[ ١٥ ]
يرى المفكر والأديب العربي الأستاذ محمود محمد شاكر، أن التاريخ الحقيقي لـ "عصر النهضة اليقظة" العربية الإسلامية، يقع بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري إلى منتصف القرن الثالث عشر الهجري (منتصف القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي) وهي المرحلة التي شهدت ظهور عدد من العلماء والمفكرين الذين أحسوا بالخطر المحدق بأمتهم وبوطأة التخلف والجمود وخطره الماحق على الأمة، فحملوا على عاتقهم مهمة إيقاظ الجماهير "المستغرقة في غفوتها" وأرادوا أن يدخلوا الأمة في "عصر النهضة" نهضة دار الإسلام من الوهن والنوم والجهالة والغفلة عن إرث إسلافهم العظام، فسعوا إلى إصلاح الخلل الواقع في دار الإسلام "خلل اللغة" و"خلل العقيدة" و"خلل علوم الدين" و"خلل علوم الحضارة" وحدَّد الأستاذ محمود شاكر خمسة من أبرز أعلام حركة التجديد والأصلاح وهم:
١ - عبد القادر بن عمر البغداي (١٠٣٠ - ١٠٩٣ هـ) "صاحب خزانة الأدب" في مصر الذي قصد بمؤلفاته ليرد على الأمة قدرتها على التذوق، تذوق اللغة والشعر والأدب وعلوم العربية.
٢ - حسن بن إبراهيم الجبرتي العقيلي "الجبرتي الكبير" (١١١٠ -
[ ١٧ ]
١١٨٨ هـ) العالم والفقية الحنفي البارز، الذي اتجه منذ عام ١١٤٤ هـ إلى "العلوم" التي كانت مستغلقة على أهل زمانه، كالهندسة والكيمياء، والفلك، والصنائع الحضارية كلها، حتى النجارة والحدادة، إلخ فجمع كتبها من كل مكان، وحرص على لقاء من يعلم سر ألفاظها ورموزها، وعكف على دراستها عشر سنوات حتى امتلك ناصيتها، فصار إمامًا عالمًا في أكثر الصناعات ولجأ إليه مهرة الصناع من كل صناعة يستفيدون من علمه، ووفد عليه الطلاب من "الأفرنج" وتعلموا منه.
٣ - محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ)، في جزيرة العرب. الذي هب يكافح البدع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد.
٤ - المرتضى الزبيدي "صاحب تاج العروس" (١١٤٥ - ١٢٠٥ هـ) في الهند ومصر، الذي بعث التراث اللغوي والديني وعلوم العربية وعلوم الإسلام، ويُحيي ما كاد يخفى على الناس بمؤلفاته ومجالسه.
٥ - محمد بن علي الشوكاني الزيدي (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) في اليمن، الذي دعا إلى "الاجتهاد" وحرّم "التقليد" في الدِّين، وحطم الفرقة والتنابذ الذي أدى إليه إختلاف الفرق والعصبية (^١).
* * *
أردنا باقتباس الفقرة السابقة - الطويلة نسبيًا - عن الأستاذ محمود شاكر التوصل أولًا إلى تحديد مرحلة "عصر النهضة" العربية الإسلامية وأنّها تقع
_________________
(١) محمود محمد شاكر رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة: "سلسلة كتاب الهلال" العدد (٤٨٩) سبتمبر ١٩٩١ م. ص ١١٨ - ١٢٢ (بتصرف يسير).
[ ١٨ ]
(بين منتصف القرن الحادي عشر الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر الهجري)، وموقع الشوكاني فيها ثانيًا، ونحن نشاطر الأستاذ شاكر الرأي، بأن تلك الحركة، وتلك المرحلة، تمثل مرحلة "يقظة" حقيقية، و"نهضة" عربية وإسلامية صحيحة (^١). وفي رأينا أنه لو قُدِّر لتلك الحركة التواصل والاستمرار، ورافقها إصلاح وتجديد في الفكر السياسي الإسلامي ونظام الحكم، لنتج عنها نهضة قوية شاملة وراسخة، وذلك لأنها كانت تهدف إلى إحياء وتجديد علم الأمة، ولغتها وثقافتها، التي أصيبت بالركود والشَّلل عقب إغلاق باب الاجتهاد، وشيوع ظاهرة الرأي الواحد، الذي أفرزته ظاهرة الحكم الفردي والاستبداد السياسي، بعد تحول الخلافة إلى ملك.
