أما أهل الطبقة الأولى التي هي أرفع مكان وأعز محل يرتقي إليه علماء الشريعة على حسب ما قدمنا بيانه: فينبغي لمن تصور الوصول إليها وقصد الادراك لها أن يشرع بعلم النحو مبتدئًا بالمختصرات كمنظومة الحريري المسماة بالملحة (^١) وشروحها فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى كافية (^٢) ابن الحاجب وشروحها ومغني اللبيب (^٣) وشروحه. هذا باعتبار هذه الديار اليمنية إذا كان طالب العلم فيها، لأنه يجد شيوخ هذه المصنفات ولا يجد شيوخ غيرها من مصنفات النحو إلَّا باعتبار الوجادة (^٤) لا باعتبار السماع،
_________________
(١) ملحة الأعراب منظومة في النحو شهيرة من تأليف أبي محمد القاسم بن علي الحريري المتوفى سنة ٥١٦ أولها: أقول من بعد افتتاح القول … بحمد ذي الطول شديد الحول وقد شرحها جماعة من العلماء. ومن اليمن شرحها العلامة عبد الله بن محمد بامخرمة المتوفى سنة ٩٠٣ ومحمد بن عمر بحرق المتوفي سنة ٩٣٠ وشرحه مطبوع، وعبد الملك بن دعسين المتوفى سنة ١٠٠٦ هـ يقوم حاليًا بتحقيق شرح ابن دعسين الأستاذ عبد الرحمن المحضار، كرسالة علمية لنيل درجة الماجستير من جامعة صنعاء.
(٢) مختصر شهير في النحو وهو من تأليف أبي عمرو عثمان الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦ شرحه جماعة من علماء اليمن منهم علي بن محمد بن هطيل المتوفى سنة ٨١٢ ومحمد بن أحمد الرصاص وأحمد بن محمد الخالدي المتوفى سنة ٨٨٠ وكثيرون.
(٣) كتاب كبير في النحو تأليف أبي محمد عبد الله بن يوسف بن هشام المتوفى سنة ٧٦٢ أثنى عليه ابن خلدون في المقدمة.
(٤) الوجادة: التحصيل الذاتي (حواشي هذه الصفحة وما بعدها حتى ص ١٩٦ للأستاذ الحبشي).
[ ١٩٠ ]
فإذا كان ناشئًا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه المصنفات فعليه بالإشتغال بما اشتغل به مشائخ تلك الأرض مبتدئًا بما هو أقربها تناولًا، منتهيًا إلى ما هو النهاية للمشتغلين بذلك الفن في ذلك القطر. فاعرف هذا وأعلم أن ما أسميه ههنا إنما هو باعتبار ما يشتغل به الناس في الديار اليمنية. فمن كان في غيرها فليأخذ عن شيوخها في كل فن مقدارًا يوافق ما أذكره هنا.
واعلم أنه لا يستغني طالب العلم المتصور المتبحر في علم الشريعة العازم على أن يكون من أهل الطبقة الأولى عن اتقان ما اشتمل عليه شرح الرضي (^١) على الكافية، من المباحث اللطيفة، والفوائد الشريفة، وكذلك ما في (مغني اللبيب) من المسائل الغريبة، ويكون اشتغاله بسماع شروح المختصرات بعد أن تكون هذه المختصرات محفوظة له حفظًا يمليه عن ظهر قلبه، ويبديه من طرف لسانه، وأقل الأحوال أن يحفظ مختصرًا منها هو أكثرها مسائل وأنفعها فوائد، ولا يفوته النظر في مثل الألفية (^٢) لابن مالك وشروحها، والتسهيل وشرحه والمفصل (^٣) للزمخشري، والكتاب لسيبويه، فإنه يجد في هذه الكتب من لطائف المسائل النحوية ودقائق المباحث العربية، ما لم يكن قد وجده في تلك.
_________________
(١) وهو العلامة محمد بن الحسن الرَّضِيّ الإستراباذي وفاته نحو سنة ٦٨٦ واشتهر شرحه في اليمن مع حاشيته للخبيصي.
(٢) وتسمى الخلاصة وإنما سميت بالألفية لأنها ألف بيت وهي من نظم محمد بن عبد الله الطائي المعروف بابن مالك المتوفى سنة ٦٧٢. أولها: قال محمد هو ابن مالك … أحمد ربي خير مالك وشرحها التسهيل المذكور من تأليف الناظم يقال أن نسخته الوحيدة ظلت محفوظة في اليمن ولم تعرف إلا فيه.
(٣) كتاب شهير ألفه جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ شرحه من علماء اليمن علي بن محمد بن هطيل والإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى المتوفى سنة ٨٤٠.
[ ١٩١ ]
وينبغي للطالب المذكور أن يطلع على (مختصر من) (^١) مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم معانيه بعد أن يفهم النحو بفهم ما يبتدئ به من كتبه ليستعين بذلك على فهم ما يورده المصنفون في مطولات كتب النحو ومتوسطاتها من المباحث النحوية. ويكفيه في ذلك مثل المختصر المعروف بايساغوجي (^٢)، أو تهذيب السعد (^٣) وشرح من شروحهما. وسيأتي بيان ما ينبغي الاشتغال به من فن المنطق إن شاء الله، وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات والتصديقات إجمالًا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من نحو أو صرف أو بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكًا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا يفهمه كما يقع كثيرًا في الحدود والرسوم (^٤) فإن أهل العربية يتكلمون في ذلك بكلام المناطقة، فإذا كان الطالب عاطلًا عن علم المنطق بالمرة لم يفهم تلك المباحث كما ينبغي.
ثم بعد ثبوت الملكة له في النحو وإن لم يكن قد فرغ من سماع ما سميناه يشرع في الاشتغال بعلم الصرف كالشافية (^٥) وشرحها، والريحانية ولامية الأفعال (^٦). ولا يكون عالمًا بعلم الصرف كما ينبغي إلا بعد أن تكون الشافية من محفوظاته لانتشار مسائل فن الصرف وطول ذيل قواعده وتشعب أبوابه. ولا يفوته الاشتغال بشرح الرضي على الشافية بعد أن يشتغل
_________________
(١) ساقط من (ب).
(٢) لفظ يوناني معناه الكليات الخمس وهذا الكتاب (أي المختصر) من تأليف أثير الدين معضل بن عمر الأبهري في القرن السابع الهجري.
(٣) ويسمى تهذيب المنطق والكلام من تأليف سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني المتوفى سنة ٧٩٢.
(٤) في (ب) والإلزمات.
(٥) من تأليف ابن الحاجب السابق الذكر.
(٦) من تأليف ابن مالك السابق الذكر.
[ ١٩٢ ]
بما هو أخصر منه من شرحها كشرح الجاربردي (^١) ولطف الله الغياث (^٢) فإن فيه من الفوائد الصرفية ما لا يوجد في غيره.
ثم ينبغي له بعد ثبوت الملكة له نحوًا وصرفًا وإن لم يكن قد فرغ من سماع كتب الفنين أن يشرع في علم المعاني والبيان، فيبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات الفن يشتمل على مهمات مسائله كالتلخيص و(شرح السعد) المختصر وما عليه من الحواشي وشرحه المطول وحواشيه. فإنه إذا حفظ هذا المختصر وحقق الشرحين المذكورين وحواشيهما، بلغ إلى مكان من الفن مكين. فقد أحاطت هذه الجملة بما في مؤلفات المتقدمين من شُرَّاح (المفتاح) ونحوه. وإذا ظفر بشيء من مؤلفات عبد القادر الجرجاني (^٣) والسكاكي (^٤) في هذا الفن فليمعن النظر فيه فإنه يقف في تلك المؤلفات على فوائد.
وينبغي له حال الاشتغال بهذا الفن إن يشتغل بفنون مختصرة قريبة المأخذ قليلة المباحث كفن الوضع، وفن المناظرة، ويكفيه في الأول رسالة الوضع (^٥) وشرح من شروحها. وفي الثاني آداب البحث العضدية (^٦) وشرح من شروحها. وقد تشعبت مسائل علم المناظرة في الأزمنة الأخيرة
_________________
(١) هو أحمد بن الحسن الجاربردي المتوفى سنة ٧٤٦. وله شرح على الشافية وشرح على الحاوي.
(٢) هو لطف الله بن محمد الغياث له عدة كتب في الصرف منها المناهل الصافية على الشافية وهو شهير ومعروف.
