واعلم أن المفاسد الماحقة لبركة العلم والمفرقة لكلمة المسلمين كثيرة جدًّا، والإحاطة بها تتعسر، وقد ذكرنا هنا ما حضر عند التحرير، واعظم ما أصيب به دين الإسلام من الدواهي الكبار، والمفاسد التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار أمران، أحدهما: هذه المذاهب التي ذهبت ببهجة الإسلام وغيرت رونقه وجَهَّمت وجهه وقد قدمنا في هذا ما يستغني عن الزيادة إن بقي له فهم يرجع به إلى الحق ويخرج به من الباطل.
_________________
(١) من أقوال الإمام علي بن أبي طالب (راجع ص ١٨٩ هامش (٦).
[ ٢٥٣ ]
والأمر الثاني: هذه الاعتقادات التي حدثت لهذه الأمة في صالحي الأموات حتى صار الرجل يقرن من يعتقده من الأموات بمن يقلده منهم. فيقول إمامه في المذهب فلان، وشيخه في الاعتقاد والمحبة فلان. وهذا يقوله ظاهرًا، وهو لو كوشف ونطق بما في ضميره لقال وشيخه الذي يعوّل عليه في زعمه عند الشدائد في قضاء حاجاته ونيل مطالبه فلان. فصمِّي صَمَام (^١)، من خلف وأمام. فإن هذه الداهية الدهياء والمصيبة الصماء العمياء، فقد كان أوائل المقلدة يعتمدون على أئمتهم في المسائل الشرعية ويُعوّلون على آرائهم، ويقفون عند اختياراتهم، ويَدعون نصوص الكتاب والسنة، ولكنهم لا ينزلون حوائجهم بغير الله ﷿، ولا يناجون سواه ولا يرجون غيره، ولا يعوّلون إلا عليه، ولا يطلبون إلا منه، فهم وإن خلطوا صومهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم بآراء الرجال، وقلدوا في كثير من تفاصيلها ما لم يأذن الله بتقليده، وأخذوا دينهم على الوجه الذي لم يأمر الله به ولا ارتضاه لهم. لكنهم لم يخلطوا في معنى لا إله إلا الله، ولا تلاعبوا بالتوحيد، ولا دخلوا في أبواب الشرك ومضايق الجحود وبلايا الجاهلية وما كانوا عليه.
وأما هؤلاء فعمدوا إلى جماعة من الأموات الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون، فقصدوهم في المهمات، وعكفوا على قبورهم ونذروا لهم النذور ونحروا لهم النحاير وفزعوا إليهم عند المهمات. فتارة يطلبون منهم من الحاجات ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿ وخصوهم بالنداء وأفردوهم بالطلب. وتارة ينادونهم مع الله ﷿ ويصرخون بأسمائهم مع
_________________
(١) الصَمِّ: الداهية الشديدة، صَمَام: كقَطام، عَلمٌ للداهية الشديدة و(صَمّي صمام): أي زيدي يا داهية (لسان العرب مادة (صَمم)، مجمع الأمثال ٢/ ٢١٩).
(٢) في (ب) أدوار.
[ ٢٥٤ ]
اسم الله سبحانه فيأتون بكلمات تقشعر لها جلود من يعلم معنى لا إله إلا الله، ويعرف مدلول "قل هو الله أحد"، وتلاعب بهم الشيطان في ذلك ونقلهم من مرتبة إلى مرتبة، ومن منزلة إلى منزلة، حتى استعظموا من جانب هؤلاء الأموات الذين خلقهم الله ورزقهم وأحياهم وأماتهم ما لا يستعظمونه من جانب باري البرية وخالق الخلق، جل اسمه وتعالى قدره ولا إله غيره. وأفضى ذلك إلى أن أحدهم يحلف بالله تعالى فاجرًا ولا يحلف بمن يعتقده من الأموات، ويقدم على المعصية في المساجد التي هي بيوت الله، ولا يقدم عليها عند قبر من يعتقده. وتزايد الشر وعظمت المحنة وتفاقمت المصيبة حتى صار كثير منهم ينسبون ما أصابهم من الخير في الأنفس والأموال والأهل إلى ذلك الميت. وما أصابهم من الشر في ذلك إليه، وقد صار تحت أطباق الثرى وغُيّب عن أعين البشر وصار مشغولًا بنفسه عاجزًا عن جر نفع إليه أو دفع ضر عنه، منتظرًا لما ينتظر له مثله من الأموات لا يدري بما نزل به من هؤلاء النوكاء ولا يشعر بما ألصقوه به. ولو علم بذلك لجالدهم بالسيف، ودفعهم بما يقدر عليه.
