يقترح المؤلف منهجًا تعليميًا يتناسب وحاجة كل فئة من فئات المتعلمين، على اختلاف مقاصدهم، ومستوياتهم وميولهم واتجاهاتهم الفكرية، فقد قَسَّم المتعلمين إلى فئتين أو طبقتين بحسب تعبيره:
الأولى: طلاب العلوم الشرعية، الثانية: طلاب العلوم التخصصية - غير الشرعية - مثل الأدب، والطب، والهندسة، والمحاسبة والإدارة .. إلخ.
وقسَّم طلاب الفئة الأولى من حيث الغايات أو الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه من التعليم، إلى ثلاث فئات:
- الأولى: الراغبون في الوصول إلى مرحلة الاجتهاد المطلق، والمتطلعين إلى إفادة الآخرين من علمهم بالتدريس أو التأليف.
- الثانية: الراغبون في الوصول إلى مرتبة الاجتهاد، ولكنهم لا يطمحون إلى التأليف وإفادة الغير، بل ليستغنوا باجتهادهم عن غيرهم.
- الثالثة: وهم الذين يهدفون من وراء التعليم إلى إصلاح ألسنتهم
[ ٥١ ]
وتقويم أفهامهم بما يقدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع، دون قصد إلى الاستقلال بأنفسهم، بل يعولون على السؤال عند التعارض، أو الاحتياج للترجيح.
ويقترح المؤلف لكل فئة من فئات المتعلمين، المنهج التعليمي الملائم لها الذي يحقق هدفها المنشود من التعليم، والسِّمة الأساسية التي تميز هذه المناهج التي يقترحها المؤلف:
- أنها تساعد على تنيمة التفكير العلمي الذي يستند على الفهم والتقويم والنَّقد والتحرر من قيود التقليد، وتؤهل الطالب/ الباحث إلى الاعتماد على النفس في البحث والوصول إلى المعنى والاستقلال في التفكير وفي تكوين آرائه وأحكامه، والوصول إلى الإبداع الفكري والتجديد (^١). فكما رَكَّز الشوكاني في الفصل السابق، على توضيح العوائق التي تحول بين الإنسان وبين التفكير العلمي الصحيح، وتحول أيضًا دون الاستفادة من مصادر العلم والمعرفة، فقد ركَّز في هذا الفصل على ضرورة إمتلاك الطالب لمهارات التعليم الذاتي، فلا حاجة للمتعلم إلى تكديس وحفظ المعلومات عن أي علم بقدر ما يحتاج إلى اكتساب المهارات التي تتيح له فرصة الاستقلال بنفسه والمقدرة على مواصلة البحث والتوسع في الموضوع أو العلم الذي يريد التوسع أو البحث فيه، ويكفي الطالب للوصول إلى هذه المرحلة "أن يأخذ من كل فن من فنون الاجتهاد بنصيب يعلم به ذلك الفن علمًا يستغني به عن الحاجة إليه، أو يهتدي به إلى المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه" (ص ٢٢٠ - ٢٢١).
ويقول في البدر الطالع عن القدر الذي يكتفي به طالب "الطبقة
_________________
(١) د. عبد الغني قاسم/ الإمام الشوكاني حياته وفكره ص ٥١٤، ٥٣٣.
[ ٥٢ ]
المتوسطة" من العلوم التي تؤهله للوصول إلى مرحلة الاجتهاد، ففي علوم اللغة مثلًا "يكفيه من علم مفردات اللغة مثل القاموس، وليس المراد إحاطته به حفظًا بل المراد الممارسة لمثل هذا الكتاب أو ما يشابهه على وجه يهتدي به إلى ما يطلبه عند الحاجة" (^١).
ويقول بعد عرضه لعلوم الاجتهاد (اللغة وعلم الأصول) التي ينبغي لطالب "الطبقة المتوسطة" أن يُلمَّ بها: "فمن علم بهذه العلوم علمًا متوسطًا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها صار مجتهدًا مستغنيًا عن غيره. . ." (ص ٢٢٢).
- كما إن هذه المناهج التي يقترحها كفيلة بتحقيق الإنفتاح الفكري على كل العلوم والفنون، وعلى كافة الإتجاهات الفكرية، والمذهبية السائدة في عصر الشوكاني وتساعد على تجاوز كل ألوان التعصب، وخلق الإنسجام والتسامح الفكري في صفوف الأمة، إذ أن الشوكاني يريد من المتعلم، وخاصة من يريد أن يصل إلى المرتبة الأولى في الاجتهاد، أن يكون واسع الأفق غزير الاطلاع موسوعي الثقافة فلا يستبعد أي علم أو فن، حتى وإن كان ذلك العلم بعيدًا عن نطاق تخصصه فإنه لا بد سيستفيد منه في مجال تخصصه، لأن العلوم والمعارف متداخلة ومتكاملة فقد يتوصل من خلال معرفة أي علم، إلى معرفة فن آخر من فنون العلم، ويؤكد على أن العلوم غير الدينية كالأدب والمنطق وعلوم الفلسفة والكلام لا تتعارض مع الشريعة، (ص ٢٢٦) ولهذا يحثّ الطالب الباحث على ألا يستبعد أي علم أو فن، ولا يُصغي أو يلتفت إلى أي نقد أو تشنيع من أي عالم على أي علم من العلوم، فعن علم الكلام يقول: "وإيَّاك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم في التنفير عنه والتزهيد فيه، والتقليل
_________________
(١) البدر الطالع ٢/ ٨٦ - ٨٧؛ وانظر كذلك: إرشاد الفحول ص ٢٥١ وما بعدها.