(٣) هو أبو بكر بن عبد القادر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفي سنة ٤٧١. له عدة كتب منها أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز. (الحبشي).
(٤) هو يوسف بن أبي بكر بن محمد السكاكي المتوفى سنة ٦٢٦. من أشهر كتبه مفتاح العلوم في البلاغة. (الحبشي).
(٥) رسالة من تأليف الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦. (الحبشي).
(٦) نسبة إلى مؤلفها عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة ٧٥٦ (الحبشي).
[ ١٩٣ ]
فوصل رجل من الأكراد من طلبة العلم ومعه رسالة وشرحها يذكر أنها لبعض علماء الهند ولم يعرف اسمه، وفيها من الفوائد والتفاصيل ما لا يوجد في الآداب العضدية وشروحها إلا ما هو بالنسبة إليه كالرموز. وقد نقلها الناس عنه وانتشرت بين علماء صنعاء، وهي في نحو ثلاثة كراريس مشتملة على مقدمة وتسعة مباحث. ولا يستغني طالب هذا الفن عن إمعان النظر فيها، وقد اشتغلت بهذه الرسالة وقابلتها معه على نسخته ولم يكن له من الفهم والاستعداد ما يبلغ به إلى أن تؤخذ عنه هذه الرسالة وشرحها رواية ودراية مع كونه كان من أهل الصلاح والإكباب على الطلب والرغبة في العلم.
وكما تشعبت مباحث علم المناظرة فقد تشعبت أيضًا عند المتأخرين مباحث (علم البديع). فإن الموجود في كتب المتقدمين من أنواعه اللفظية والمعنوية دون أربعين نوعًا وعند أهل البديعيات زيادة على مائة وخمسين نوعًا.
وأخبرني الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الرئيس من علماء الحرم المكي عند وفوده إلى صنعاء أنه قد أنهاها بعض المتأخرين إلى نحو سبع مائة نوع، وإنه وقف على رسالة أو منظومة - الشك مني - لبعض المتأخرين تشمل على ذلك، وأنا بحمد الله قد استخرجت أنواعًا من البديع وذكرت لها أسماء خارجة عن الأسماء التي ذكرها أهل هذا العلم، وذكرت أبياتًا اشتملت (^١) على ذلك.
ثم ينبغي له أن يكب على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتها
_________________
(١) وهذا في كتاب للمؤلف بعنوان الروض الوسيع في عدم انحصار البديع منه عدة نسخ خطية بمكتبة الجامع برقم (١).
[ ١٩٤ ]
كالصحاح (^١) والقاموس (^٢) وشمس العلوم (^٣) وضياء الحلوم (^٤) وديوان الأدب (^٥) ونحو ذلك من المؤلفات المشتملة على بيان اللغة العربية عمومًا أو خصوصًا كالمؤلفات المختصة بغريب القرآن والحديث (^٦).
ثم يشتغل بعد هذا بعلم المنطق فيحفظ مختصرًا من مختصراته كالتهذيب (^٧) أو الشمسية (^٨). ثم يأخذ في سماع شروحهما على أهل الفن. فإن العلم بهذا الفن على الوجه الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك، وكمال استعداد عند ورود الحجج العقلية عليه. وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث التي يوردها المألفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير من المؤلفين في الأصول والبيان والنحو.
ثم يشتغل بفن أصول الفقه بعد أن يحفظ مختصرًا من مختصراته المشتملة على مهمات مسائله كمختصر المنتهي أو (^٩) جمع الجوامع (^١٠)
_________________
(١) من تأليف أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي المتوفى سنة ٣٩٣.
(٢) تأليف مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي نزيل اليمن المتوفى سنة ٨١٧ (انظر ترجمته في كتابنا مصادر الفكر الإسلامي ص ٣٧٧)،
(٣) من تأليف أبي سعيد نشوان بن سعيد الحميري المتوفى سنة ٥٧٣ تقريبًا (انظر ترجمته في كتابنا السابق ص ٣٧٠).
(٤) مختصر الكتاب السابق تأليف ابن المؤلف محمد بن نشوان الحميري (انظر ترجمته في كتابنا مصادر الفكر الإسلامي ص ٣٧١).
(٥) من تأليف إسحاق بن إبراهيم الفارابي المتوفى سنة ٣٥٠ ألفه في زبيد على أصح الروايات.
(٦) من أشهر الكتب الموضوعة في غريب القرآن والحديث كتاب الغريب للهروي وغريب الحديث لابن قتيبة وغريب القرآن للراغب الأصفهاني وغيره.
(٧) التهذيب سبق ذكره.
(٨) مختصر في المنطق من تأليف نجم الدين علي بن عمر القزويني المتوفى سنة ٦٧٥.
(٩) مختصر شهير في أصول الفقه من تأليف ابن الحاجب السابق ذكره انظر شروحه عند أهل اليمن في كتابنا مصادر الفكر الإسلامي في اليمن.
(١٠) من تأليف تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة ٧٧١.
[ ١٩٥ ]
أو الغاية (*). ثم يشتغل بسماع شروح هذه المختصرات كشرح العضد على المختصر وشرح المحلى (^١) على الجوامع وشرح ابن الإمام على الغاية المسمي بالهداية (^٢). وينبغي له أن يطوّل الباع في هذا الفن ويطَّلع على مؤلفات أهل المذاهب المختلفة كالتنقيح (^٣) و(التوضيح) (^٤) و(التلويح) (^٥) و(المنار) (^٦) و(تحرير) (^٧) ابن الهمام. وليس في هذه المؤلفات مثل التحرير المذكور وشرحه. ومن أنفع ما يستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفن الاكباب على الحواشي التي ألفها المحققون على الشرح العضدي وعلى شرح الجمع.
ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته أن يشتغل بفن الكلام المسمى بأصول الدين، ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب، ومن مؤلفات المعتزلة بنصيب، ومن مؤلفات الماتريدية بنصيب، ومن مؤلفات المتوسطين بين هذه الفرق كالزيدية بنصيب. فإنه إذا
_________________
(١) (*) في الأصل "الهداية" و"الغاية" مختصر في أصول الفقه للحسين بن القاسم (ت ١٠٥٠ هـ) ويسمى "غاية السول في علم الأصول".
(٢) وهو جلال الدين محمد بن أحمد المحلي المتوفى سنة ٨٦٤.
(٣) في الأصل: وشرح ابن الإمام على الهداية المسمى بالغاية والتصويب من (ب). والهداية وتسمى: "هداية العقول شرح غاية السول" للحسين بن القاسم.
(٤) ويسمى تنقيح الأصول من تأليف صدر الشريعة عبد الله بن مسعود المحبوبي البخاري المتوفى سنة ٧٤٧.
(٥) حواشي على شرح منتهى السول لابن الحاجب من تأليف محمد بن محمد الأسدي القدسي.
(٦) شرح التنقيح من تأليف التفتازاني السابق الذكر.
(٧) ويسمي منار الأنوار في أصول الفقه تأليف أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي المتوفى سنة ٧١٠.
(٨) كتاب شهير في أصول الفقه من تأليف كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن الهمام الحنفي المتوفى سنة ٨٦١.