ومن أعظم الذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية أنهم بالغوا في التأنق في عمارة قبور من يعتقدونه من الصالحين، ونصبوا عليهم القباب وجعلوا على أبوابها الحجاب، ووضعوا عليها من الستور العالية، والآلات الرائعة، ما يبهر الناظر إليه، ويدخل الروعة في قلبه، ويدعوه إلى التعظيم كما جُبلت عليه طبائع العوام من دخول المهابة في قلوبهم والروعة في عقولهم بما يتعاطاه المريدون لذلك، كما يفعله غالب ملوك الدنيا من المبالغة في تزيين منازلهم وتعظيمها والتأنق في بنائها والاستكثار من الحجاب والخدم والصياح والجلبة وارتباط الأسود ونحوها من الحيوانات، ولبس فاخر الثياب، قاصدين بذلك تربية المهابة لهم والمخافة منهم. وصنع هؤلاء القبوريون كصنعهم، ففعلوا في الأموات من جوالب التعظيم وأسباب الهيبة
[ ٢٥٥ ]
ما يكون له من التأثير في قلوب من يزورهم من العامة ما لا يُقادر قدره ثم يزيد ذلك قليلًا قليلًا حتى يحصل لهم من الاعتقاد في أولئك الأموات ما يقدح في إسلامهم ويخدش في توحيدهم. ولو اتبع الناس ما أرشد إليه الشارع من تسوية القبور كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي الهياج قال: قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵌، أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته" (^١) فانظر كيف بعث رسول الله ﵌ أميرًا لهدم القبور المشرفة وطمس التماثيل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، ثم بعث عليٌّ أيام خلافته أميرًا على ذلك هو أبو الهيّاج. وأخرج أبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث جابر: "أن النبي ﵌ نهى أن يجصص القبر وأن يُبنى عليه وأن يكتب عليه وأن يوطئ" (^٢) "وأخرجه مسلم في صحيحه" بدون ذكر الكتابة. قال الحاكم: "النهي عن الكتابة على شرط مسلم وهي صحيحة غريبة". قال: "والعمل من أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك يعني يقررون كتابة الاسم من دون إنكار، انتهى" (^٣) وأقول: لا حجة في أحد خالف السنة الثابتة عن رسول الله ﵌ كائنًا من كان قل عددهم أو كثر فليس لهم أن يشرعوا للناس غير ما شرعه الله، بل يُحملون على الخطأ وعدم العناية بأمر الشرع والتساهل في أمر الدين. وما هذا بأول
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٦١ (جنائز ٩١)؛ أحمد ١/ ٨٩، الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢٤ (١٣٦٦ - ١٣٦٧).
(٢) صحيح مسلم (جنائز ٩٤ - ٩٥)؛ ابن ماجه (١٥٦٢ - ١٥٦٤)؛ أحمد ٦/ ٢٩٩، ٣/ ٣٣٢، ٣/ ٣٩٩؛ النسائي (ب الجنائز ٩٧ - ٩٨)؛ الترمذي (ب الجنائز ٥٨)؛ الخطيب البغدادي/ تاريخ بغداد ١٣/ ٢١٣، الحاكم، المستدرك ١/ ٢٢٥ (١٣٦٩ - ١٣٧٠).
(٣) المستدرك ١/ ٥٢٥.