ولأنها سعت إلى تحرير العقول من أسر التقليد والجمود والمحاكاة، لكي يسترد العقل العربي والإسلامي، مقدرته على التفكير والإبداع، ومن ثم امتلاكه القدرة على اكتشاف السنن والأسباب الكامنة وراء تقدم وازدهار الشعوب والأمم أو انحطاطها، والتعامل معها بقدر أكبر من الثقة بالنفس، كأساس لاستعادة وامتلاك الأمة لأسباب حضارتها ومقومات رقيِّها وازدهارها.
ولأن أفكارها مُستمدة من الينابيع الجوهرية والنَّقية للفكر العربي الإسلامي، كونها نابعة من ذات الأمة، ومرتبطة بهويتها وتراثها ومرجعيتها الفكرية والحضارية، وليست مستعارة من خارجها كما هو الحال مع المرحلة التي اعقبت الحملة الفرنسية على مصر عام ١٢١٣ هـ ١٧٩٨ م التي مهَّدت لظهور تيار التغريب الداعي التي تبني النموذج الحضاري الغربي، بدلًا من النموذج الحضاري العربي الإسلامي، ولم يكن المشروع الحضاري الغربي الذي بشَّر به ذلك التيار التغريبي سوى محاولة "للإنفصال عن الموروث،
_________________
(١) المصدر السابق ص ١٢٥.
[ ١٩ ]
وقطع حبال التواصل الحضاري، والاستقلال عن المحيط العربي الإسلامي واستبدال النموذج الغربي بدلًا من المنابع الحضارية الإسلامية، والوطنية القطرية بدلًا من الجامعة الإسلامية" (^١) ويهدف في النهاية إلى ترسيخ التبعية والارتهان الثقافي والاستلاب الحضاري.
* * *
وإذا كان الشوكاني - كما مرَّ بنا - أحد رواد وأعلام حركة النهضة العربية الإسلامية في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، إلا أنه لم يكن هو المجدِّد الوحيد الذي انجبته اليمن خلال مرحلة "عصر النهضة" (من منتصف القرن الحادي عشر - منتصف القرن الثالث عشر الهجري)، بل كان امتدادًا لكوكبة عظيمة من المصلحين والمجددين (علماء وأدباء ومؤرخين) (^٢) الذين ظهروا في اليمن خلال هذه الحقبة، وكان لهم دور كبير في إثراء الحركة الفكرية في اليمن بمؤلفاتهم الكثيرة التي تزخر بها الخرائن والمكتبات اليمنية في جميع الفنون، وشهدت اليمن بفضل جهودهم نهضة علمية كبرى بحيث كانت هذه المرحلة "من أخصب فترات الإزدهار الفكري والثقافي في اليمن " (^٣).
وقد كرَّس هؤلاء الرواد جهودهم وفكرهم (من خلال التأليف،
_________________
(١) محمد عمارة أزمة الثقافة العربية الإسلامية، مجلة "الاجتهاد" العدد (١٠ - ١١) شتاء وربيع العام ١٩٩١ ص ٥٨ - ٥٩.
(٢) ترجم الشوكاني، في كتابه "البدر الطالع" للعشرات من أولئك المبدعين الذين برزوا خلال هذه الحقبة.
(٣) حسين العمري المؤرخون اليمنيون في العصر الحديث.، دمشق: دار الفكر (١٩٨٨) ص ٤١، راجع أيضًا، محمد الغماري، الإمام الشوكاني مفسِّرًا؛ جدة: دار الشروق (١٤٠١ هـ) ص ٤٥، صالح محمد صغير مقبل، محمد بن علي الشوكاني وجهوده التربوية، بيروت: دار الجيل (١٩٨٩) ص ٨٤ - ٨٧.