[ ١٩٦ ]
فعل هكذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصف كل فرقة بالترجيح، أو التجريح على بصيرة، وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة. ومن أحسن مؤلفات المعتزلة المجتبى، ومن أحسن مؤلفات متأخري الأشعرية المواقف العضدية وشرحها للشريف والمقاصد السعدية وشرحها له، وإياك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه والتقليل لفائدته (^١)، فانك إن عملت على ذلك وقبلت ما يقال في الفن قبل معرفته كنت مقلدًا فيما لا تدري ما هو. وذلك لا يليق بما تطلبه من المرتبة العلية، والكون في الطبقة الأولية، بل أعرفه حق معرفته، وأنت بعد ذلك مفوض فيما تقوله من مدح أو قدح، فإنه لا يقال لك حينئذ أنت تمدح ما لا تعرفه، أو تقدح فيما لا تدري ما هو، على أنه يتعلق بذلك فائدة وزيادة بصيرة في علوم أخرى، كعلم التفسير، وعلم تفسير الحديث، فإنك إن بلغت إلى ذلك علمت ما في العلم بهذا الفن من الفائدة لا سيما عند قراءة (كشاف) الزمخشري ومن سلك مسلكه، فإن في مباحثهم
_________________
(١) ذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري ومعهم أهل الحديث إلى رفض علم الكلام والتشنيع على المتكلمين والمشتغلين بعلم الكلام، واعتبروا الاشتغال به من أعظم الذنوب، ووضعوه في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله، فقد نُسب إلى الإمام الشافعي وصفه للمشتغل بعلم الكلام بأنه "لا دين له" وحكم عليهم بأن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ..، وقال مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء .. أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا" وقال أحمد بن حنبل: علماء الكلام زنادقة، وقال أبو يوسف: لا تجوز الصلاة خلف المتكلم، وإن تكلم بحق لأنه بدعة" الملا علي القاري شرح الفقه الأكبر، القاهرة: الحلبي (د. ت) ص ٢ - ٧؛ حاشية الإسفرايني على العقائد النسفية، القاهرة الحلبي (د. ت) ص ١٤، وقد صنف في التشنيع على علم الكلام والمتكلمين عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (ت ٤٨١ هـ) كتابًا بعنوان "ذم الكلام وأهله".
[ ١٩٧ ]
من التدقيقات الراجعة إلى علم الكلام ما لا يفهمها حق الفهم إلا من عرف الفن واطلع على مذاهب المعتزلة والأشعرية وسائر الفرق.
وإني أقول بعد هذا: إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنّة، وإبراز الصفات كما جاءت، ورَدّ علم المتشابه إلى الله سبحانه، وعدم الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم، المبنية على شفى جرف هار من أدلة العقل التي لا تعقل، ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوي والافتراء على العقل بما يطابق الهوى، ولا سيما إذا كانت مخالفة لادلة الشرع الثابتة في الكتاب (^١) والسنة، فإنها حينئذ (حديث خرافة) (^٢) ولعبة لاعب، فلا سبيل للعباد يتوصلون به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه وبالوعد والوعيد والجنة والنار والمبدا والمعاد إلا ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن الله سبحانه، وليس للعقول وصول إلى تلك الأمور، ومن زعم ذلك فقد كلف العقول ما أراحها الله منه ولم يتعبدها به، بل غاية ما تدركه، وجل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق الباري، وإن هذه المصنوعات لها صانع، وهذه الموجودات لها موجد، وما عدا ذلك من التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله ﷿ وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من العقل، بل من ذلك النقل الذي منه جاءت، وإلينا به وصلت.
واعلم أني عند الاشتغال بعلم الكلام وممارسة تلك المذاهب والنحل
_________________
(١) في (ب) الحديث.
(٢) من الأمثال السائرة، وخرافة رجل من عذرة، استهوته الجن - كما يزعم العرب - مدة، ثم لما رجع إلى قومه أخبرهم بما رأى منهم فكذبوه حتى صاروا يقولون لما لا يمكن وقوعه: "حديث خرافة" مجمع الأمثال ١/ ٣٤٦.
[ ١٩٨ ]
لم ازدد بها إلا حيرة ولا استفدت منها إلا العلم بأن تلك المقالات خزعبلات فقلت إذ ذاك مشيرًا إلى ما استفدته من هذا العلم (^١).
وغاية ما حصلته من مباحثي … ومن نظري من بعد طول التدبر
هو الوقف ما بين الطريقين حيرة … فما علم من لم يلق غير التحير
على إنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بدون التبحر
وعند هذا رميت بتلك القواعد من حالق (^٢)، وطرحتها خلف الحائط ورجعت إلى الطريقة المربوطة بأدلة الكتّاب والسنّة المعمودة بالأعمدة التي هي أوثق ما يعتمد عليه عباد الله، وهم الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء الأمة المقتدين بهم، السالكين مسالكهم، فطاحت الحيرة، وانجابت ظلمة العماية، وانقشعت (سحابة الجهالة) (^٣) وانكشفت ستور الغواية، والله الحمد، على أني والله الشكر لم اشتغل بهذا الفن إلا بعد رسوخ القدم في أدلة الكتّاب والسنّة، فكنت إذا عرضت مسألة من مسائله، مبنية على غير أساس رجعت إلى ما يدفعها من علم الشرع، ويدمغ زائفها من أنوار الكتاب والسنّة، ولكني كنت أقدّر في نفسي أنه لو لم يكن لدي إلا تلك القواعد والمقالات فلا أجد حينئذ إلا حيرة، ولا أمشي إلا في ظلمة، ثم إذا ضربت بها وجه قائلها ودخلت إلى تلك المسائل من الباب الذي أمر الله بالدخول منه كنت حينئذ في راحة من تلك الحيرة، وفي دعة من تلك الخزعبلات، والحمد لله رب العالمين عدد ما حمده الحامدون بكل لسان في كل زمان.
ثم بعد إحراز هذه العلوم يشتغل بعلم التفسير فيأخذ عن الشيوخ ما
_________________
(١) تناول المؤلف هذه الفكرة في بعض رسائله واستشهد كذلك بهذه الأبيات انظر: التحف في مذاهب السلف ص ٥٤، كشف الشبهات ص ٢٣ - ٢٤، وانظر الأبيات أيضًا في ديوانه ص ١٨٢.
(٢) أي: من شاهق.
(٣) ساقط من (ب).
[ ١٩٩ ]
يحتاج مثله إلى الأخذ، كالكشاف، ويكبُّ على كتب التفسير على اختلاف أنواعها وتباين مقاديرها ويعتمد في تفسير كلام الله سبحانه ما ثبت عن رسول الله ﵌ ثم عن الصحابة، فإنهم مع كونهم أعلم من غيرهم بمقاصد الشارع هم أيضًا من أهل اللسان العربي، فما وجده من تفاسير رسول الله ﵌ في الكتب المعتبرة كالأمهات وما يلتحق بها قدمه على غيره، بل تعيَّن عليه الأخذ به، ولا يحل له مخالفته واجمع مؤلف في ذلك وأنفعه وأكثره فائدة الدر المنثور (^١) للسيوطي. وما ذكرنا من تقديم ما ورد عن الصحابة مقيد بما إذا لم يخالف ما يُعلم من لغة العرب، ولم تكن تلك المخالفة لأجل معنى شرعي، فإن كانت لمعنى شرعي فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية، وينبغي له أن يطول الباع في هذا العلم ويطالع مطولات التفاسير، كمفاتيح الغيب (^٢) للرازي، فإن المعاني المأخوذة من كلام الله سبحانه كثيرة العدد يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده وقدر ملكته في العلوم، ولا يغتر بما يزعمه بعض أهل العلم من أنه يكفي الاطلاع على تفسير بعض آيات الكتاب العزيز كما وقع لكثير من التأليف في تفسير آيات مخصوصة مسميًا له بآيات الأحكام كالموزعي (^٣) وصاحب الثمرات (^٤). فإن القرآن جميعه حتى قصصه وأمثاله لا يخلو من
_________________
(١) ويسمى الدر المنثور بالتفسير بالمأثور تأليف جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١. (الحبشي).
(٢) مفاتيح الغيب في التفسير كتاب كبير تأليف محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة ٦٠٦.
(٣) هو نور الدين محمد بن علي الموزعي المتوفى سنة ٨٢٥ وكتابه في تفسير آيات الأحكام يسمى تيسير البيان في أحكام القرآن (انظر مخطوطاته في كتابنا مصادر الفكر الإسلامي ص ٢١).
(٤) هو الفقيه يوسف بن أحمد بن عثمان المتوفى سنة ٨٣٢ وكتابه في تفسير آيات الأحكام شهير عليه اعتماد أهل اليمن. (هوامش هذه الصفحة وما بعدها حتى ص ٢٠٤ للأستاذ الحبشي).
[ ٢٠٠ ]
فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية ولطائف لا يأتي الحصر عليها لها مدخل في الدين. يعرف هذا من يعرفه ويجهله من يجهله (^١). وينبغي أن يُقدَّم على قراءة التفاسير: الاطلاع على علوم الأداء وكل ما كان له مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب العزيز لا من هذه الحيثية وما أنفع الإتقان (^٢) للسيوطي في مثل هذه الأمور. ثم لا يهمل النظر في الكتب المدونة في القراءات وما يتعلق بها كالشاطبية (^٣) وشروحها والطيبة (^٤) وشروحها.