[ ٢٥٦ ]
باب من أبواب الشرع أهمله الناس وخالفوا فيه السنن الواضحة والشرائع الثابتة، ولا سيما بعد أن استعلى الجهل على العلم وغلبت آراء الرجال ما جاء في الكتاب والسنة، وصار التقليد والتمذهب هو المعروف عند الجمهور، وغيره المنكر، ولا اعتبار بسكوت أهل العلم الذي هم أهله فإنهم مغلوبون مكثورون مخبوطون بسوط العامة الذي منهم السلاطين وجنودهم كما قدمنا الإشارة إلى هذا، وإطباق أهل المشرق والمغرب على الكتابة هو كإطباقهم على رفع القبور وتجصيصها ووضع القباب عليها وجعلها مساجد، فخالفوا ما تقدم عنه ﵌ مع مخالفتهم لما ثبت في الصحيح عنه ثبوتًا لا يخالفه فيه مخالف من أن النبي ﵌ قال: "لا تجعلوا قبري مسجدًا لا تجعلوا قبري وثنا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^١) وكان هذا القول من آخر ما قاله في مرض موته كما ثبت، آخر ما قاله ﵌: "الأمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب والنهي عن اتخاذ قبره مسجدًا وتنفيذ جيش أسامة" (^١) ثم كان الواقع من أمته بعد هذا التأكيد أنهم بنوا على قبره الشريف قبة. وما زال ملوك الإسلام يبالغون في تحسينها وتزيينها ورفع سمكها، ووضعوا القباب ورفعوا القبور، وكانوا يفعلون هذا بأهل الصلاح. ثم تزايد الشر وصاروا يفعلون ذلك لمن له رئاسة دنيوية. وإن كان من أفجر الفجرة. وقد يوصي الميت في وصيته بذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم: اللؤلؤ والمرجان ١/ ١٠٧ (٣٠٧ - ٣٠٨) وأخرج الطبراني من حيث أسامة بن زيد بلفظ: لعن الله اليهود؛ الطبراني: ١/ ١٦٤ (٣٩٣)، ١٦٧ (٤١١)؛ أحمد ٥/ ٢٠٤؛ ووردت أيضًا روايات متعددة بألفاظ متقاربة انظر: البيهقي السنن الكبرى ٤/ ٨٠؛ دلائل النبوة ٧/ ٢٠٤، أبو داود (٣٢٢٧)؛ الترمذي (٢٢٦، ٧٨٢، ١٢٤١)؛ مجمع الزوائد ٢/ ٢٧، ٤/ ٢، المستدرك ٤/ ١٩٤؛ النسائي: الجنائز (١٠٥، ١٠٦)؛ أحمد ١/ ٢١٨، ٢/ ٢٦٠، ٢٨٤ - ٢٥، ٥/ ١٨٤، ١٨٦.
[ ٢٥٧ ]
وأعجب من هذا كله تصريح جماعة من أهل الفقه بأنه لا بأس بذلك إذا كان الميت فاضلًا، ودونوه في مصنفاتهم التي هي مدارس الطلبة، وضربوا بما ذكرناه من الأدلة في وجه من جاء به ورموا بها خلف الحائط. ولم يردعهم دين ولا وزعهم حياء وقابلوا بما أسلفنا بقولهم أنه قد استحسن رفع هذه القباب وتزيين هذه القبور بعض السلف. فلا كثر الله في أهل العلم (من أمثالكم) (^١) ولا من أمثال من استحسن مخالفة الشرع من السلف الذين صرتم تقولون عليهم بما لم يقولوه، فإنه إذا صح ما تزعمونه من أنه استحسن ذلك بعض السلف فلا حجة في استحسان من استحسن مخالفة الشرع كائنًا من كان. فإنه أول مبتدع ومخالف للشرع وعاص الله ولرسوله وللشريعة المطهرة (^٢).
