بقلم الأستاذ الدكتور / إبراهيم السامرائي
عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة
أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة صنعاء
هذا كتاب للإمام الشوكاني قد خفي أمره وطُوي خبره عن كثير من أهل الدرس. وهو كتاب يأتي في آخر سلسلة من كتب المعرفة التربوية التاريخية التي سآتي على طرف منها في هذا الموجز.
لقد عرف أهل عصرنا عبارات جديدة مولّدة هي "تاريخ الأدب الجاهلي" و"تاريخ الأدب الإسلامي" و"تاريخ الأدب العباسي" وهذا كان دأبهم حتى عصرنا هذا الذي كثر فيه "تاريخ الأدب" الذي وصفوه بالحديث والمعاصر والقصصي ونحو هذا. وقد تجد "تاريخ الأدب الأندلسي" منسوبًا إلى الأندلس وكذلك نسبوا إلى الأقاليم فقالوا: "تاريخ الأدب المغربي" ومثله التونسي والمصري والشامي والعراقي.
أقول: وهذا كله مأخوذ مما وجدناه لدى الغربيين Histoir de Litérature.
وأعود إلى "الأدب" في كتاب الإمام الشوكاني فأجده غير هذا الذي قصره أهل عصرنا على حديث الشعر والنثر وما يتصل بهما من قريب أو بعيد.
[ ٩ ]
إن "الأدب" في كتاب الإمام الشوكاني قد أضيف إلى "الطلب" و"الطلب" هنا هو "التعلّم" الذي يضطلع به "طالبه" وهو المتلقي للعلم من الشيخ المعلم الأستاذ. ومن هنا كان هذا كله في "الكتاب" و"الطالب" عملًا بل صنعة "تربوية".
ويكون "الأدب" في هذا ما يلزم الطالب من مواد وطرائق يصل فيها إلى مراده وعلى هذا فلنا أن نعدّ الأدب "الصنعة الخاصة التربوية" التي يأخذ بها "الطالب" نفسه.
وهذه "الصنعة الخاصة" تقتضيه نظامًا ورسومًا يلتزم بها للوصول إلى ما يريد.
فهل كان الإمام الشوكاني أوّل من بدأ هذا المصطلح الذي لا يمت بوشيجة من رحم إلى الشعر والنثر وما يتصل بهما؟
والجواب عن هذا أن الشوكاني درج على ما درج عليه المتقدمون من أهل العلم الذين ذهبوا إلى هذا "المصطلح"، وكأن هؤلاء جميعًا قد أفادوا من الأثر الشريف وهو قول الرسول الكريم: "أدَّبني ربّي فأحسَن تأديبي".
والفعل "أدّب" ومصدره "التأديب" في قول الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - يتجاوزان ما هو مندرج في "الصنعة التربوية" إلى معنى "التهذيب" و"التقويم" وما يكون من هذا.
وكأنَّ هذه الدلالة هي التي بقيت لنا، نحن أهل هذا العصر، حين نقول: "إن الرجل مؤدب" أي أنه على جانب من الخلق الكريم، وحين نقول "الآداب العامة" ونحو هذا مما يقال في عربيتنا المعاصرة وفي الألسن الدارجة.
ولم يرد شيء من مادة "أدب" في لغة التنزيل العزيز.
[ ١٠ ]
وأعود إلى ما كان لدى المتقدمين فأجد لابن قتيبة من اللغويين السابقين كتابًا هو "أدب الكاتب" و"أدب الكاتب" هذا من كتب التعليم والتقويم وملاك الأمر فيه أن حبسه على ما يقتضي الكاتب في سلوكه لصنعة الكتاب من تقويم اللسان والقلم ومعرفة الصحيح والصواب والمعدول عن الصحة والصواب، وتزويد طالب العلم ليصل إلى صنعة "الكتابة" بالأصول والقواعد والضوابط وبسط الأمثلة والنماذج من فصيح العربية أمام هذا المتعلم الجاد.
وكأن هذا "الكتاب" الذي صنّفه ابن قتيبة قد وجد مكانه لدى أهل العلم، ولذلك عده ابن خلدون من الكتب الأساسية في ثقافة الدارسين وقد أشار إلى هذا في "المقدّمة". لقد تصدّى لهذا الكتاب الجليل اللغوي الأندلسي ابن السيد البطليوسي فشرحه وأضاف وضبط ما كان فيه من أقوال فكان له "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب".
