وإذا عرفت ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى من العلوم فلنتكلم الآن في بيان ما ينبغي لأهل الطبقة الثانية من الطبقات المذكورة سابقًا، وهي طبقة من يريد أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره، من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة المرجوع إليهم، كما يتصوره أهل الطبقة الأولى.
فنقول: صاحب هذه الطبقة الثانية هو من يطلب ما يصدق عليه مسمى الاجتهاد ويسوِّغ به العمل بأدلة الشرع، وهو يكتفي بأن يأخذ من كل فن من
_________________
(١) = الإصلاح أن يطلب "الولاية" لنفسه، حيث يقول في تفسير قوله تعالى - على لسان يوسف ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف/٥٥): وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه" (فتح القدير ٣/ ٣٥).
(٢) ولهذا السبب قبل المؤلف منصب القضاء، راجع عن ظروف توليه لهذا المنصب في: البدر الطالع ١/ ٤٦٤ - ٤٦٦، ٢/ ٢٢٤، التقصار ص ٢٤ - ٢٥، ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٣) سبق تخريجه ص ١٣٣ (هامش).
[ ٢٢٠ ]
فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علمًا يستغني به عن الحاجة إليه، أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه، فيشرع بتعلم علم النحو حتى تثبت له فيه ملكة يقتدر بها على معرفة أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً. وأقل ما يحصل له ذلك بحفظ مختصر من المختصرات المشتملة على مهمات مسائل النحو والمتضمنة لتقرير مباحثه على الوجه المعتبر، كالكافية لابن الحاجب، وقراءة شرح من شروحها المختصرة، وأحسنها بالنسبة إلى الشروح المختصرة شرح الجامي (^١). فإنه ينتفع به الطالب انتفاعًا لا يجده في غيره من مختصرات الشروح. ثم يحفظ مختصرًا في الصرف كالشافية لابن الحاجب، وقراءة شرح من شروحها المختصرة، وأحسنها شرح الجاربردي (^٢). ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات علم المعاني والبيان كالتلخيص للقزويني، وقراءة شرح من شروحه المختصرة كشرح السعد المختصر.
ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات الأصول وقراءة شرح من شروحه. وأنفع ما ينتفع به الطالب الغاية للحسين بن القاسم وشرحها له. فإنهما، مع المبالغة في الاختصار، قد اشتملا على ما حوته غالب المطولات الكبار.
ثم يشتغل بقراءة تفسير من التفاسير المختصرة كتفسير القاضي البيضاوي (^٣) مع مراجعة ما يمكنه مراجعته من التفاسير. ثم يشتغل بسماع ما لا بد من سماعه من كتب الحديث، وهي الست الأمهات فإن عجز عن ذلك اشتغل بسماع ما هو مشتمل على ما فيها من المتون كجامع الأصول، ثم لا
_________________
(١) هو نور الدين عبد الرحمن الجامي المتوفى سنة ٨٩٨ (الحبشي).
(٢) هو أحمد بن الحسن الجاربردي المتوفى سنة ٧٤٦. (الحبشي).
(٣) هو عبد الله بن عمر البيضاوي المتوفى سنة ٧٨٥ وتفسيره يسمى (أنوار التنزيل وأسرار التأويل. (الحبشي).
[ ٢٢١ ]
يدع البحث عن ما هو موجود من أحاديث الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ إليه طاقته، ويبحث عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مظنة للكلام عليها من الشروح والتخريجات، ويكون مع هذا عند ممارسته لعلم اللغة على وجه يهتدي به في البحث عن الألفاظ العربية واستخراجها من مواطنها، وعنده من علم اصطلاح الحديث وعلم الجرح والتعديل ما يهتدي به إلى معرفة ما يتكلم به الحفاظ على أسانيد الأحاديث ومتونها (^١).
فمن علم بهذه العلوم علمًا متوسطًا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها صار مجتهدًا مستغنيًا عن غيره، ممنوعًا من العمل بغير الدليل، وعليه أن يبحث عند كل حادثة يحتاج إليها في دينه عن أقوال أهل العلم وكيفية استدلالهم في تلك الحادثة، وما قالوه وما رُدَّ عليهم به، فإنه ينتفع بذلك انتفاعًا كاملًا، ويضم إلى علمه علومًا وإلى فهمه فهومًا، وهو وإن قصر عن أهل الطبقة الأولى فليس بمحتاج فيما يتعلق به من أمر الدين إلى زيادة على هذا المقدار، ويختلف الانتفاع بالعلوم، باختلاف القرايح والفهوم، فقد ينتفع من هو كامل الذكاء، صادق الفهم، قوي الإدراك بالقليل ما لا يقتدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامدي الفهم راكدي الفطنة.