ولقد تزلزل بهذا السبب أقدام كثير من العباد عن الإسلام، وذهب بهذه الذريعة إيمان جماهير من الأنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فإنها لو كانت القبور على الصفة التي شرعها الله وعلمها الأمة، رسولُ الله لم يحدث من هذه الاعتقادات الفاسدة شيء. ولا يشك عاقل أن أعظم ما أدخل فاسد الاعتقاد في صدور كثير من العباد هو هذا الأمر مع سكوت العلماء عن البيان الذي أمرهم الله به ومجاملتهم للعامة، إما مع علمهم بما في هذا الأمر من الخطر، أو مع غلبة العادات الطارئة عليهم لما عندهم من العلم، حتى ذهب ذلك بما يعلمونه ومحق بركته وأبطل ثمرته.
ومما أحكيه لك: أنه كان يبلغني وأنا في الطلب للعلم والاشتغال به ما يصنعه أهل القطر التهامي في الاجتماع لزيارة جماعة من المعتقدين لديهم وما يحدث منهم عند ذلك من النهيق الذي لا يعود صاحبه إلى الإسلام سالمًا
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) للمؤلف رسالة مطولة حول هذا الموضوع بعنوان: شرح الصدور في تحريم رفع القبور، نشرت ضمن: الرسائل السلفية، القاهرة: (١٣٤٨ هـ).
[ ٢٥٨ ]
مع عدم إنكار من بتلك الديار من العلماء بل كان الكثير منهم يحضرون تلك المجامع ويشهدون تلك الزيارات، فتكون المنكرات وما يحدث من أنواع الشرك بمرأى منهم ومسمع، فكتبت رسالة إلى العلماء من أهل تلك الديار على يد رجل من أهل العلم الراحلين إلى هنالك، فلما عاد أخبرني بما حصل من الاستنكار منهم لما كتبته إليهم وعدم الاعتداد به والالتفات إليه فقضيت من ذلك العجب. ثم لما ولى القضاء ببعض البنادر التهامية بعض علماء صنعاء الأكابر وشاهد من هذه المنكرات ما حمله على أن يحرر إليّ سؤالًا فأجبته برسالة مطولة سميتها: "الدر النضيد في اخلاص كلمة التوحيد" (^١)، وأمرته أن يكتب منها نسخًا ويرسلها إلى القضاة في تلك الديار ففعل ولم يؤثِّر ذلك شيئًا، بل كتب كبير علماء تلك الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات. فلم تمض إلا أيام قلائل حتى نزل بهم السيف وهدم الله تلك الطواغيت، وذهب بتلك الاعتقادات الفاسدة، فهي الآن صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها أهلها، فلا يقدر أحد منهم أن يستغيث بغير الله سبحانه، أو ينادي ميتًا من الأموات، أو يجري ذكره على لسانه. ولكنه لم يغسل أدرانهم ويذهب بالكدورات التي كانت تشوب صافي إسلامهم إلا السيف وهو الحكم العدل، في من استحكمت عليه نزعات الشيطان الرجيم، ولم تردعه قوارع آيات الرحمن الرحيم.
ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث: وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما، ولا شموله كشمولهما، وهو ما صارت عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة، فقد كان أول هذا الأمر يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هدي الشريعة المطهرة، وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها، ولم يغتر ببهجتها، ثم حدث أقوام
_________________
(١) هذه الرسالة مطبوعة في مصر (١٣٥٠ هـ / ١٩٣٢ م).
