وتعنى بوضع الأسس والضوابط التي تنظم طريقة مزاولة العاملين في المجالات العلمية والعملية لعملهم، وتضع المعايير والأصول "الأخلاقية" التي يجب على كل منهم التحلي بها والتزامها في ممارسته لعمله، بالإضافة إلى وضع القواعد والإرشادات العملية الكفيلة بأداء وإنجاز ذلك العمل على الوجه الأكمل وبأيسر الوسائل والطرق، وتهدف هذه المناهج والقواعد إلى إرساء وترسيخ التقاليد والقيم الحضارية، في كل المجالات والتخصصات وعدم تجاوز العاملين بها المبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
وقام العلماء بوضع الكثير من الرسائل والمؤلفات المتضمنة لمثل هذه القواعد العملية، تحت عنوان: "الأدب (^١) الأداب العامة المتضمنة لقواعد الأخلاق والسلوك" مثل: آداب الجهاد، آداب القضاء، أدب الكاتب، أدب الوزير، أدب النديم، والآداب السلطانية، وأدب الفقيه والمتفقه، وأدب المفتي والمستفتي، وأدب الجدل والمناظرة، أو آداب البحث والمناظرة، وآداب الدرس أو آداب العالم والمتعلم (^٢) .. إلخ.
_________________
(١) الأدب هنا بمعنى التحضر والدماثة والتهذب، اكتساب رياضة النفس وتلقين محاسن الأخلاق، وأقرب تعريف له نجده عند كارلو نالينو: "هو المنهج الواجب سلوكه في فن من الفنون أو العلوم أو عمل من الأعمال"، نالينو تاريخ الآداب العربية من الجاهلية إلى العصر الأموي، القاهرة: دار المعارف (١٩٧٠) ص ٣٥؛ أيضًا ابن منظور لسان العرب مادة (أدب)؛ المعلم بطرس البستاني قطر المحيط ١/ ١٦؛ دائرة المعارف الإسلامية، القاهرة دار الشعب (د. ت) ٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠ إدريس الناقوري المصطلح النقدي في نقد الشعر. .، طرابلس: المنشأة العامة للنشر والتوزيع (ط ٢/ ١٩٨٤) ص ٦٥ - ٦٦؛ انظر أيضًا مقدمة الدكتور إبراهيم السامرائي لهذا الكتاب ص ٩ - ١٣.
(٢) للمزيد من التفاصيل عن هذه الموضوعات راجع: طاش كبري زادة، مفتاح السعادة .. تحقيق: كامل بكري، وعبد الوهاب أبو النور، القاهرة: دار الكتب الحديثة: (د. ت) ١/ ٣٠٣ وما بعدها، وقد وضع حاجي خليفة هذه المواد تحت =
[ ٣٩ ]
وهذا الكتاب "أدب الطلب. . ." - موضوع تحقيقنا - واحد من المؤلفات الكثيرة التي حفل بها تراثنا الإسلامي في آداب "التعليم والمتعلمين"، فقد اهتم علماء المسلمين بكل ما يتعلق بالعلم والتعليم وأولوه عناية فائقة لما له من الأهمية من تطور وازدهار الحياة العلمية والفكرية، وباعتباره أداة لتطور ونمو كافة العلوم والفنون، ونقلها من الخلف إلى السلف، ووسيلة لتوسيع مدارك الإنسان وتنمية مهاراته وتكوين شخصيته .. إلخ.
وقد بدأ العلماء والفلاسفة بوضع تلك القواعد العملية المتعلقة بالعلم والتعليم كمباحث أو فصول متفرقة ضمن كتب الفقه والحديث وعلم الكلام، وكتب الوعظ والإرشاد، أو ضمن مجاميع الأدب (المشتملة على عدة فنون كالعقد الفريد مثلًا) وضمن كتب الآداب العامة المتعلقة بقواعد الأخلاق والسلوك، ثم أفردت لها رسائل وكتب مستقلة نشير فيما يلي إلى بعض ما نشر منها:
- محمد بن سحنون (ت ٢٥٦ هـ) آداب المتعلمين (^١).
- أبو الحسن علي بن محمد القابسي (ت ٤٠٣ هـ): الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين.
- ابن عبد البر القرطبي (ت ٤٦٣ هـ): جامع بين العلم وفضله وما ينبغي من روايته وحمله وله أيضًا آداب المجالسة (مخطوط).
- أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): أفرد له بابًا في كتابه إحياء علوم الدين
_________________
(١) = عنوان "الشعبة الثانية في العلوم التي تعصم عن الخطأ في المناظرة والدرس" حاجي خليفة كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، بيروت: دار إحياء التراث (د. ت) ١/ ٣٨ - ٤٩.