[ ٢٠ ]
أو التدريس (^١» لإشاعة هذه النزعة العلمية والتحررية في بيئتهم التي غلب عليها طابع التقليد والتعصب (^٢)، إذ دعوا إلى نبذ التقليد وإلى انتهاج مبدأ الاجتهاد القائم على إعمال العقل وتمحيص الأفكار السابقة وغربلتها، وقد لقيت جهودهم وأفكارهم مقاومة شديدة من قبل أولئك المتعصبين الذين شنُّوا ضدهم حملاتٍ دعائية واسعة وأذاقوهم ألونًا من القهر والاضطهاد (^٣). ومن أبرز أولئك العلماء والمجددين الذين نبغوا في مجال "الفكر الإسلامي" بخاصة:
- الحسن بن أحمد الجلال (ت ١٠٨٤ هـ)، يحيى بن الحسين بن القاسم (ت ١٠٩٩ هـ) تقريبًا، صالح بن مهدي المقبلي (ت ١١٠٨ هـ)، ومحمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢ هـ) ويعد هؤلاء العلماء في طليعة المجتهدين - خلال هذه المرحلة - الذين تحرروا من ربقة التقليد والتعصب المذهبي، وتحلّو بروح الإنصاف (الموضوعية) وبالمقدرة على الإبتكار والتجديد، وعلى إعادة صياغة الفكر الإسلامي، وتنقيته مما علق به من البدع
_________________
(١) كان في شيوخ الشوكاني عدد من هؤلاء المجتهدين أمثال: عبد القادر بن أحمد الكوكباني (ت ١٢٠٧ هـ) علي بن إبراهيم عامر (ت ١٢٠٧ هـ)، القاسم بن يحيى الخولاني (ت ١٢٠٩ هـ)، الحسن إسماعيل المغربي (ت ١٢٠٨ هـ).
(٢) جمعت هذه المرحلة التاريخية في اليمن بين النقيضين، فإنه كان إلى جانب ذلك العدد الكبير من المجتهدين والمستنيرين تيارًا كبيرًا وقويًا من أنصار التقليد والمتعصبين للمذاهب، وقد نشطت حركت التأليف في أوساط هؤلاء المقلدة نشاطًا ملحوظًا، إما للدفاع عن الأفكار التي يتعصبون لها، وإما للتصدي لأفكار المجددين، لذلك، فمن الطبيعي أن يكون الطابع العام لمؤلفاتهم هو التقليد والتعصب، وخلوها من الإضافة أو التجديد (راجع: الغماري الإمام الشوكاني مفسرًا ص ٥٣ - ٥٤)، وكان لهؤلاء المقلدين نفوذ كبير وسطوة واسعة في المجتمع (كما سنرى في الفقرات اللاحقة).
(٣) انظر ص ٩٦، ٩٧، من هذا الكتاب أيضًا، د. عبد العزيز المقالح قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة بيروت: دار العودة (١٩٨٢) ص ٢١٨.
[ ٢١ ]
والخرافات أثناء عصور الإنحطاط "فكانوا بأفكارهم مدرسة أو مدارس تتخطى عصر كل منهم" (^١).
كما كان لفكرهم ومنهجهم التحرري، أثر واضح على شخصية الشوكاني وفكره فقد مهدوا له الساحة بأفكارهم المستنيرة (^٢).
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها أولئك المصلحون والمجددون، إلا أن أفكارهم وآراءهم التحررية والإصلاحية لم يقدر لها أن تنتشر وتأتي بالثمار المرجوة منها ويمكن إرجاع ذلك من وجهة نظرنا، لعدة أسباب:
١ - انحصار فكر أولئك الرواد، داخل اليمن، وعدم انتشاره خارجها، بسبب موقع اليمن الجغرافي وبعده عن مركز الثقل والتأثير في المحيط العربي والإسلامي، ولعزلتها الفكرية والسياسية (^٣) فظلت كتبهم
_________________
(١) المقالح: المصدر السابق.
(٢) المقالح المصدر السابق، د. عبد الغني قاسم، الإمام الشوكاني حياته وفكره، صنعاء: مكتبة الجيل الجديد (١٩٨٨) ص ٣١، ١٥٨؛ د. العمري (حركة التجديد والإصلاح في اليمن في العصر الحديث) مجلة الاجتهاد (العدد ٩) خريف ١٩٩٠ ص ١٨٩؛ المؤرخون اليمنيون ص ٦٥.