[ ٢٥٩ ]
جعلوا هذا الأمر طريقًا إلى الدنيا، ومدرجًا إلى التلاعب بأحكام الشرع، ومسلكًا إلى أبواب اللهو والخلاعة، ثم جعلوا لهم شيخًا يعلمهم كيفية السلوك، فمنهم من يكون مقصده صالحًا وطريقته حسنة، فيلقن أتباعه كلمات تباعدهم من الدنيا وتقربهم من الآخرة، وينقلهم من رتبة إلى رتبة، على أعراف يتعارفوها، ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع وخروج عن كثير من آدابه. والخير كل الخير في الكتاب والسنة، فما خرج عن ذلك فلا خير فيه، وإن جاءنا أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة، وأتقاهم لله تعالى وأخشاهم له في الظاهر فإنه لا زهد لمن لم يمش على الهدى النبوي، ولا تقوى ولا خشية لمن لم يسلك الصراط المستقيم. فإن الأمور لا تكون طاعات بالتعب فيها والنصب وإيقاعها على أبلغ الوجوه. بل إنما تكون طاعات خالصة محضة مباركة نافعة لموافقة الشرع، والمشي على الطريقة المحمدية. واعتبر بالخوارج: فقد وصفهم النبي ﵌ بما وصف من تلك العبادات والمجاهدات التي لا تبلغ عبادتنا ولا مجاهدتنا إلى شيء منها، ولا تعتبر بالنسبة إليها، ومع هذا فقال: "إنها لا تجاوز تراقيهم" (^١) وقال: "إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (^١)، وقال: "إنهم كلاب النار" (^٢) فانظر: كيف كانت مجاهداتهم وعباداتهم وقيامهم الليل وصيامهم النهار نقمة عليهم ويلية ومحنة لهم لم تعد عليهم بنفع قط إلا ما أصيبوا به من الخسار والنكال والوبال فكانت تلك الطاعات الصورية من صلاة وصيام وتهجد وقيام هي نفس المعاصي الموجبة
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري: اللؤلؤ والمرجان ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣ (٦٤٢).
(٢) أخرجه الطبراني: ٨/ ٢٦٦ - ٢٧٥ من رقم (٨٠٣٣ - ٨٠٥٦) أحمد ٥/ ٢٥٣، عبد الرزاق (١٨٦٦٣)؛ الترمذي (٤٠٨٦)؛ ابن ماجه (١٧٦)؛ مجمع الزوائد ٦/ ٢٣٣، ٣٢٧.
[ ٢٦٠ ]
للنار. وهكذا كل من رام أن يطيع الله على غير الوجه الذي شرعه لعباده وارتضاه لهم فإنه ربما يلحق بالخوارج، بجامع وقوع ما أطاعوا الله به على غير ما شرعه لهم في كتابه وعلى لسان رسوله وإني أخشى أن يكون من هذا القبيل ما يقع من كثير من المتصوفة، من تلك الأقوال والأفعال التي ظاهرها التنفير عن الدنيا والبعد عن أهلها والفرار عن زينتها، مع تلك الوظائف التي يلازمونها من التخشع والإنكسار والتلهب والتأسف والصراخ تارة والهدوء تارة أخرى والرياضات والمجاهدات وملازمة أذكار يذكرون بها لم ترد في الشرع على صفات لم يأذن الله بها، مع ملازمة تلك الثياب الخشنة الدرنة، والقعود في تلك المساطب القذرة، وما ينضم إلى ذلك من ذلك الهيام والشطح والأحوال التي لو كان فيها خير لكانت لرسول الله ﵌ وأصحابه الذين هم خير القرون.
ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيت الباطنة والأصنام المستورة عن الناس كالحسد والكبر والعجب والرياء ومحبة الثناء والشرف والمال والجاه مبلغًا عظيمًا، وارتقى مرتقا جسيمًا، ولكني أكره له أن يتداوى بغير الكتاب والسنة، وأن يتطبب بغير الطب الذي اختاره الله لعباده، فإن في القوارع القرآنية، والزواجر المصطفوية، ما يغسل كل قذر، ويدحض كل درن، ويدمغ كل شبهة، ويدفع كل عارض من عوارض السوء. فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء، فيعكف على تلاوة كتاب الله متدبرًا له متفهمًا لمعانيه، باحثًا عن مشكلاته، سائلًا عن معضلاته (ويديم النظر في كتب السنة المعتبرة عند أهل الإسلام كالأمهات الست وما يلحق بها) (^١) ويستكثر من مطالعة السيرة النبوية، ويتدبر ما كان يفعله رسول الله ﵌ في ليله
_________________
(١) ما بين القوسين () ساقط من (ب).