إذا عرفت ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى فاعلم أن أعظم العلوم فائدة وأكثرها نفعًا واوسعها قدرًا وأجلّها خطرًا علم السنّة المطهرة فإنه الذي تكفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام. ولست أقول أن الطالب يشتغل به في وقت معين ولا أقول أنه يقدمه على هذه العلوم المتقدمة أو يؤخره عنها بل أقول أنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يُقيم لسانه بما يحتاج إليه من النحو أن يُقبل على سماع الكتب التي جمع فيها أهل العلم متون الأحاديث مقطوعة الأسانيد كجامع الأصول (^٥) والمشارق (^٦)
_________________
(١) ولهذا السبب لم يترك الشوكاني مؤلفًا مستقلًا في آيات الأحكام وإنما أورد هذا خلال تفسيره الكبير المسمى فتح القدير.
(٢) الإتقان في علوم القرآن كتاب شهير للسيوطي مطبوع.
(٣) منظومة شهيرة في القرآن نظم القاسم بن فيرة الأندلسي المتوفى سنة ٥٩٠ وتسمى أيضًا (حرز الأماني).
(٤) وتسمى أيضًا طيب النشر في القراءات العشر تأليف محمد الجزري المتوفي سنة ٨٣٣.
(٥) جامع الأصول من أحاديث الرسول لأبي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير المتوفي سنة ٦٠٦.
(٦) مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية تأليف رضي الدين حسن بن محمد الصغاني المتوفى سنة ٦٥٠.
[ ٢٠١ ]
وكنز العمال (^١) والمنتقى (^٢) لابن تيمية وبلوغ المرام (^٣) لابن حجر والعمدة (^٤). ثم يسمع الكتب التي فيها الأسانيد كالأمهات الست ومسند أحمد وصحيح ابن خزيمة (^٥) وابن حبّان (^٦) وابن الجارود (^٧) وسنن الدارقطني (^٨) والبيهقي (^٩) وبالجملة فما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه من كتب السنّة جد في سماعه واجتهد بحسب ما يمكنه، ويكون هذا الاشتغال بهذا العلم الجليل مصاحبًا لاشتغاله بجميع العلوم المتقدمة من البداية إلى النهاية.
فإذا قضى وطره من سماع كتب المتن والإسناد اشتغل بشروح هذه المؤلفات فيسمع منها ما تيسر له سماعه ويطالع ما لم يتيسر له سماعه، ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل (^١٠) (ولا تقتصر على المختصرات فقد يكتفي مؤلفوها بقول فرد من أفراد أئمة الجرح
_________________
(١) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال تأليف علي بن حسام المتقي الهندي المتوفي سنة ٩٥٧.
(٢) المنتقى ويسمى منتقى الأخبار تأليف تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن عبدا الله بن تيمية المتوفى سنة ٦٥٢ وعليه شرح كبير للمؤلف بعنوان نيل الأوطار.
(٣) بلوغ المرام من أحاديث الأحكام تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢.
(٤) عمدة الأحكام عن سيد الأنام تأليف تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠.
(٥) وهو محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي من علماء الحديث توفي سنة ٣١١.
(٦) هو محمد بن حاتم بن أحمد البستي من العلماء له عدة كتب في رواة الحديث توفي سنة ٣٥٤.
(٧) هو أحمد بن علي بن الجارود له المسند توفي سنة ٢٩٩.
(٨) هو علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ شهير في علوم الحديث.
(٩) هو أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨.
(١٠) علم الجرح والتعديل هو أصل علم الحديث وبه يعرف قدر الرجال والرواة.
[ ٢٠٢ ]
والتعديل) (^١)، بل يتوسع في هذا العلم بكل ممكن، وأنفع ما ينتفع به مثل النبلاء (^٢) و(تاريخ الإسلام) (^٣) و(وتذكرة الحفاظ) (^٤) و(الميزان) (^٥) فإنه يجد في هذه المؤلفات من الاختلاف في المترجم له وذكر أسباب الجرح والتعديل ما لا يجده في غيرها كتهذيب الكمال (^٦) وفروعه.
وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات ابن الصلاح (^٧) والألفية للعراقي (^٨) وشروحها. ولا يستغني عن المطولات بالمختصرات لاسيما إذا بالغ مؤلفوها في الاختصار كالنخبة (^٩) وما هو مشابه لها.
وينبغي له أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنفة في تاريخ الدول وحوادث العالم في كل سنة كما فعله الطبري في تاريخه (^١٠) وابن الأثير في كامله (^١١)
_________________
(١) هذه الفقرة ساقطة من (ب).
(٢) ويعرف بأعلام النبلاء من تأليف محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ طبعت منه بضعة أجزاء ولا يعتبر هذا الكتاب من كتب الجرح والتعديل وإنما هو في التراجم.
(٣) من تأليف الذهبي السابق الذكر طبع في الهند.
(٤) من تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢.
(٥) ويسمى ميزان الاعتدال في نقد الرجال من تأليف الذهبي السابق.
(٦) تهذيب الكمال كتاب كبير في نقد الرجال من تأليف عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ٦٠٠ وقد لخصه العلامة أحمد بن عبد الله الخزرجي من أهل زبيد في القرن العاشر الهجري في كتابه خلاصة تذهيب تهذيب الكمال.
(٧) هو عثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح الشهروزي المتوفى سنة ٦٤٣.
(٨) هو زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦.
(٩) وتسمى نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر تأليف أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢.
(١٠) ويسمى أخبار الرسل والملوك من تأليف محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣٦٠.
(١١) هو علي محمد بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠.
[ ٢٠٣ ]
وكما فعله كثير من المؤرخين على اختلاف مسالكهم في تخصيص التصنيف بدولة من الدول أو طائفة من طوائف أهل العلم والأدب، أو فرقة من فرق أهل الرئاسات أو غير ذلك فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة لا يعرفها إلا من عرف أحوال العالم واتقن أهل كل عصر منهم وعلم بأوقات موالدهم ووفياتهم.
فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية من طبقات المجتهدين، وكملت له جميع أنواع علوم الدين، وصار قادرًا على استخراج الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء.
ولكنه ينبغي له أن يطّلع على علوم أخرى ليكمل له ما قد حازه من الشرف، ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية.
فمن ذلك علم الفقه وأقل الأحوال أن يعرف مختصرًا في فقه كل مذهب من المذاهب المشهورة، فإن معرفة ما يذهب إليه أهل المذاهب الإسلامية قد يحتاجه المجهتد لافادة المتمذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم. وقد يحتاجه لدفع تشنيع من يشنع عليه في اجتهاده، كما يقع ذلك كثيرًا من أهل التعصب والتقصير، فإنه إذا قال له قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعًا لصولته، كاسرًا لسورته، وقد وقعنا في كثير من هذه الأمور مع المقصرين وتخلصنا من
شغبهم بحكاية ما انكروه علينا عن بعض من يعتقدونه من الأموات، وما انفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم، إما تحقيقًا أو فرضًا، كمؤلفات ابن المنذر (^١)
_________________
(١) هو الفقيه محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري له المبسوط في الفقه وغيره توفي سنة ٣١٩.
[ ٢٠٤ ]
وابن قدامة (^١) وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم. فإن المجتهد يزداد بذلك علمًا إلى علمه، وبصيرة إلى بصيرته، وقوة في الاستدلال إلى قوته، فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين، ومطامح أفكار المجتهدين، وكثيرًا ما يحصل للعالم من النكت واللطائف الصالحة للاستدلال بها ما لا يحصل للعالم الآخر، وإن تقاربت معارفهما وتوازنت علومهما، بل قد يتيسر لمن هو أقل علمًا ما لا يتيسر لمن هو أكثر علمًا من الاستدلال والجواب والنقض والمعارضة، وكما قيل:
ورأيان أحزم من واحد … ورأي الثلاثة لا ينقض
وكما قيل (^٢):
ولكن تأخذ الأفهام منه … على قدر القرايح والعلوم
ولا سيما مؤلفات أهل الإنصاف الذين لا يتعصبون لمذهب من المذاهب ولا يقصدون إلَّا تقرير الحق وتبيين الصواب فإن المجتهد الطالب للحق ينتفع بها ويستعين بأهلها فينظر فيما قد حرروه من الأدلة وقدروه من المباحث ويُعمِلْ فكره في ذلك فيأخذ ما يرتضيه ويزيد عليه ما بلغت إليه قدرته، ووصلت إليه ملكته غير تارك للبحث عن تصحيح ما قد صححوه وتضعيف ما قد ضعفوه على الوجه المعتبر. ومن حق الإنصاف ولازم الاجتهاد أن لا يُحسن الظن أو يسيئه بفرد من أفراد أهل العلم على وجه يوجب قبول ما جاء به أو رده من غير إعمال (^٣) فكر وامعان نظر وكشف
_________________
(١) من فقهاء الحنابلة وهو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة توفي سنة ٦٢٠ له كتاب المغني في الفقه وغيره.