(٣) تشترك اليمن وعُمان في هذه الخصائص الجغرافية والسياسية والفكرية، فكلا المذهبين السائدين فيهما (الزيدية في اليمن والإباضية بعمان) لم يعتريهما حالة الجمود والركود الفكري التي أبتليت بها بقية أقطار العالم الإسلامي، لأن المذهبين - الزيدي، الأباضي - لم يعترفا بإغلاق باب الاجتهاد، وتمسكا بحرية الاجتهاد والفكر، وبرفض التقليد، ولذلك فقد استمر تواصل الإبداع والعطاء الفكري فيهما دونما إنقطاع، إلا أن اشتراك البلدين في الموقع الجغرافي وفي العزلة الفكرية والسياسية المفروضة عليهما، ساهم في إبقاء ذلك الفكر حبيس المنطقة الجغرافية "القصيَّة" وعدم انتشاره خارجها، ومن ثم عدم تأثيره، ليس في المرحلة موضوع دراستنا فحسب بل وفي المراحل السابقة عليها أيضًا.
[ ٢٢ ]
حبيسة الخزائن والمكتبات اليمنية، ولم تنشر خارج اليمن وعلى نطاق واسع إلا مطلع هذا القرن على يد الشيخ محمد رشيد رضا.
٢ - المقاومة العنيفة - في الداخل - التي واجهت ذلك الفكر، كما واجهت دعاته والمبشرين به، من قبل المتعصبين وأنصار التقليد، الذين كانت لهم سطوة ونفوذ واسع في المجتمع، ووقوف السلطة - غالبًا - إلى جانبهم أو تحالفها معهم بهدف تأمين مصالح كلا الفريقين، واستمرار سيطرتهما وسيادتهما، التي لا يمكن استمرارها إلا بالإبقاء على الأوضاع السائدة (المتخلفة) وركود العلاقات الاجتماعية، فقد كانوا يرون في كل نزعة اصلاحية أو عقلية خطرًا عليهم، وتهديدًا لنفوذهم ومصالحهم، لذلك فقد قام المتعصبون بشن حملة دعائية مضادة لذلك الفكر الإصلاحي بهدف تشويهه في أذهان الناس وتنفيرهم عنه، وأيضًا بغية تقليصه والحد من انتشاره بفرض ما يشبه الحصار على ذلك الفكر، ورافق ذلك حملة من الإرهاب الفكري والمادي ضد هؤلاء النفر من المجتهدين.
٣ - كما كان لتردي الأحوال السياسية، إنعكاساتها السلبية على الأوضاع والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بعامة، وعلى الحياة الفكرية بشكل خاص، فلم يتهيأ لليمن خلال هذه المرحلة - مرحلة عصر النهضة - أن تنعم بالسلام والعدل والاستقرار سوى فترات قصيرة متقطعة حتى تعود بعدها الفتن والثورات والحروب إلى الإندلاع من جديد، مع ما يترتب عليها من شيوع الاضطراب والفوضى، وغياب الأمن والاستقرار، بفعل عوامل وأسباب كثيرة نذكر منها:
أ - الصراع على السلطة:
بعد خروج العثمانين من اليمن عام (١٠٤٥ هـ)، واستكمال وحدتها في عهد المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (حكم اليمن من ١٠٥٤ -
[ ٢٣ ]
١٠٨٧ هـ)، لم يستقر الوضع في اليمن بعد وفاته إلا فترة قصيرة دب بعدها التنافس والصراع على السلطة بين أفراد الأسرة القاسمية الحاكمة فأدى الحال بهم "إما إلى الاقتتال حتى يستسلم الضعيف للقوي، أو يتوزعون المناطق والمصالح مع من قد يعترفون آخر الأمر بسلطته الإسمية .. كما حدث على سبيل المثال، بعد عام ١١٢٧ هـ مع المنصور الحسين بن القاسم الشهاري [ت ١١٣١ هـ]، الذي لم يبق في حوزته إلا مخلاف شهارة وكحلان والسودة والشرفين، بعد أن اتفق مع أربعة من منافسيه من أبناء عمومته على تقسيم مناطق اليمن فيما بينهم" (^١). وقد وصلت حدة التنافس والصراع على السلطة داخل الأسرة الحاكمة إلى الاقتتال بين الأبناء والآباء، كما حدث من خروج المنصور الحسين بن القاسم (ت ١١٦١ هـ) على والده الإمام المتوكل، القاسم بن الحسين بن أحمد بن الحسن (ت ١١٣٩ هـ)، وقد سعى في الصلح بينهما محمد بن إسماعيل الأمير (^٢). وخروج المتوكل أحمد بن علي (ت ١٢٣١ هـ) على والده المنصور علي بن المهدي (ت ١٢٢٤ هـ)، واستأثر بالسلطة دونه، وقد تدخل في الصلح بينهما الإمام الشوكاني على أن يتسلم الابن السلطة الفعلية من أبيه (^٣).