[ ٢٦١ ]
ونهاره، ويتفكر في أخلاقه وشمائله، وهديه وسمته، وما كان عليه أصحابه، وكيف كان هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم. فإنه إذا تداوى بهذا الدواء ولاحظته العناية الربانية، وجذبته الهداية الإلهية، فاز بكل خير مع ما له من الأجر الكثير، والثواب الكبير، في مباشرة هذه الأسباب وإذا حال بينه وبين الانتفاع بهذه الأمور حائل ومنعه من الظفر بما يترتب عليها مانع، فقد نال بتلك الأسباب التي باشرها أجرًا عظيمًا، لأنه طلب الخير من معدنه، ورام نيل الرشد من موطنه، فكان له في تلك الأشغال من الأجر ما لطلبة علم الشرع. لأنه قد جهد نفسه في الأسباب، ولم يفتح له الباب.
فانظر كم بين هذين الأمرين من المسافة الطويلة، فإن طالب الرشد بغير الأسباب الشرعية لا يأمن على نفسه بعد الوصول إلى مطلوبه من أن يكون صنعه كصنع الخوارج في خسرانهم بما ظنوه ربحًا ووقوعهم في الظلمة وقد كانوا يظنون أنهم يلاقون صبحًا، لأنهم خالفوا الطريقة التي أرشد الله إليها عباده وأمرهم بسلوكها. وإذا كان هذا الأمر مجوزًا في طلبة الخير من غير طريق الشرع كصلحاء الصوفية الذين لا رغبة لهم في غير تهذيب أخلاقهم على وجه يوجب زهدهم فيما ترغب النفوس إليه، وتتهالك الطبائع البشرية عليه، فما ظنك بمن كان من متصوفة الفلاسفة الذين يدورون بمرقعاتهم وأبدانهم القشفة وثيابهم الخشنة، ووجوههم المصفرة حول ما يقوله الفلاسفة من تلك المقالات التي هي ضد الشرع. وخلاف له وينهقون عند إدراك شيء من تلك المعارف الشيطانية نهيقًا منكرًا ويسمون ذلك حالًا، وهو عند التحقيق حال حائل عن طريق الدين، وخيال مائل عن سبيل المؤمنين. وللرد على هؤلاء جمعت الرسالة التي سميتها الصوارم الحداد (^١)
_________________
(١) في الرد على أهل الاتحاد القائلين بوحدة الوجود وهي مخطوطة بمكتبة الجامع. (الحبشي).
[ ٢٦٢ ]
هي من المجموعات التي جمعتها في أيام الحداثة وأوائل الشباب، وبعد هذا كله فلست أجهل أن في رجال هذه الطائفة المسماة بالصوفية من جمع الله له بين الملازمة لهذه الشريعة المطهرة والمشي على الطريقة المحمدية والصراط الإسلامي، مع كونه قد صار من تصفية باطنه من كدورات الكبر والعجب والحسد والرياء ونحوها بمحل يتقاصر عنه غيره، ويعجز عنه سواه، ولكني في هذا المصنف بسبب الإرشاد إلى العمل بالكتاب والسنة، والتنفير عما عداهما كائنًا ما كان. فلست أحب لمن أراد القُرب إلى الله والفوز بما لديه والظفر بما عنده أن يتسبب إلى ذلك بسبب خارج عنهما من رياضة أو مجاهدة أو خلوة أو مراقبة، أو يأخذ عن شيخ من شيوخ الطريقة الصوفية شيئًا من الاصطلاحات الموصلة إلى الله عندهم، بل يطلب علم الكتاب والسنة ويأخذهما عن العلماء المتقنين لهما المؤثرين لهما على غيرهما المتجنبين لعلم الرأي وما يوصل إليه، النافرين عن التقليد وما يحمل عليه، فإنه إذا فعل ذلك سلك مسلك النبوة، وظفر بهدي الصحابة، وسلم من البدع كائنة ما كانت، فعند ذلك يحمد مسراه، ويشكر مسعاه، ويفوز بخير أولاه وأخراه.
إلى هنا انتهى الكتاب بقلم مؤلفه
محمد بن علي الشوكاني
غفر الله لهما
[ ٢٦٣ ]