وأما أهل الطبقة الثالثة وهم الذين يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يتقدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه، من دون قصد منهم إلا الاستقلال بل يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى
_________________
(١) انظر للمؤلف: إرشاد الفحول ص ٢٥١ وما بعدها؛ البدر الطالع ١/ ٨٦ - ٨٧.
[ ٢٢٢ ]
الترجيح. فينبغي تعلم شيئًا من علم الإعراب حتى يعرف به إعراب أواخر الكلم. ويكفيه في مثل ذلك حفظ منظومة الحريري المسماة (الملحة) وقراءة شروحها على أهل الفن. وتدربه في إعراب ما يطلع عليه من الكلام المنظوم والمنثور، ويحفي (^١) السؤال عن إعراب ما أشكل عليه حتى تثبت له بمجموع ذلك ملكة يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناء، وإن لم يعلم بوجوه العلل النحوية ولا عرف الحجج العربية.
ثم يتعلم اصطلاح علم الحديث ويكفيه في مثل ذلك مثل (النخبة) وشرحها. ثم بعد هذا يكب على سماع المختصرات في الحديث مثل (بلوغ المرام) و(العمدة) و(المنتقى). وإن تمكن من سماع (جامع الأصول) أو شيء من مختصراته فعل، فإذا أشكل عليه معنى حديث نظر في الشروح أو في كتب اللغة، وإن أشكل عليه الراجح من المتعارضات أو التبس عليه هل الحديث مما يجوز العمل به أو لا. سأل علماء هذا الشأن الموثوق بعرفانهم وانصافهم ويعمل على ما يرشدونه إليه، استفتاءً وعملًا بالدليل، لا تقليدًا وعملًا بالرأي، ويشتغل بسماع تفسير من التفاسير التي لا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق كتفسير البغوي وتفسير السيوطي المسمى "الدر المنثور". وإذا أشكل عليه بحث من المباحث أو تعارضت عليه التفاسير ولم يهتد إلى الراجح أو التبس عليه أمر يرجع إلى تصحيح شيء مما يجده في كتب التفسير رجع إلى أهل العلم بذلك الفن سائلًا لهم عن الرواية لا عن الرأي.
وقد كان من هذه الطبقة غالب الصحابة والتابعين وتابعيهم (^٢) الذين يقول فيهم النبي ﵌ (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم
_________________
(١) يلح.
(٢) راجع أيضًا: البدر الطالع ٢/ ٨٨؛ إرشاد الفحول ص ٢٦٨.
[ ٢٢٣ ]
ثم الذين يلونهم) (^١). فإنهم كانوا يسألون أهل العلم منهم عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، فيروون لهم في ذلك ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله ﵌، فيعملون بروايتهم لا برأيهم، من دون تقليد ولا التزام رأي، كما يعرف ذلك من يعرفه.
وقد أوضحت هذا إيضاحًا كثيرًا في كتابي الذي سميته (القول المفيد في حكم التقليد) (^٢) فليرجع إليه.