(٢) البيت للمتنبي من قصيدة له، انظر ديوانه بشرح البرقوقي ٤/ ٢٤٦.
(٣) من (ب) إهمال.
[ ٢٠٥ ]
وبحث. فإن هذا شأن المقلدين وصنيع المتعصبين، وإن غرته نفسه بأنه من المنصفين وإن لا يغتر بالكثرة، فإن المجهتد هو الذي لا ينظر إلى من قال بل إلى ما قال، فإن وجد نفسه تنازعه إلى الدخول في قول الأكثرين والخروج عن قول الأقلين أو إلى متابعة من له جلالة قدر ونبالة ذكر وسعة دائرة علم، لا لأمر سوى ذلك فليعلم أنه قد بقي فيه عرق من عروق العصبية وشعبة من شعب التقليد وإنه لم يوف الاجتهاد حقه.
وبالجملة فالمجتهد على التحقيق: هو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها على الوجه الذي قدمناه ويفرض نفسه موجودًا في زمن النبوة وعند نزول الوحي وإن كان في آخر الزمان وكأنه لم يسبقه عالم ولا تقدمه مجتهد. فإن الخطابات الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق. وحينئذ يهون الخطب وتذهب الروعة التي نزلت بقلبه من الجمهور وتزول الهيبة التي تداخل قلوب المقصرين.
ومما يزيد من أراد هذه الطبقة العلية علوا ويفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن: الاطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم، والمشهورين منهم باستخراج لطائف المعاني ومطربات النكات مع ما يَحصل له بذلك من الاقتدار على النظم والتصرف في فنونه. فقد يحتاج العالم إلى النظم لجواب ما يرد عليه من الأسئلة المنظومة، أو المطارحات الواردة إليه من أهل العلم، وربما ينظم في فن من الفنون لغرض من الأغراض الصحيحة، فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصًا في كماله. وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الانشاء المشهورين بالإجادة والإحسان المتصرفين في رسالاتهم ومكاتباتهم (^١) بأفصح لسان وأبين بيان، فإنه ينتفع بذلك إذا
_________________
(١) في (ب) وحكاياتهم.
[ ٢٠٦ ]
احتاج إلى الإنشاء أو جاوب صديقًا أو كاتب حبيبًا، لأنه ينبغي أن يكون كلامه على قدر علمه، وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر كان كلامه ساقطًا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة، والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ. وما أقبح بالعالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه في علم من علومه، ويتضاحك منه من له أدنى المام بمستحسن الكلام ورائق النظام، ويستعين على بلوغ ما يليق به ويطابق رتبته بمثل علم العروض والقوافي، وأنفع ما في ذلك منظومة الجزاز (^١) وشروحها. وبمثل المؤلفات المدونة لذلك، وانفع ما ينتفع به (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لابن الأثير (^٢). ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرفِ من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح ويزيد القلب سرورًا والنفس انشراحًا، كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب. وبالجملة فالعلم لكل فن خير من الجهل به بكثير، ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة. ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات، فإنها كما قدمنا لك شعبة من التقليد وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما قد لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو، وليس يُخشى على من قد ثبت قدمه في علم الشرع من شيء، وإنما يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنّة، فإنه ربما يتزلزل وتخور قوته (^٣) فإذا قَدَّمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت، واستكثر من الفنون ما أردت، وتبحر في الدقائق
_________________
(١) هو أحمد بن محمد الجزاز المسيكي الزبيدي المتوفى سنة ٩٤٣ (انظر ترجمته في كتابنا مصادر الفكر الإسلامي ص ٣٨٢) (الحبشي).
(٢) هو نصر الله بن محمد بن الأثير المتوفى سنة ٦٣٧. (الحبشي).
(٣) في (ب) وتحول ثقته.
[ ٢٠٧ ]
ما استطعت، وجاوب من خالفك وعذلك وشنَّع عليك بقول القائل (^١):
أتانا أن سهلًا ذم جهلًا … علومًا ليس يعرفهن سهل
علومًا لو دراها ما قلاها … ولكن الرضى بالجهل سهل
وإني لأعجب من رجل يدّعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه، وقد رأينا كثيرًا ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع ويقتدي بالدليل فإذا سمع مسألة من فن من الفنون التي لا يعرفها كعلم المنطق والكلام والهيئة ونحو ذلك، نفر منه طبعه ونَفَّر عنه غيره، وهو لا يدري ما تلك المسألة ولا يعقلها قط ولا يفهم شيئًا منها (^٢) فما أحق من كان هكذا بالسكوت والاعتراف بالقصور والوقوف حيث أوقفه الله، والتمسك في الجواب إذا سُؤل عن ذلك بقوله لا أدري، فإن كان ولا بد متكلمًا ومادحًا أو قادحًا فلا يكون متكلمًا بالجهل وعائبًا لما لا يفهمه، بل يقدم بين يدي ذلك الاشتغال بذلك الفن حتى يعرفه حق المعرفة ثم يقول بعد ذلك ما شاء. ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعًا عظيمًا وفائدة جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له بالدليل، فإنه إذا اشتغل من يشتغل منهم بفن من الفنون، كالمشتغلين بعلم المنطق جعلوا كلامهم ومذاكرتهم في قواعد فنهم، ويعتقدون لعدم اشتغالهم بغيره أن من لا يجاريهم في مباحثه ليس من أهل العلم، ولا هو معدود منهم، وإن كان بالمحل العالي من علوم الشرع، فحينئذ لا يبالون بمقاله ويوردون عليه ما لا
_________________
(١) ذكر المؤلف البيتين في قطر الولي (دون عزو) ص ٣٤٠.
(٢) قارن بـ: المقبلي/ العلم الشامخ ص ١٩٧ - ١٩٩؛ طاش كبري زاده مفتاح السعادة ١/ ٢٥ - ٢٧.
[ ٢٠٨ ]
يدري ما هو ويسخرون منه فيكون في ذلك من المهانة على علماء الشريعة ما لا يقادر قدره، وأما إذا كان العالم المتشرع المتصدر للهداية إلى المسالك الشرعية والمناهج الإنصافية عالمًا بذلك فإنه يجري معهم في فنهم فيكبر في عيونهم، ثم يعطف عليهم فيبيّن لهم بُطلان ما يعتقدونه بمسلك من المسالك التي يعرفونها، فإن ذلك لا يصعب على مثله. ثم بعد ذلك يوضح لهم أدلة الشرع فيقلبون منه أحسن قبول، ويقتدون به أتم قدوة. وأما العالم الذي لا يعرف ما يقولون فغاية ما يجري بينه وبينهم خصام وسباب ومشاتمة، هو يرميهم بالاشتغال بالعلوم الكفرية ولا يدري ما هي تلك العلوم، وهم يرمونه بالبلادة وعدم الفهم والجهل بعلم العقل ولا يدرون ما لديه من علم الشرع.
ولقد أهدت لنا هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب من زعانف هم سقط المتاع وفقعة القاع وأبناء الرعاع، لا بَسوا طلبة العلم بعض الملابسة وشاركوهم بجامع الخلطة والعشرة في مثل النظر في مختصرات النحو حتى صاروا ممن يتمكن من إعراب أواخر الكلم، ثم طاحت بهم الطوايح ورمت بهم الروامي إلى مطالعة تجريد الطوسي (^١) وبعض شروحه وفهموا بعض مباحثه، فظنوا أنهم قد ظفروا بما لم يظفر به أرسطاطاليس ولا جالينوس، دع عنك مثل الكندي والفارابي وابن سينا فانهم عندهم في عداد المقصرين، وأما مثل الرازي (^٢) وطبقته فليسوا من أهل العلم في ورد ولا صدر، وأما سائر العلماء المتحبرين في علم الشرع وغيره من أهل العصر وغيرهم فهم عند هؤلاء النوكاء (^٣) الرُّقعاء لا يفهمون شيئًا ولا يعقلون. فقبّح الله تلك
_________________
(١) مختصر في علم الكلام تأليف نصير الدين محمد بن محمد الطوسي المتوفى سنة ٦٧٢. (الحبشي).
(٢) هو أبو بكر محمد بن زكريا المتوفى سنة ٣١١. (الحبشي).
(٣) الحمقاء.
[ ٢٠٩ ]
الوجوه فإنها صارت عارًا وشنارًا على أهل العلم، وصار دخول مثل هؤلاء الذين دنسوا عرض العلم وجهموا وجهه وأهانوا شرفه، من أعظم المصائب التي أصابت أهله وأكبر المحن التي امتُحن بها حملته، فإنه يسمعهم السامع يثلبون أعراض الأحياء والأموات من المشهورين بالعلم الذين قد اشتهرت مصنفاتهم وانتشرت معارفهم فيزهد في العلم ويخاف من أن يعرّض نفسه للوقيعة من مثل هؤلاء الجهلة، على أنهم لا يعرفون شيئًا إلا ما ذكرت لك، ولا يفهمون علمًا من العلوم لا بالكنة ولا بالوجه فما أحق هؤلاء بالمنع لهم عن مجالس العلم والأخذ على أيديهم من الدخول في مداخل أهله والتشبه بهم في شيء من الأمور، والزامهم بملازمة حرف آبائهم وصناعات أهلهم والوقوف في الأسواق لمباشرة الأعمال التي يباشرها سلفهم، فليس في مفارقتهم لها إلا ما جلبوه من الشر على العلم وأهله، ولكنهم قد تحذلقوا وجعلوا لأنفسهم حصنًا حصينًا وسورًا منيعًا، فتظهَّروا بشيء من الرفض وتلبَّسوا بثيابه فإذا أراد من له غيرة على العلم المعاقبة لهم وإعزاز دين الإسلام بإهانتهم، قالوا للعامة إنهم أصيبوا بسبب التشيع، وأهينوا بما اختاروه لأنفسهم من محبة أهل البيت ﵃، وقد علم الله وعَلِم كل من له فهم أنهم ليسوا من ذلك في قبيل ولا دبير، بل ليس عندهم إلا التهاون بالشريعة الإسلامية والتلاعب بالدين والطعن علي الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه فضلًا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع. وكل عارف إذا سمع كلامهم وتدبر أبحاثهم يتضوع له منها روائح الزندقة بل قد يقف على ما هو صريح الكفر الذي لا يبقى معه ريب.
ولقد كان القضاة من أهل المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية (^١) والمغربية وغيرها يحكمون بإراقة دم من ظهر منه دون ما يظهر
_________________
(١) أي التركية "العثمانية".
[ ٢١٠ ]
من هؤلاء حسبما تحكيه كتب التواريخ وقد أصابوا أصاب الله بهم، فإعزاز دين الله هو في الانتقام من أعدائه المتنقِّصين به. وما يصنع العالم في مثل أرضنا هذه في مثل هؤلاء المخذولين فإنه إن قام عليهم وافتى بما يستحقونه ويوجبه عليهم الشرع، حال بينه وبينهم حوائل، منها: عدم اعتياد مثل هذه البلاد لمثل سفك دماء المتزندقين، ومنها عدم نفوذ أفهام المنفِّذين لاحكام الشرع حتى يعرفوا الدقايق الكفرية الموجبة للخروج من الإسلام القاضية يسفك دم من صدرت عنه، وكيف يفهم ذلك غالب القضاة وهم يعجزون عن فهم شروط الوضوء وفرائضه وسننه، بل يقصرون عن فهم مباحث أبواب قضاء الحاجة. فهل تراهم يفهمون ما يقوله لهم المفتي بسفك دم المتزندق من أنه كفر بكذا استحق سفك دمه بكذا. هيهات هيهات فإنهم أبلد من ذاك وأسوأ فهمًا من البلوغ إليه.
ومنها وهو أعظمها ما عرّفناك به من تظهّرهم بالرفض وادعائهم إنهم لم يُصابوا بذنب سواه ولا نالهم ما نالهم إلا بسببه، فإن هذه الدعوى سريعة النفاق تدخل إلى أذهان غالب الناس وتقبلها عقولهم بأيسر عمل للاشتراك في الجنس وإن لم يكن على التواطؤ بل على التشكيك، وكفاك من شر سماعه.
وبعد هذا فإني أرجو الله ﷿ أن يمكن منهم فتجري عليهم الأحكام الشرعية وينفذ فيهم ما يقتضيه مُرَّ الحق ونص الدليل. وقد علم الله سبحانه أني أجد من الحسرة والتلهف ما لا يُقادر قدره ولا يمكن التعبير عنه، لأنه ليس بتغاض عن مبتدع، ولا بمجرد سكوت عن انتهاك حرمة أو حُرَم من حرمات الشرع، بل هو سكوت عن الكفر واغماض عن متظهر بالزندقة يتكلم فيها بملء فيه ويبدي منها ما تبكي له عيون الإسلام وأهله، فتارة يتهاون بالقرآن، وتارة يتهاون بالأنبياء، وتارة يتهاون بحملة الدين، وحينًا يزري على علماء المسلمين، ولكن بعبارات لا يفهمها المقصرون، ورموز لا يهتدي إليها المشتغلون بأبواب الفقه، مع خلط تلك العبارات بشيء من
[ ٢١١ ]
الرفض يفهمه المقصر والكامل. فإذا نظره المقصرون في كلامهم لم يفهموا منه إلا ما فيه من الرفض. ولا يفهمون شيئًا مما عداه. وإذا أخبرهم العالم بما اشتمل عليه ذلك الكلام من الكفر والزندقة لم تقبله أفهامهم لأمرين: أحدهما الجهل بالعلوم التي يتوصلون بها إلى فهم ذلك، والثاني: اعتقادهم أن ذلك المتكلم شيعي وأن هذا العالم الذي أنكره إنما قام عليه لأجل تشيعه، لكونهم يعتقدون في كل من اشتغل بعلوم الاجتهاد أنه يخالف الشيعة، طبيعة راسخة فيهم، وأمر ورثوه عن أسلافهم، وداء قبلوه من كل مخذول، ومحنة تعاظم بسببها البلاء على الشريعة وعلى أهلها.
فبهذه الأسباب علمت أن قيامي عليهم لا يجدي إلا ثوران فتنة وظهور محنة، وقد يكون سببًا لتظهرهم بزيادة على ما يتظهرون به من تلك الأمور الفظيعة، والكفريات الشنيعة. اللهم إني أُشهدك وأنت خير الشاهدين: أني أول حاكم بسفك دم من صدر منه ذلك، وأول مفتٍ بقتل من فعل شيئًا منه أو قال به، عند أول بارقة من بوارق العدل، وفي إخفاء (^١) رائحة من روائح الإنصاف، ولست أقول أن جميع من أشرت إليهم هم على الصفة التي ذكرتها الموجبة لإراقة الدم وإزهاق الروح، بل يتظهر بذلك بعض مخذوليهم، ويشتغل به أناس من شياطينهم، والبقية وإن كانوا بما يصدر منهم نقمة على العلم وأهله، فإنهم ينفرّون الناس عن علم الشرع، ويهونونه في صدورهم، ويستصغرون علوم الدين بأسرها، ويجذبون من يطمعون فيه إلى جهالاتهم وضلالاتهم، فهم مُستحقون للحيلولة بينهم وبين كل سبب يتوصلون به إلى العلم على كل تقدير كما أشرنا إليه سابقًا، مع إنزال بعض ما فيه إهانة لهم بهم ومسهم بسوط إذلال، ليكون في ذلك إعزاز للدين ورفع
_________________
(١) إخفاء: مصدر خفي، وهي من الأضداد، فهي تعني: كتمه، وكذلك أظهره، والمؤلف يقصد المعنى الثاني، أي الظهور، والوضوح وجاء في معنى هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] أي أظهرها.
[ ٢١٢ ]
لمناره، وغسل لما قد لوثوا به أهله من القذر الذي يلقونه عليهم وينجسونهم به، والله المرجو فعنده الخير كله. وهو أغير على دينه، وهو أكرم عليه من أن يهان أو يضام أهله.