ب - قد لا تتحقق في بعض الأئمة أهليته للحكم بحسب شروط وقواعد الإمامة في الفكر السياسي الزيدي - وغالبًا ما يكون وصول مثل هذا
_________________
(١) د. حسين العمري حركة التجديد والإصلاح في اليمن مرجع سابق ص ١٧٦؛ زبارة نشر العرف في نبلاء اليمن بعد الألف، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث (د. ت) ١/ ٦٠١ - ٦١٦.
(٢) زبارة، نشر العرف ٣/ ٣٧ - ٣٩.
(٣) الشوكاني البدر الطالع ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧؛ محمد بن الحسن الشجني (ت ١٢٦٨ هـ) التقصار تحقيق: محمد بن علي الأكوع، صنعاء: مكتبة الجيل (١٩٩٠) ص ٤٥ - ٤٧.
[ ٢٤ ]
الشخص إلى الحكم بطريق القهر والغلبة وليس بطريق العقد والاختيار، فيسرف في الظلم والاستبداد مما يسبب اندلاع حركات المقاومة والثورة ضد حكمه.
ج - محاولات القوى الخارجية السيطرة على اليمن، إذ حاولت الحركة الوهابية مد نفوذها ونشر دعوتها إلى اليمن، فاحتلت المخلاف السليماني عام ١٢١٧ هـ، ثم واصلت زحفها حتى استولت على جزء كبير من تهامة حتى الحديدة وزبيد وحيس (^١)، ومنذ عام ١٢٤٨ هـ ١٨٣٢ م، فقد الإئمة سيطرتهم على عدن، واستقل بحكمها سلطان لحج ثم احتلها الإنجليز عام ١٢٥٤ هـ ١٨٣٩ م، ثم شهدت اليمن عودة الأتراك إلى السواحل اليمنية عام ١٢٦٥ هـ، وتمكنوا من الاستيلاء على صنعاء بعد عقدين من الزمان (^٢).
٤ - كما أن هناك سببًا آخر لا يقل أهمية عما سبق، وهو عدم إنتشار التعليم على نطاق واسع في صفوف الشعب، وتمركزه في بعض المدن، كصنعاء، وصعدة، وذمار، وشهارة وكوكبان وزبيد، وانحصار التعليم في هذه المدن في بعض الأسر والبيوتات التي تتوارث احتكار التعليم واحتكار وظائف الدولة. كما أن نظام التعليم في العالم الإسلامي بعد ظهور التجزئة السياسية وظهور الدويلات المتعددة، قد ارتبط بالدولة، بغرض إعداد العناصر الكافية من المتعلمين لتسيير وظائف وأجهزة الدولة، وأيضًا للسيطرة على مناهج التعليم بحيث تتضمن تلك المناهج، غرس الولاء والطاعة في
_________________
(١) الشوكاني: البدر الطالع ١/ ٢٤٠ - ٢٤١؛ ٢/ ٨٠٧؛ الشجني: التقصار ص ٣٦ - ٤٠، ٣٥٣.
(٢) د. حسين العمري، حركة التجديد والإصلاح في اليمن، مجلة الاجتهاد (مرجع سابق) ص ١٧٧.
[ ٢٥ ]
نفوس أولئك المتعلمين لتلك الدولة والتزامهم بنهجها السياسي وفكرها المذهبي … إلخ. ونتج عن ذلك إرتباط مصلحة "النخبة" المتعلمة بالدولة، ووفّر للسلطة فرصة استيعابهم وإخضاعهم لخدمة مقاصدها كما سهل عليها أيضًا إمكانية قمع تلك النخبة إذا تعارضت غاياتها مع غايات السلطة.
مما أدى إلى عزلة تلك "النخبة" وانفصالها عن الحياة العامة والواقع والمجتمع الذي تنتشر في صفوفه الأمية والجهل والخرافة، فهي (أي النخبة) مشغولة إما بمصالحها الخاصة مثل تولي الوظائف العامة في الدولة أو التدريس والإفتاء .. أو بعكوفها في مجالسها الخاصة أو مجالس العلم على البحث والنقاش في مسائل تاريخية أو أدبية، أو مقولات نظرية عقيمة لا صلة لها بالواقع، ولا ينتج عنها سوى جدلًا لا يتناهى.