لقد كان لعلماء العربية نصيبهم في هذه الصنعة التربوية وكتاب "إصلاح المنطق" لابن السكيت شيء من هذا، ذلك أن "الإصلاح" يعني ما نقول في عصرنا من "تصليح"، وهو مرادف أو قريب من "تصحيح".
ولأبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب كتاب "الفصيح" وهو كتاب قصد إليه في هذه "الصنعة التربوية". وكأن من خلف أبا العباس قد تصدوا لهذا الكتاب فشرحوه وبينوا ما كان لهم عليه من اعتراضات فجاء إلينا من هذا كله جملة كتب في "شرح الفصيح" لابن السيد البطليوسي ولآخرين. وكان من هذه كتاب "تصحيح الفصيح" لابن درستويه.
وأعود إلى مصطلح "الأدب" فأجد فيه مما ورثنا كتاب "أدب الدنيا والدين" وهو في هذه الصنعة الخاصة، كما أجد كتاب "أدب العالم
[ ١١ ]
والمتعلم" (^١) وهو فيما ينبغي للعالم وللمتعلّم معرفته والإحاطة به.
ثم آتي إلى "أدب الكتاب" للصولي الذي حبسه على حاجة من تصدّى الصنعة الكتابة في الدواوين وغيرها، فكان له في أدوات الكتابة من القلم والدواة والقرطاس مادة مفيدة إلى غير ذلك من الفوائد التي لا غنى لطالب هذه الصنعة منها.
وأنت واجد في كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ فوائد تتصل بما نحن فيه. على أننا لا نعدم أن نجد من استعمل "الأدب" و"الآداب" وأراد بهما صنعة الشعر والنثر والشاعر والناثر، ومن هذا كتاب "زهر الآداب" للحصري القيرواني، وكتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" لضياء الدين بن الأثير.
على أننا نجد لابن السمعاني كتابًا في "أدب الإملاء والاستملاء" يعرض فيه لقواعد الرواية وطرائقها وشروطها، وهذا يدخل في هذه الصنعة التعليمية.
ومن المفيد أن أشير إلى أن مادة "أدب" التي انصرفت إلى العملية التربوية وما يتصل بها من تهذيب و"تقويم"، قد احتملت شيئًا من العقاب. ومن هنا كان من لوازم "المؤدّب" أن يعرف وسائل ضبط التلميذ أو الطالب بغية تقويمه، ومن هذه الوسائل العقوبة على اختلاف النظر إليها.
وما زال معنى، العقاب معروفًا في كلمة "أدب" في لغة المعربين.
ويحسن بي أن أشير هنا إلى مصطلح آخر أخذ من مصطلح "الأدب" بعض الشيء وهو مصطلح "سياسة".
_________________
(١) ومؤلفه ابن جماعة.
[ ١٢ ]
أقول" ربما ضاق أهل هذا العصر في هذا المصطلح فقصروه على سلوك وتطبيق ولاة الأمر من الرؤساء والملوك وغيرهم في المسائل التي تخص الدول وعلاقة الدولة بغيرها من الدول.
إن مصطلح "السياسة" قد بدأ مستعارًا من "سياسة الخيل" على يد السائس المروِّض إلى "سياسة الصبي" وتقويمه وتربيته وكان من هذا كتاب "سياسة الصبيان" للونشريسي. على أننا لا نعدم أن نجد شيئًا من معناها المعاصر في بعض ما ورثناه من مصادر التاريخ (^١).
أقول: هذه نبذة يسيرة دعاني إليها وحفزني كتاب "أدب الطلب" (^٢) للإمام الشوكاني.
إبراهيم السامرائي
_________________
(١) أقول: وكتاب "الإمامة والسياسة" المنسوب خطأً لابن قتيبة. لقد أوضح هذا الأمر فكان فيه مقطع الرأي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري في بحث مفيد نشر في مجلة كلية الآداب ببغداد منذ ما يقرب من ربع قرن.
(٢) أقول: والطلب هو طلب العلم. ولي هنا أن أثبت أن مصطلح "الطالب" في المعجم التربوي ليس من صنع التربويين في عصرنا، بل إنه قديم.
[ ١٣ ]
القسم الأول: