٤١ (الحبشي).
(٣) هو المنصور علي بن العباس، حكم اليمن من سنة (١١٨٩ - ١٢٢٤ هـ) انظر ترجمته في البدر الطالع ١/ ٤٥٩ - ٤٦٧.
[ ١٠٠ ]
عن القائمين بالحجة في عباده، ولم تكن لي إذ ذاك مداخلة لأحد من أرباب الدولة ولا اتصال بهم (^١)، واشتد لهج الناس بهذه القضية وجعلوها حديثهم في مجامعهم، وكان من بيني وبينهم مودّة يشيرون عليّ بالفرار أو الاستتار، وأجمع رأيهم على أني إذا لم أساعدهم على أحد الأمرين فلا أعود إلى مجالس التدريس التي كانت أدرّس بها في جامع صنعاء، فنظرت ما عند تلامذتي فوجدت أنفسهم قوية، ورغبتهم في التدريس شديدة، إلّا القليل منهم فقد كادوا يستترون من الخوف، ويفرون من الفزع، فلم أجد لي رخصةً في البعد عن مجالس التدريس، وعدت وكان أول درس عاودته عند وصولي إلى الجامع في أصول الفقه بين العشائين، فانقلب من بالجامع وتركوا ما هم فيه من الدرس والتدريس ووقفوا ينظرون إليَّ متعجبين من الإقدام على ذلك، لما قد تقدر عندهم من عظم الأمر، وكثرة التهويل، والوعيد والترهيب حتى ظنوا أنه لا يمكن البقاء في صنعاء فضلًا عن المعاودة للتدريس، ثم وصل وأنا في حال ذلك الدرس جماعة لم تجرِ لهم عادة بالوصول إلى الجامع وهم متلفعون بثيابهم لا يُعرفون وكانوا ينظرون إليّ ويقفون قليلًا ثم يذهبون ويأتي آخرون حتى لم يبقَ شك مع أحد أنها إن لم تحصل منهم فتنة في الحال وقعت مع خروجي من الجامع، فخرجت من الجامع وهم واقفون على مواضع من طريقي، فما سمعت من أحدهم كلمة فضلًا عن غير ذلك، وعاودت الدروس كلها وتكاثر الطلبة المتميزون زيادة على ما كانوا عليه في كل فن وقد كانوا ظنوا أنه لا يستطيع أحد أن يقف بين يدي مخافةً على أنفسهم من الدولة والعامة، فكان الأمر على خلاف ما أظنه وكنت أتعجب من ذلك وأقول في نفسي: هذا من صنع الله الحسن،
_________________
(١) كان المؤلف قبل توليه القضاء عام ١٢٠٩ هـ، متفرغًا للعلم تفرغًا تامًّا، مبتعدًا عن رجال السياسة، انظر: البدر الطالع ٢/ ٢٢٤.
[ ١٠١ ]
ولطفه الخفي، لأن من كان الحامل له على ما وقع، الحسد والمنافسة لم ينجح كيده بل كان الأمر على خلاف ما يريد.
ومن عجيب ما أشرحه لك: أنه كان في درس بالجامع بعد صلاة العشاء الآخرة في صحيح البخاري يحضره من أهل العلم الذين مقصدهم الرواية وإثبات السماع جماعة، ويحضره من عامة الناس جمع جمّ لقصد الاستفادة بالحضور، فسمع ذلك وزير رافضي من وزراء الدولة، وكانت له صولة وقبول كلمة بحيث لا يخالفه أحد، وله تعلق بأمر الأجناد، فحمله ذلك على أن استدعى رجلًا من المساعدين له في مذهبه، فنصب له كرسيًا في مسجد من مساجد صنعاء، ثم كان يسرج له الشمع الكثير، في ذلك المسجد (^١)، حتى يصير عجبًا من العجب فتسامح به الناس وقصدوا إليه من كل جانب لقصد الفرجة والنظر إلى ما لا عهد لهم به والرجل الذي على الكرسي يملي عليهم في كل وقت ما يتضمن الثلب لجماعة من الصحابة صانهم الله، ثم لم يكتف ذلك الوزير بذلك، حتى أغرى جماعة من الأجناد من العبيد وغيرهم بالوصول إليّ لقصد الفتنة، فوصلوا وصلاة العشاء الآخرة قائمة، ودخلوا الجامع على هيئة منكرة وشاهدتهم عند وصولهم فلما فرغت الصلاة قال لي جماعة من معارفي: إنه يحسن ترك الإملاء تلك الليلة في البخاري، فلم تطب نفسي بذلك، واستعنت بالله وتوكلت عليه، وقعدت في المكان المعتاد، وقد حضر بعض التلاميذ، وبعضهم لم يحضر تلك الليلة لمَّا شاهد وصول أولئك الأجناد ولما عقدت الدرس وأخذت في الإملاء رأيت أولئك الأشخاص يدورون حول الحلقة من جانب إلى جانب، ويقعقعون بالسلاح ويضربون سلاح بعضهم في بعض، ثم ذهبوا ولم يقع شيء بمعونة الله تعالى وفضله ووقايته. ثم أن ذلك الوزير أكثر السعاية إلى المقام
_________________
(١) راجع: ص ١٥٢ من هذا الكتاب.
[ ١٠٢ ]
الإمامي هو ومن يوافقه على هواه ويطابقه في اعتقاده من أعوان الدولة واستعانوا برسائل بعضها من علماء السوء، وبعضها من جماعة من المقصرين الذين يظنهم من لا خبرة له في عداد أهل العلم. وحاصل ما في تلك الرسائل إني قد أردت تبديل مذهب أهل البيت ﵈، وأنه إذا لم يتدارك ذلك الخليفة بطل مذهب آبائه، ونحو هذا من العبارات المفتراة والكلمات الخشنة والأكاذيب الملفقة. ولقد وقفت على رسالة منها لبعض أهل العلم ممن جمعني وإياه طلب العلم ونظمنا جميعًا عقد المودة وسابق الإلفة فرأيته يقول فيها مخاطبًا لإمام العصر: أن الذي ينبغي له ويجب عليه أن يأمر جماعة يكبسون منزلي ويهجمون مسكني ويأخذون ما فيه من الكتب المتضمنة لما يوجب العقوبة من الاجتهادات المخالفة للمذهب، فلما وقفت على ذلك قضيت منه العجب ولولا أن تلك الرسالة بخطه المعروف لديّ لما صدقت وفيها من هذا الزور والبهت والكلمات الفظيعة شيء كثير، وهي في نحو ثلاثة كراريس، وعند تحرير هذه الأحرف (^١) قد انتقم الله منه فشرده إمام العصر إلى جزيرة من جزائر البحر مقرونًا في السلاسل بجماعة من السوقة وأهل الحرف الدنيئة وأهلكه الله في تلك الجزيرة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩] وكان حدوث هذه الحادثة عليه ونزول هذه الفاقرة به بمرأى ومسمع من ذلك الوزير الرافضي الذي ألّف له تلك الرسالة استجلابًا لما عنده، وطلبًا للقرب إليه وتودّدًا له. ومن جملة ما وقفت عليه من الرسائل المؤلفة بعناية هذا الوزير رسالة لبعض مشائخي (^٢) الذين أخذت عنهم بعض
_________________
(١) هذا الفقيه المشار إليه هنا هو الفقيه إسماعيل بن عز الدين بن محمد النعمي اشترك مع العامة في ثورتهم ضد الشوكاني سنة ١٢١٦ ونفي إلى جزيرة زيلع توفي سنة ١٢٢٠ وله رسالة في الرد على الشوكاني بعنوان السيف الباتر المضي لكشف الإيهام والتمويه في إرشاد الغبي (انظر كتابنا مصادر الفكر الإسلامي في اليمن ص ١٣٩) (الحبشي).
(٢) هو عبد الله بن إسماعيل النهمي ترجم له المؤلف في البدر الطالع وأشار إلى هذه الحادثة، البدر الطالع ١/ ٣٧٩ - ٣٨٠؛ أيضًا ١/ ٢٣٤ وما بعدها.