وفيهم أفراد قليلون يصلحون بتعلم العلم ويتشبهون بأهله ويجرون على نمط من يتعلمون منه ويأخذون عنه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. ولكن ما أقل من يكون هكذا منهم.
فإن قُلتَ: وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلًا لوضع العلم فيه وتعليمه إياه؟.
قُلتُ: هي شرف المحتد وكرم النجار (^١) وظهور الحسب، أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالم الدين، أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب. وقد أشار إلى هذا النبي ﵌ في الحديث الثابت عنه في الصحيح فقال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (^٢). فاعتبر ﵌ الخيار في الجاهلية، وليس ذلك لأمر يتعلق بالدين، فإنه لا دين لأهل الجاهلية، بل المراد بخيار أهل الجاهلية من كان منهم من أهل الشرف وفي البيوت الرفيعة، فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور، ويحول بينه وبين الرذائل، ويوجب عليه إذا دخل في أمر أن يكون منه في أعلى محل وأرفع رتبة، فمتعلم العلم منهم يكون في أهله على أتم وصف وأحسن حال غير شامخ بأنفه، ولا متباه بما حصّله ولا مترفع على الناس بما نال منه، وأما
_________________
(١) النِّجار، النُّجار: الأصل والحسب.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم: اللؤلؤ والمرجان ٣/ ١٧٧ (١٦٤٢)، أحمد ٢/ ٢٥٧، ٢٦٠، ٣٩١، ٣/ ٣٦٧، وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (٢٠٦٦٤١)؛ الهيثمي مجمع الزوائد ١/ ١٢١.
[ ٢١٣ ]
من كان من سقط المتاع وسفساف أهل المهن كأهل "الحياكة" و"العصارة" و"القضابة" (^١) ونحو ذلك من المهن الدنية، والحرف الوضيعة، فإن نفسه لا تفارق الدناءة (^٢) ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة ولا تنفر عن الضيم، فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور: منها العجب والزهو والخيلاء، لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضع مكان وأخس رتبة قاعدًا في أعلى محل وأرفع موضع، فإن منزلة العلم وأهله هي المنزلة التي لا تساميها منزلة وإن علت، ولا تساويها رتبة وإن ارتفعت، فبينما ذلك الطالب قاعد بين أهل حرفته من أهل الحياكة أو الحجامة أو الجزارة أو نحوهم في أخس بقعة وأعظم مهانة، إذ صار بين العلماء المتعلمين الذين هم في أعلى منازل الدنيا والدين. فبمجرد ذلك يحصل له من العجب والتطاول على الناس والترفع عليهم ما يعظم به الضرر على أهل العلم فضلًا عن غيرهم ممن هو دونهم، مع ما ينضم إلى ذلك من السخف الذي نشأ عليه وتلقاه من سلفه وسقوط النفس وضعف العقل ونذالة الهمة، ومثل تأثر الصبي لما ينشأ عليه من أخلاق آبائه لا ينكره أحد. ولهذا يقول ﵌ فيما صح عنه في الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (^٣) فإذا كان الصغير ينطبع بطابع الكفر بسبب أبويه، فما بالك بسائر الأخلاق التي يجدهما عليها.
ومما يقع فيه هذا الطالب الناشيء بين أهل الوضاعة المرتضع من ثدي الرقاعة أنه بحكم الطبع وألف المنشأ لا يرى في الناس إلا أهل حرفته وبني
_________________
(١) القضابة: نسبة إلى الزراعة وبيع القضب، وهو البرسيم.
(٢) هذه ليست قاعدة مطردة ولا عبرة في تقييم الشخص بمهنته لأن كثير من أصحاب المهن الوضيعة ما يفوقوا بأخلاقهم الكثير من ذوي الشرف المزعوم. (راجع تعقيبنا على هذه الفقرة والفقرة السابقة لها في مقدمة هذا التحقيق.
(٣) سبق تخريجه انظر ص ٨٨ (هامش).
[ ٢١٤ ]
مهنته، فيعود من حيث بدا ويرجع من الباب الذي خرج منه فيكون في ذلك من الإهانة للعلم والإزراء على أهله والوضع بجانبهم ما لا يقادر قدره، لأن هذا يراه الناس تارة في المدارس قاعدًا بين أيدي شيوخ العلم مشاركًا للمتعلمين، وتارة يرونه في دكاكين الحجامين وحوانيت العطارين ومن جرى هذا المجرى من المحترفين، ومما يقع فيه أنه بحكم الطبع الذي استفاده من المنشأ وتطبّع به من أبويه ومن يماثلهما وإن دخل في مداخل العلم وتزيا بزي أهله فهم أبغض الناس إليه وأحقرهم لديه، لا يقيم لهم وزنا ولا يعترف لهم بفضيلة، بل يكون ديدنه وهجيراه ومعنى كلامه وفحواه، هو التهاون بهم وتحقير ما عظمه الله من أمرهم، والإغراء بين أمثالهم والتعرض للمفاضلة بين فضائلهم، وإدخال الشحناء بينهم بكل ممكن. ومن أنكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع، فإنه سيجد ما وجدناه، ويقف على صحة ما حكيناه، ولا يخرج من هؤلاء إلا النادر القليل، ولا يكون ذلك إلا لعرق ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم. وإن جهله من لم يعرفه.
وبالجملة فهذا ما تفيده التجربة وتشير إليه بعض الأدلة الشرعية، وإذا صح قوله ﵌: "واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر" ففيه أعظم عبرة للمعتبرين، من الحاملين لعلوم الدين. وقد عزاه بعض أهل العلم إلى ابن ماجة، ولا استحضره حال الرقم فيما هو في حفظي من أحاديث سنن ابن ماجة فلينظر (^١).
_________________
(١) أضاف المؤلف في الهامش ما يلي: "ثم كشفت عنه فوجدته من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب". وفي إسناده حفص بن سليمان البزار" انتهى كلام المؤلف. أقول: أخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود، بداية الحديث وهو "طلب العلم=
[ ٢١٥ ]
وأما من كان أهلًا للعلم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفًا إلى شرفه، ويكتسب به من حسن السِّمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما يزيد علمه علوا وعرفانه تعظميًا، فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومن يمشي على طريقهم، من عاملي العلماء وصالحي الأمة، ويعرف للعلم حقه، ويعظمه بما ينبغي من تعظيمه، فلا يكدره بالمطامع ولا يشوبه بالخضوع لأهل الدنيا، ولا يجهمه بالتوصل به إلى ما في يد الأغنياء فيكون عنده مخدومًا لا خادمًا، ومقصودًا لا قاصدًا.
وبين هاتين الطائفتين طائفة ثالثة، ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء، جعلوا العلم مكسبًا من مكاسب الدنيا، ومعيشة من معايش أهله لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب من مناصب أسلافهم، ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم، كما نشاهده في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو الكتابة، أو ما هو شبيه بهذه الأمور، فإن من كان طالبًا للوصول إلى شيء من هذه الأمور، ذهب إلى مدارس العلم يتعلم ما يتأهل به لما يطلبه، وهو لا يتصور البلوغ إلى الثمرة المستفادة من العلم، والغاية
_________________
(١) = فريضة على كل مسلم"، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٩ - ١٢٠)، وفيه عثمان بن عبد الرحمن القرشي قال عنه البخاري: مجهول، وعقب محقق المعجم الكبير حمدي السلفي: بأن للحديث روايات عن جماعة من الصحابة يرتقي بها إلى الحسن" (الطبراني ١٠/ ١٩٥ (١٠٤٣٩) أما الزيادة "وواضع العلم عند غير أهله أو في غير أهله … " التي أخرجها ابن ماجة في سننه عن أنس رقم (٢٢٤٠) قال عنه الهيثمي: إسناده ضعيف لضعف حفص بن سليمان" وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، بعد عرض مختلف روايات الحديث: "وبالجملة فالحديث ليس بموضوع ومن جعله في الموضوعات فقد أخطأ"، وقد عقب المرحوم عبد الرحمن المعلمي محقق كتاب الشوكاني على كلام المؤلف، "لم يثبت من اسانيده ما يدفع عنه الوضع ومتنه منكر. ." الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ٢٧٤ - ٢٧٥؛ أيضًا ابن عدي، الكامل في الضعفاء ٦/ ٢٠٩١.
