ومن جملة الأسباب المانعة من الإنصاف: التقليد في علم الجرح والتعديل لمن فيه عصبية من المصنفين فيه كما يجده اللبيب كثيرًا. فإنه إذا تصدى لذلك بعض المصابين بالتقليد كان العدل عنده من يوافقه في مذهبه الذي يعتقده. والمجروح من خالفه كائنًا من كان. ومن خفي عليه فلينظر ما في مصنفات الحفاظ بعد انتشار المذاهب وتقيد الناس بها (^١).
_________________
(١) = البعض بما ورد عن الشارع من النهي عن قبول شهادة الخصمين على عداوة ويضيف: وأي عداوة أعظم من عداوة أهل المذاهب، الأنفاس الرحمانية اليمنية في أبحاث الإفاضة المدنية (مخطوط ضمن مجموع رسائل ابن الأمير) ق ٢١٩؛ راجع أيضًا لابن الأمير: توضيح الأفكار ٢/ ١٤٦ وما بعدها؛ السبكي معيد النعم ص ٦٢، المقبلي، العلم الشامخ ص ٢٠٥.
(٢) استشهد تاج الدين السبكي (ت ٧٧١ هـ) على أثر الاختلاف المذهبي في حمل المؤرخين على التعصب وعدم الإنصاف بحالة شيخه الذهبي فيقول: "وغالب ما يؤتي هؤلاء (أي المؤرخين) من المخالفة في العقائد فقل أن ترى من الحنابلة إلّا ويضع من الأشاعرة، وهذا شيخنا الذهبي كان سيد زمانه في الحفظ مع الورع والتقوى، مع ذلك يعمد إلى أئمة الإسلام من الأشاعرة فيظهر عليه من التعصب عليهم ما ينفِّر القلوب، وإلى طائفة من المجسمة فيظهر عليه من نصرتهم ما يوجب سوء الظن به، وما كان والله إلا تقيًا نقيًا، ولكن حمله التعصب واعتقاده أن مخالفه على خطأ وقل أن ترى أشعريًا من الشافعية والحنفية إلا ويبالغ في الطعن على هؤلاء (أي الحنابلة)، ويصرح بتكفيرهم" معيد النعم ومبين النقم ص ٧٠.
[ ١٧٠ ]
وكذلك ما في كتب المؤرخين فإن الموافقة في المذهب حاملة على ترك التعرض لموجبات الجرح وكتم الأسباب المقتضية لذلك فإن وقع التعرض لشيء منها نادرًا أكثر المصنف من التأويلات والمراوغات والتعسفات الموجبة لدفع كون ذلك الخارج خارجًا. وإن كان الكلام على أحوال المخالف كان الأمر بالعكس من ذلك فالفضائل مغموطة، والرذائل منشورة من غير تأويل ولا إحسان ظن.
وبالجملة: فالاهتمام في الموافق بذكر المناقب دون المثالب. وفي المخالف بالعكس من ذلك. ولا أقول إنهم يتعمدون الكذب ويكتمون الحق فهم أعلى قدرًا وأشد تورعًا من ذلك. ولكن رسخ في قلوبهم حب مذاهبهم فأحسنوا الظن بأهلها (ونفرت أنفسهم عن مذاهب غيرهم فأساؤوا الظن بأهلها) (^١) فتسبب عن ذلك ما ذكرنا ولم يشعروا بأن هذا الصنيع من أشد التعصب وأقبح الظلم. بل ظنوا أن ذلك من نصرة الدين ورفع منار المحقين ووضع أمر المبطلين غفلة منهم وتقليدًا. وقد يقع ذلك بين أهل المذهب الواحد مع اتفاقهم في التقليد لإمام واحد واعتقادهم بمعتقد واحد. فإذا تصدى أحدهم لتراجم أهل مذهبه أطال ذيل الكلام عند ذكر شيوخه وتلامذته بكل ما يقدر عليه. وكذلك يوسع نطاق المقام عند ترجمته لمن له عليه أي يد كانت فإذا ترجم غير شيوخه/ وتلامذته وأهل مودته طفف لهم تطفيفًا. وأوسعهم ظلمًا وحيفًا. وإذا كان هذا مع الاتفاق في المذهب والمعتقد فما ظنك بما يكون مع الاختلاف في المذهب والاتفاق في التسمي باسم واحد أما باعتبار الاعتقاد أو باعتبار أمر آخر كأهل المذاهب الأربعة، فإنهم اختلفوا في المذاهب مع اتفاقهم على أنهم أهل السنة، واشتراك غالبهم في اعتقاد قول الأشعري. فإن دائرة الأهوية حينئذ تتسع. ومحبة العصبية تكثر. كما
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ب).
[ ١٧١ ]
تراه كثيرًا في تراجم بعضهم لبعض خصوصًا فيما بين الحنابلة ومن عداهم من أهل المذاهب الأربعة (^١). وكذلك فيما بين الحنفية ومن عداهم. ومن نظر في ذلك بعين الإنصاف علم بالصواب.
دع عنك ما يقع مع الاختلاف في المذاهب والمعتقدات، فإنه يبلغ الأمر إلى عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة. فطالب الإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب والنحل. فَيَقْبَلون جميعًا إلا أن يكون ما جاء به المتمذهب مقويًا لبدعته. أو كان على مذهب لا يرى بالكذب فيه بأسًا كما هو عند غلاة الرافضة (^٢). وأما ما عدا الجرح والتعديل بالمذاهب والمعتقدات، فإن كان المتكلم في ذلك بريئًا عن التمذهب والتعصب كما يُروى عن السلف قبل انتشار المذاهب، فأحرص عليه واعمل به على اعتبار صحة الرواية وصدوره في الواقع، وإما باعتبار كونه جارحًا أو غير جارح فذلك مفوض إلى نظر المجتهد. والذي ينبغي التعويل عليه أن القادح إن كان يرجع إلى أمر يتعلق بالرواية كالكذب فيها وضعف الحفظ والمجازفة فهذا هو القادح المعتبر. وإن كان يرجع إلى شيء آخر فلا اعتداد به وإن كان المتكلم متلبسًا بشيء من هذه المذاهب فهو مقبول في جرح من يجرحه من الموافقين له وتزكية من يزكيه من المخالفين له. وأما إذا جاء بما يقتضي تعديل الموافق وجرح المخالف، فهذا مما ينبغي التوقف فيه حتى
_________________
(١) راجع على سبيل المثال ترجمة أبي حنيفة عند يعقوب بن يوسف البسوي (الفسوي) (ت ٢٧٧ هـ) في كتابه المعرفة والتاريخ، تحقيق: أكرم ضياء العمري، بغداد: وزارة الأوقاف (١٩٧٥) ٢/ ٨٧٢ وما بعدها فأغلب الظن أن المؤلف لو ترجم للشيطان في كتابه لما زاد عن أن ينعته بما نعت به أبا حنيفة.
(٢) يذكر أصحاب علوم الحديث أن فرقة من هذه الفرق تسمى "الخطابية" كانت تجيز وضع الحديث لنصرة مذهبهم كما كانت تجيز الكذب وشهادة الزور على مخالفيهم، راجع توضيح الأفكار ٢/ ٧٥ - ٧٦.
[ ١٧٢ ]
يعرف من طريق غيره أو يشتهر اشتهارًا يقبله سامعه (^١)