[ ١٠٣ ]
العلوم الآلية (^١) وفيها من الزور ومحض الكذب ما لا يظن بمن هو دونه، وما حمله على ذلك إلا الطمع في الوزير، فعاقبه الله بقطع ما كان يجري عليه من الخليفة، وأصيب بفقر مدقع وفاقة شديدة حتى صار عبرة من العبر وكان يفدُ إليّ يشكو حاله وما هو فيه من الجهد والبلاء فأبلغ جهدي في منفعته وما يسد فاقته. وهكذا جماعة من المترسلين عليّ المبالغين في إنزال الضرر بي أرجعهم الله إلي راغمين وأحوجهم لمعونتي مضطرين ولم أعاقب أحدًا منهم بما أسلفه ولا كافيته بما قدّمه. فانظر صنع الله مع من عُودي وأوذي لأجل تمسكه بالإنصاف ووقوفه عند الحق. اللهم إني أحمدك على جميل صنعك وجزيل فضلك وجميل طولك حمدًا يتجدّد بتجدد الأوقات ويتعدد بعدد المعدودات. وإني وإن لم أكن أهلًا لما أوليته فأنت له أهل وبه حقيق، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
ومما أسوقه لك أيها الطالب وأعجِّبك منه: أنه كان لي صديق بمدينة من مدائن اليمن (^٢) جمعني وإياه الطلب والإلفة والوداد وكان عالي القدر رفيع المنزلة في العلم كبير السن بعيد الصيت مشهور الذكر ولعله كان يفيد الطلبة في الفقه قبل مولدي، وقرأ عليه بعض شيوخي، ورحل إلى صنعاء وطلب علوم الاجتهاد في أيام طلبي لها، وكان بيني وبينه من المودة أمر عظيم، وله معي مذاكرات ومباحثات وترسلات في فوائد كثيرة هي في مجموع رسائلي. فلما حدث ما حدث من قيام ما قام عليّ من الخاصة والعامة، وكان إذ ذاك قد فارق صنعاء وعاد إلى مدينته وعكف عليه الطلبة واستفادوا به في الفنون فقاموا عليه وقالوا: أنه بلغ إلينا ما حدث من أليفك الذي تكثر الثناء عليه والمذاكرة له من مخالفة المذهب والتظهر بالاجتهاد،
_________________
(١) في (ب) الإلهية.
(٢) راجع البدر الطالع ١/ ٢٣٣ - ٢٣٥.
[ ١٠٤ ]
فإن كنت موافقًا له قمنا عليك كما قام عليه أهل صنعاء، وإن كنت تخالفه فيما ظهر منه فترسل عليه فوصلت منه رسالة في عدة كراريس، وما حمله على ذلك إلّا المداراة لهم والتقيّة منهم وظاهرها المخالفة وباطنها الموافقة، مع حسن عبارة وجودة مسلك ولم أستنكر ذلك منه، ولا عتبته عليه فإن الصدع بالحق والتظهر بما لا يوافق الناس من الحق لا يستطيعه إلّا الأفراد وقليل ما هم.
ووصلت رسائل من جماعة آخرين في مدائن بعيدة من صنعاء فيها ما هو موافق لي مقوٍّ لما ذهبت إليه وفيها ما هو مخالف لذلك ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ [هود / ١١٨] وليس بعجيب خذلان من خذلني ولم يقم بنصري ولم يصدع بالحق في أمري من علماء صنعاء العارفين بالعلوم المتمسكين منها بجانب يفرقون به بين الحق والباطل، فثورة العامة يتقيها غالب الناس ولا سيما إذا حطبوا (^١) في حبل من ينتمي إلى دولة ويتصل بملك ويتأيد بصولة، ويأبى الله إلّا أن يتم نوره وينصر دينه ويؤيد شرعه.
وبالجملة: فالشرح لما حدث لي من الحوادث في هذا الشأن يطول ولو ذهبت أسردها وأذكر ما تعقبها من ألطاف الله التي هي من أعظم العبر ومنحه التي لا تبلغها الأفهام ولا تحيط بها الأوهام لم يفِ بذلك إلّا مصنَّف مستقل، وليس المقصود ههنا إلّا ما نحن بصدده من تنشيط طالب العلم وترغيبه في التمسك بالإنصاف والتحلي بحلية الحق والتلبس بلباس الصدق وتعريفه بأن قيامه في هذا المقام، كما أنه سبب الفوز بخير الآخرة، هو أيضًا سبب الوصول إلى ما يطلبه أهل الدنيا من الدنيا، وأن له الثأر على من خالفه والظهور على من ناوأه في حياته وبعد موته، وأنه بهذه الخصلة الشريفة التي هي الإنصاف ينشر الله علومه ويظهر في الناس أمره ويرفعه إلى مقام لا يصل إلى أدنى مراتبه من يتعصب في الدين، ويطلب رضاء الناس بإسخاط رب العالمين.
_________________
(١) "حطب في حبل فلان" بمعنى أعانه ونصره.
[ ١٠٥ ]