[ ٢١٦ ]
الحاصلة لطالبه فيكون ذهنه كليلًا، وفهمه عليلًا، ونفسه خائرة، ونيته خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه، فيخدم في مدة طلبه واشتغاله أهل المناصب ومن يرجو منهم الإعانة على بلوغ مراده أكثر مما يخدم العلم، ويتردد إلى أبوابهم ويتعثر في مجالسهم، ويذوق به من الإهانة ما فيه أعظم مرارة ويتجرع من الغصص ما يصغر قدر الدنيا بالنسبة إليه. فإذا نال ذلك المنصب ضرب بالدفاتر وجه الحائط، وألقاها خلف السور لعدم الباعث عليها من جهة نفسه والمنشط على العلم والمرغب فيه. فهذا هو شبيه بمن يتعلم مهنة من المهن ويتدرب في حرفة من الحرف فيقصد أهلها حتى يدركها ويكون فيها أستاذًا ثم يذهب إلى دكان من الدكاكين فيعتاش بتلك الحرفة، وليس هو من أهل العلم في ورد ولا صدر، ولا ينبغي أن يكون معدودًا منهم وأن ارتسم في ذهنه منه رسوم فهو من أزهد الناس فيها، وأجفاهم لها وأقلهم احتفالًا بها، ولا فائدة في تعلمه راجعة إلى الدين قط، بل غاية ما استفاده منه العلم وأهله تعريضه وتعريضهم للإهانة عند أهل الدنيا وإيقاعه وإيقاعهم في يد من لا يعرف للعلم قدرًا ولا يرفع له ذكرًا ولا يقيم له وزنًا، كما يشاهد من المتعلقين بالأعمال الدولية (^١)، فإنهم يتلاعبون بطلبة المناصب الدنيوية غاية التلاعب ويعرّضونهم للإهانة مرة بعد أخرى، ويتلذذون بذلك ويبتهجون، لأنهم يظنون أنها قد ارتفعت طبقتهم عن طبقات أهل العلم، وحكموا تارة فيهم بالولاية وتارة بالعزل، وتمرغوا على عتباتهم مرة بعد مرة، فبهذه الوسيلة دخل على أهل العلم بما يصنعه هؤلاء من هذه الهنات الوضيعة والفعلات الشنيعة ما تبكي عيون العلم وأهله، وتقوم عليه النواعي، ويغضب له كل من له حمية دينية وهمة علية، ولو علم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قصدهم من هؤلاء النوكاء، فإنهم ليسوا
_________________
(١) أي بوظائف الدولة.
[ ٢١٧ ]
من أهل العلم ولا بينه وبينهم علاقة ولا فرق بينهم وبين من يطلب الأعمال الدولية التي لا تعلق بها بالعلم.
ومن هذه الحيثية تنازل منصب العلم وتهاون الناس به، لأنهم يرون رجلًا قد لبس لباس أهل العلم وتزيّا بزيهم وحضر مجالسهم، ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ومن لهم قدرة على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزير أو أمير، فتصاغر لهم وتذلَّل وتهاون وتحقَّر، حتى يصير في عداد خدمهم ومن هو في أبوابهم، ثم أعطوه منصبًا من المناصب، فعمل على ما يريدونه منه، وإن خالف الشرع واعتمد ما يرسمونه له وإن كان طاغوتًا بحتًا، فيظن من لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهل العلم كلهم هكذا وأنهم ينسلخون من العلم إذا ظفروا بمنصب من المناصب هذ الانسلاخ، ويمسخون هذا المسخ. ويعود أمرهم إلى هذا المعاد، فيزهد في العلم وأهله، وتنفر عنه نفسه، وتقل فيه رغبته، ويؤثر الحُرف الدنيوية عليه ليربح السلامة من المهانة التي رآها نازلة بهذا المشؤوم الجالب على نفسه وعلى أهل العلم ما جلب من الذل والصغار. وإذا كان ما جناه هؤلاء النوكاء على العلم وأهله بالغًا إلى هذا الحد عند سائر الناس فما ظنك بما يعتقده فيهم من يطلبون منه المناصب بعد أن شاهد منهم ما يشاهده من الخضوع والذلة والانسلاخ عن الشرع إلى ما يريدونه منه، وبذل الأموال لهم على ذلك، ومهاداتهم بأفخر الهدايا، والوقوف على ما يطلبونه منه على أي صفة تراد منهم، وينضم إلى هذا خلوهم عن العلم وجهلهم لأهله الذين هم أهله، فيظنون أن أولئك الذين قصدوهم وتعثروا على أبوابهم هم رؤوس أهله، لما يشاهدونه عليهم من الهيئة واللباس الفاخر الذي لا يجدونه عند المشتغلين بالعلم. فهل تراهم بعد هذا يميلون إلى ما يقوله أهل العلم ويتزجرون بما يوردونه عليهم من الزواجر الشرعية المتضمنة لإنكار ما هو منكر والأمر بما هو معروف والتخويف لهم عن مجاوزة حدود الله. هيهات أن يصغوا لهذا
[ ٢١٨ ]
سمعًا أو يفتحوا له طرفًا، فإلى الله المشتكى، وعليه المعول، فهذا أمر وقع فيه من أهل العصور الأول فالأول. وما أحق أهل العلم الحاملين لحجج الله المرشدين لعباده إلى شرائعه أن يطردوا هؤلاء عن مجالسهم، ويبعدوهم عن مواطن تعليمهم، وأن لا يبذلوا العلم إلا لمن يقدره حق قدره، وينزله منزلته، ويطلبه لذاته ويرغب فيه لشرفه، ويعتقد أنه أشرف مطلب من مطالب الدين والدنيا وأنه يصغر عنده المُلك فضلًا عما هو دونه.
ولا أقول أن أهل العلم العارفين به المطلعين على أسراره يمنعون أنفسهم من المناصب الدينية، وكيف أقول بهذا وهذه المناصب إذا لم تُربط بهم ضاعت، وإذا لم يدخل فيها الأخيار تتابع فيها الأشرار، وإذا لم يقم بها أهل العلم قام بها أهل الجهل، وإذا أدبر عنها أهل الورع أقبل إليها أهل الجور. وكيف أقول هذا وأهل العلم هم المأمورون بالحكم بين الناس بالحق والعدل والقسط، وما أنزل الله وما أراهم الله والقيام بين الناس بحججه والتبليغ لاحكامه وتذكيرهم بما أمر الله بالتذكير به وإرشادهم إلى ما أرشدهم الله إليه، ولأهل القضاء والإفتاء ونحوهما من هذه الأمور أوفر نصيب وأكبر حظ. ولكني أقول أنه ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي، ويتعلمه على الوجه الذي يريده الله منه، معتقدًا أنه أعلى أمور الدين والدنيا راجيًا أن ينفع به عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه. ومن جملة النفع إذا احتاج إليه الملوك وأهل الدنيا أن يلي منصبًا من المناصب فطلبوا منه ذلك وعوّلوا عليه في الإجابة معترفين بحق العلم منقادين إلى ما يوجبه الشرع معظمين لما أوجب الله تعظيمه وكان قد بلغ إلى منزلة في العلم تصلح لذلك المنصب وشهد له أهل العلم بكمال التأهل واحراز عدته فهذا إذا كان الحال هكذا لا يحل له أن يمتنع من الإجابة أو يأبى من قبول ذلك (^١)، فإنه إذا فعل
_________________
(١) يرى المؤلف أيضًا: أنه يجوز للعالم الذي يرى في نفسه الكفاءة والمقدرة على=
[ ٢١٩ ]
ذلك كان تاركًا لما أوجبه الله عليه من القيام بحجته ونشر أحكامه وإرشاد عباده إلى معالمه ونهيهم عن تجاوز حدوده ولا شك أن ذلك من أوجب الواجبات على أهل العلم وأهم المهمات (^١)، ولو جاز ذلك لمن طُلب منهم وعول عليه لجاز لغيره من أهل العلم أن يصنع كصنعه ويسلك مسلكه، فتتعطل معاهد الشرع وتذهب رسومه "ويتخذ الناس رؤساء جهالًا يقضون بغير علم فيَضلون ويُضلون" وذلك من علامات القيامة وأشراط الساعة كما ورد به الخبر الصحيح (^٢).