وأما الطبقة الرابعة الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع، كما يفعله من يريد أن يكون مدركًا لصناعة من الصناعات التي لها تعلق بالعلم، وذلك كمن يريد أن يكون شاعرًا ومنشئًا أو حاسبًا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل به إلى ذلك المطلب.
فمن أراد أن يكون شاعرًا تعلم من علم النحو والمعاني، والبيان ما يفهم به مقاصد أهل هذه العلوم. ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه، والبحث عن نكته وأسراره، وعلم العروض والقوافي، ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها. ثم أشعار أهل الطبقة الأولى من أهل الإسلام كجرير [ت ١١٠ هـ] والفرزدق [ت ١١٠ هـ] وطبقتهما. ثم أشعار مثل بشار بن برد [ت ١٦٧ هـ] وأبي نواس
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم: اللؤلؤ والمرجان ٣/ ١٨٠ - ١٨١ (١٦٤٦ - ١٦٤٧)؛ الترمذي (٢٣٠٢ - ٢٣٠٣)؛ ابن ماجه ٢٣٦٢.
(٢) هذا الكتاب من كتب المصنف ﵀ طبع في مصر سنة ١٣٤٠ هجرية بإشراف الشيخ محمد المنيري. (الحبشي).
[ ٢٢٤ ]
[ت ١٩٨ هـ] ومسلم بن الوليد (^١) وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام [ت ٢٣١ هـ] والبحتري [ت ٢٨٤ هـ] والمتنبي [ت ٣٥٤ هـ] ثم أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة، ويستعين على فهم ما استصعب عليه بكتب اللغة، ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب كيتيمة الدهر (^٢) وذيولها (^٣) وقلائد العقيان (^٤) وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب كالريحانة (^٥) والنفحة (^٦). وكما يحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكون شاعرًا فهو يحتاج إليه أيضًا من أراد أن يكون منشئًا مع احتياجه إلى الاطلاع على المثل السائر لابن الأثير، والكامل للمبرد (^٧)، والأمالي للقالي (^٨)، ومجاميع خطب البلغاء ورسائلهم، خصوصًا مثل ما هو مدوّن من بلاغات الجاحظ (^٩) والفاضل (^١٠) والعماد (^١١) وأمثالهم، فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع.
_________________
(١) الملقَّب بصريح الغواني (ت ٢٠٨ هـ) (حواشي هذه الصفحة والتي يليها حتى ص ٢٢٧ للأستاذ الحبشي).
(٢) يتيمة الدهر كتاب شهير في الأدب تأليف أبي منصور عبد الملك ابن محمد الثعالبي المتوفي سنة ٤٣٠.
(٣) من أشهر ذيول اليتيمة كتاب دمية القصر للباخرزي وكتاب خريدة القصر للعماد الأصفهاني وغيرهما.
(٤) قلائد العقيان كتاب في الأدب من تأليف الفتح بن خاقان المتوفى سنة ٥٣٥.
(٥) هو ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا تأليف أحمد الخفاجي المتوفى سنة ١٠٦٩.
(٦) ويسمى نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة تأليف محمد بن أمين المحبي المتوفى سنة ١١١١.
(٧) هو محمد بن يزيد المتوفى سنة ٢٨٦.
(٨) هو أبو علي إسماعيل بن القاسم المتوفى سنة ٣٥٦.
(٩) يقصد بذلك البيان والتبيين للجاحظ.
(١٠) هو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني المتوفى سنة ٥٩٦.
(١١) هو عماد الدين محمد بن محمد الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧.
[ ٢٢٥ ]
ومن أراد أن يكون حاسبًا اشتغل بعلم الحساب، ومؤلفاته معروفة، وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم الرياضي، وهو علم يُعرف به أحوال الكمّ المتصل والمنفصل، والعلم الطبيعي، وهو العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد. والعلم الإلهي، وهو العلم الباحث عن أحوال الموجود بما هو موجود، مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد. وهكذا علم الهندسة، وهو العلم الباحث عن مقادير الأشياء كمًّا وكيفًا ومبادية الأشكال، فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي والطبيعي والإلهي والهندسة صار فيلسوفًا. والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له، لأنه يعلم أنه لا سبيل للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع، وإن كل باب غير هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة.
ومن كان مريدًا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس، فإنها أنفع شيء في هذا الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل. وقد انتقى منها جماعة من المتأخرين ستة عشر كتابًا وشرحوها شروحًا مفيدة. فإن تعذر عليه ذلك فاكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات والمركبات والعلاجات كتاب (القانون) لابن سينا (^١) و"كامل الصناعة" المشهور "بالملكي" لعلي بن العباس (^٢). ومن أنفع المختصرات في هذا الفن الذخيرة لثابت بن قرة (^٣)، فإنها قد تضمنت من العلاجات النافعة
_________________
(١) هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ هـ وكتابه مطبوع ومتداول.
(٢) هو علي بن عباس المجوسي عالم بالطب من الأهواز توفي سنة ٤٠٠ هـ تقريبًا وكتابه مطبوع في أوربا.
(٣) هو ثابت بن قرة بن زهرون الحراني طبيب وحاسب وفيلسوف توفي سنة ٢٨٨ وكتابه الذخيرة في الطب، طبع في أوربا.
[ ٢٢٦ ]
والأدوية المجربة مع اختصارها ما هو قائم مقام كثير من المطولات ومن أنفع ما في هذا الفن باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات تذكرة الشيخ داود الأنطاكي (^١). ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيًا عن غيره، ولكنه انقطع بعد أن شرع في الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف الطاء ثم انقطع الكتاب. ومن انفع الكتب في هذا الفن "الموجز" (^٢) وشروحه.
وبالجملة: فمن كان قاصدًا إلى علم من العلوم، كان عليه أن يتوصل إليه بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها، المحررة أحسن تحرير، المهذبة أبلغ تهذيب، وقد قدَّمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه، وكثيرًا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة، ولم تكن له في غيره رغبة، ولا عنده لما سواه نشاط، فأقرب الطرق إلى إدراك مقصده ونيل مأربه أن يبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب كالكنز (^٣) في مذهب الحنفية، والمنهاج (^٤) في مذهب الشافعية. فإذا صار ذلك المختصر محفوظًا له متقنًا على وجه يستغني به عن حمل الكتاب، شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ذلك الفن، حتى يكون جامعًا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه، مع كونه مكررًا لدرسه، متدبرًا لمعانيه، الوقت بعد الوقت، حتى يرسخ حفظه رسوخًا يأمن معه من التفلت.
_________________
(١) هو الشيخ داود بن عمر الأنطاكي من علماء الطب توفي سنة ١٠٠٨ هـ.
(٢) هو كتاب موجز في الأسباب والعلامات اختصره من كتاب القانون تأليف ابن النفيس المتوفى سنة ٦٨٧.
(٣) هو كتاب كنز الدقائق تأليف عبد الله بن أحمد النَّسَفي المتوفى سنة ٧١٠.
(٤) هو كتاب منهاج الطالبين تأليف يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦.
[ ٢٢٧ ]
ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ، ثم يترقى إلى ما هو أكثر منه فوائد وأكمل مسائل. ثم يكبّ على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من المسائل خارجًا عن ذلك المختصر الذي قد صار محفوظًا له إليه على وجه يستحضره عند الحاجة إليه، ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع. فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتلقيح فكره بشيء من مختصرات النحو ومجاميع الأدب، حتى تثبت له الفقاهة الصورية. وأما الفقاهة الحقيقية فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين.
[ ٢٢٨ ]