(٢) نشرت في تونس (١٣٤٨ هـ) وأعاد نشرها مع رسالة القابسي، أحمد فؤاد الأهواني، في كتابه: التربية في الإسلام، القاهرة: دار المعارف (د. ت) ص ٢٣٠ وما بعدها.
[ ٤٠ ]
وهو: "كتاب العلم" (^١)، ورسالة بعنوان: "أيها الولد".
- الزرنوجي (ت ٥٩١ هـ) تعليم المتعلم طريق التعلم (طبعت في اسطنبول سنة ١١٩٢ هـ).
- نصير الدين الطوسي (ت ٦٧٢ هـ): آداب المتعلمين (^٢).
- ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ): تذكرة السامع والمتكلم في آداب السامع والمتعلم (^٣).
- طاش كبرى زاده (أحمد مصطفى) (ت ٩٦٨ هـ) خصص لهذا الموضوع المقدمات الثلاث الأولى من كتابه مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (^٤).
- ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاجها مربوا الأطفال (^٥).
- الأمير الحسين بن الإمام القاسم بن محمد (ت ١٠٥٠ هـ) آداب العلماء والمتعلمين (^٦).
- وقد تناول هذا الموضوع كذلك إخوان الصفاء في رسائلهم (نشر أحمد عبد الغفور عطا ما يتعلق بالتعليم من هذه الرسائل في كتابه السالف الذكر: آداب المتعلمين)، وابن مسكون (ت ٤٢١ هـ) في كتابه تهذيب
_________________
(١) إحياء علوم الدين، القاهرة: دار الشعب (د. ت) ١/ ٨ - ١٣٥.
(٢) نشرها أحمد عبد الغفور عطا مع عدة رسائل أخرى بعنوان: آداب المتعلم ورسائل أخرى في التربية الإسلامية، بيروت (ط ٢/ ١٩٦٧ م).
(٣) طبعت في حيدر آباد سنة ١٣٥٣ هـ، وأعاد نشرها أحمد عبد الغفور عطا ضمن المصدر السابق.
(٤) طاش كبرى زادة: مفتاح السعادة ١/ ٦ - ٦٥.
(٥) حقق هذه الرسالة محمد سهيل الدبس، بإشراف: شعيب الأرناؤوط؛ صدرت طبعتها الثانية عن دار ابن كثير: دمشق (١٩٨٧) ونشرها: عطا: ضمن مجموعته.
(٦) نشرتها الدار اليمنية (جدة) (ط ٢/ ١٩٨٧).
[ ٤١ ]
الأخلاق وتطهير الأعراق، وابن سيناء في كتاب "السياسة"، وابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ) في مقدمته (^١).
وتدور معظم الأفكار في هذه المؤلفات - باستثناء آراء بعض الفلاسفة التي تبحث بجانب هذه الموضوعات موضوع نظرية العلم من الناحية الفلسفية - حول الموضوعات التالية:
- التأكيد على أهمية العلم والتعليم وبيان الغاية منه، والحث عليه والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على طلب العلم والمبيِّنة لفضل العلم والعلماء والمتعلمين وشرحها.
- تُخصِّص فصلًا أو بابًا عن المعلِّم، تذكر الصفات العلمية والأخلاقية التي يجب توفرها فيه، بصفته مربيًا وقدوة لطلابه، وتحدد له أنسب وأيسر الطرق للتدريس، وكيفية تعامله مع طلابه على إختلاف مستوياتهم واستعداداتهم وأعمارهم وكيف يحبب العلم إليهم ويرغبهم فيه .. إلخ.
- وتخصص فصلًا آخر للمتعلم، تبتدئ - عادة - ينصحه بوجوب إخلاص النية في طلب العلم، وتحثه على الصبر والجد في طلبه، وتحدد له قواعد سلوكه وواجباته نحو معلميه وطريقة تعامله معهم، وواجباته نحو زملائه، وأسلوب استخدامه للكتب والمكتبات، وأدبه في سكنه بالمدرسة مع ذكر الوسائل التي تعينه على الحفظ، وأفضل الأوقات الصالحة للاستذكار والحفظ، وحتى أوقات نومه ويقظته ونوعية طعامه (^٢) .. إلخ.
_________________
(١) للمزيد من التفاصيل عن المؤلفات والرسائل في هذا الموضوع راجع: أحمد شلبي تاريخ التربية الإسلامية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية (ط ٣/ ١٩٦٦) ص ٢٨٨ وما بعدها؛ أحمد فؤاد الأهواني التربية في الإسلام ص ١٩٣ وما بعدها.
(٢) من الظريف أن بعض هؤلاء المؤلفين يعتقد أن بعض التصرفات والأعمال وكذلك بعض الأطعمة تصفى الذهن وتنمي الذكاء وأخرى تسبب البلادة وتورث النسيان =
[ ٤٢ ]
وتحتوي مؤلفات هؤلاء العلماء على الكثير مما يعرف اليوم بأصول وقواعد التربية، ووسائل التنشئة الاجتماعية، وأيضًا طرق التدريس.
أما الشوكاني فإنه لم يقف في كتابه هذا عند حدود تلك الموضوعات التي طرقها السابقون عليه في مجال (آداب العلم والتعلم) ولم يعمل على تكرار آراء مؤلفيها، بل جاءت معظم الأفكار الرئيسية في كتابه جديدة ومبتكرة لم يسبقه إليها أحد. ولهذا لم يكن من قبل المبالغة قول الشوكاني في نهاية عرضه للأسباب المؤدية للتعصب والمانعة من الأنصاف والموضوعية: "إنه ينبغي لكل عالم ومتعلم أن تكون [تلك الأسباب والعوامل] نصب عينيه في إقدامه وإحجامه وما أحقها بذلك .. فإنها فوائد لا توجد في كتاب" (ص ١٧٩).
وهذا ما يشهد للشوكاني بالقدرة على الإبداع والإضافة والتجديد فقد تجاوز آراء سابقيه، وسعى إلى إصلاح وتجديد المنهجين الذين سبقت الإشارة إليهما في آن واحد (المنهج العلمي، والمنهج العملي) من خلال الإسهام بتشخيص وتحليل الأسباب والعوامل الكامنة وراء الخلل الفكري ووضع الحلول الكفيلة بمعالجته وإصلاحه، كمنطلق سابق لأي محاولة تستهدف النهوض والتجديد، أو إصلاح التعليم والاستفادة من نتائجه، فإذا
_________________
(١) = ولذلك نجدهم ينصحون الطالب " … أن يقلل من استعمال الأطعمة التي هي من أسباب البلادة كالتفاح الحامض، والباقلا، وشرب الخل وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبعد للذهن ككثرة الألبان والسمك ونحو ذلك، ويتجنب ما يورث النسيان بالخاصة: كأكل سور الفار، وقراءة الواح القبور والدخول بين جملين مقطورين والقاء القمل حية ونحو ذلك" ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) تذكر السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم (نشرها أحمد عبد الغفور عطا ضمن مجموعته: آداب المتعلمين ص ٢١٠؛ الحسين بن القاسم بن محمد (ت ١٠٥٠ هـ) آداب العلماء والمتعلمين، الدار اليمنية للنشر (ط ٢/ ١٩٨٧) ص ٦٢.
[ ٤٣ ]
كان التعليم أداة فعالة للتغيير، (تغيير الفكر أو السلوك)، فإنه لا يمكن الوصول إلى النتائج المرجوة منه طالما وأن تلك العوائق الفكرية ما تزال قائمة، إذ أن المعوقات التي تؤثر سلبًا على التعليم إنما هي مرتبطة بذلك الخلل الفكري الذي أدى إلى جمود العقل والفكر العربي، ونتيجة له، ولأن آراء الشوكاني في هذه الكتاب نابعة ومستمدة من تجربته الفكرية الثرية كباحث ومدرس ومجتهد، فقد حاول من خلاله أن يرسم المنهج العلمي للإحياء والتجديد وهو المنهج الذي صاغه وبشَّر به ودعا إليه، وأن يضع لطلابه وأبناء جيله أسس وقواعد التفكير والبحث العلمي، كأداة لتشخيص وتحديد مواطن الخلل التي تعيق النهوض أولًا، واستنباط أو اكتشاف الحلول الملائمة والكفيلة بتجاوز المجتمع لمحنته والخروج به من نفق الجمود والتخلف ثانيًا، فكان كتابه هذا أشبه ما يكون بما نسميه اليوم مناهج التفكير العلمي، أو قواعد البحث العلمي. ولهذا فإن فائدة هذا الكتاب لن تقتصر على طلبة العلم فحسب، بل سيستفيد منه كل من له صلة أو اهتمام بالعلم والبحث، كما تَصوَّر ذلك الشوكاني في مقدمة كتابه: "وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشئيته لا بد أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المتبدي، ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصر، ويعدها المحققون من أعظم الهدايا" (ص ٨١).
وقد التزم المؤلف نفسه في عرضه لموضوعات هذا الكتاب، بالمنهج العلمي الذي يدعو إليه باستثناء بعض التجاوزات أو الشطحات القليلة - سنشير إليها في خاتمة هذه الدراسة -، فهو يشخِّص المشكلة ويحددها بدقة، ثم يعمل بعد ذلك على تحديد أسبابها، وتوضيح مظاهرها وأبعادها، ثم يقدم الحلول التي يراها من وجهة نظره كفيلة بمعالجتها. فإذا كانت المشكلة متمثلة في الخلل الفكري وما ترتب عليه من جمود للفكر وإعاقة للعقل عن
[ ٤٤ ]