[ ٥٣ ]
لفائدته، فإنك إن عملت ذلك وقبلت ما يقال لك كنت مقلدًا. . بل أعرفه حق معرفته وأنت بذلك مفوض فيما يقوله من قدح أو مدح" (ص ١٩٧) ويقول عن بقية العلوم غير الشرعية "وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به، ولا سيما من رشح نفسه للطبقة العلية .. ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها شعبة من التقليد، وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك واختر لنفسك ما يحلو، وليس يخشى على من ثبت قدمه في علم الشرع من شيء .. فاشتغل بما شئت واستكثر من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت. ." (ص ٢٠٧).
ويؤكد أن معاداة السابقين لبعض العلوم وتنفير الناس عنها صادرة عن جهل منهم لتلك العلوم لأن من جهل شيئًا عاداه: "وإني لا أعجب من رجل يدَّعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطَّعن في أي علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه .. وقد رأينا كثيرًا ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع فإذا سمع مسألة عن فن من الفنون التي لا يعرفها كعلم المنطق والكلام والهيئة ونحو ذلك نفر منه طبعه ونفَّر عنه غيره. ." (ص ٢٠٨).
ويضيف، بأن فائدة العلوم (غير الشرعية) لا تقتصر على فائدتها العلمية، بل تتعدى فوائدها إلى المتعلم نفسه، فهي تساعد على تكوين شخصيته وصقل مواهبه، وتنمي لديه ملكة الفهم والاستيعاب، وتشحذ الذهن وتوسع مدارك العقل .. إلخ. فالشعر "يفيده قوة إدراك وصحة فهم وسيلان ذهن" (ص ٢٠٦) والأدب والنحو يساهم "في تهذيب فهمه وتلقيح فكره" (ص ٢٢٨) والعلوم الطبيعية والتطبيقية كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب "هي من أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح
[ ٥٤ ]
ويزيد القلب سرورًا والنفس انشراحًا ص (٢٠٧) ومن ناحية ثانية يحث الشوكاني طلبة العلم على ألّا يتقوقعوا على مذهبهم، ويقتصروا في دراستهم واطلاعهم عليه، بل يجب عليهم الانفتاح والإطلاع على كل ما لدى الآخرين من أصحاب المذاهب الأخرى، سواء أكان ذلك في علم الأصول (علم الكلام) أو الفروع (الفقه) ولا يكتفي بالاطلاع على كتب المشهورين منهم فقط، لأن الباحث قد يتحصل على فوائد عند من كان أقل علمًا أو أقل شهرة لا توجد في مؤلفات المشهورين" (ص ٢٠٤ - ٢٠٥).
وينصح الباحث بضرورة الإطلاع على آراء كافة الفرق والمذاهب ومعرفة وجهة نظرها وفكرها الحقيقي من مصادرها هي لا من مصادر غيرها (ص ١٩٦ - ١٩٧).
والخلاصة: فإن هذه النظرة الانفتاحية التي تميز فكر الشوكاني بخاصة والمذهب الزيدي بعامة هي من الأهمية بمكان، سواء أكان ذلك في عصر الشوكاني أم في عصرنا، لأن الجمود والتخلف الذي لحق بالمسلمين منذ عدة قرون ولا نزال نعاني منه حتى الآن، يرجع قسم كبير منه إلى قصر النظر وضيق الأفق الذي أفرزه التقليد والتعصب المذهبي، فقد ابتدأت أوائل مظاهر هذا الضيق، في القرنين الثالث والرابع الهجري - والحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها - عندما بدأ الصراع والتنافس بين التيارين الفكريين الرئيسيين "أهل الأثر" و"أهل الرأي" ولجوء "أهل الأثر" والمتمثل في تيار السلف وأصحاب الحديث إلى تنفير الناس من علوم الرأي وخاصة علم الكلام، والتشديد في الأنكار على من يتعلمه أو ينظر فيه (^١).
وتلى ذلك في مرحلة لاحقة، وهي مرحلة تبلور الفرق والمذاهب الإسلامية واشتداد الصراع فيما بينها وادعاء كل فرقة بأن رأيها أو اجتهادها
_________________
(١) راجع هامش (١) ص ١٩٧ فيما يأتي من هذا الكتاب.
[ ٥٥ ]
هو الصواب، وأنها هي الفرقة الناجية، بأن قامت كل فرقة بحثّ أو إلزام أتباعها على الاقتصار على دراسة كتب الفرقة نفسها وتنفيرهم عن الاطلاع على أي من كتب أو أراء الفرق الأخرى المنافسة أو المخالفة لها، التي تصفها بالإبتداع والضلال.
كما شهدت مرحلة التراجع الحضاري بعد غلق باب الاجتهاد وتوقف الإبداع، تصاعد الدعوات المنفرة من العلوم غير الشرعية، وحث الناس على الاقتصار على علوم الشرع دون غيرها، وكان شعارهم في تلك المرحلة:
العلم قال الله قال رسوله … وما عداهما فوسواس الشياطين"
فقد كان لهذه الأفكار والنظرة الضيقة آثارها السيئة في تشكيل وعي واتجاهات الأجيال اللاحقة، وفي التهيئة للكسل العقلي والجمود الفكري. فالمعروف أنه بعد إغلاق باب الاجتهاد ورسوخ التقليد المذهبي لم تعد مهمة العلماء والمفكرين مقتصرة على الاهتمام بالقرآن والسنة، واستنباط الأحكام منهما، كما يفترض من تلك الإدعاءات، بل انشغل المتعلمون بحفظ المتون والمختصرات والشروح التي ألفها فقهاء مذاهبهم، واقتصرت مهمة القادرين على التأليف على اجترار ومحاكاة أسلافهم، إما على اختصار تلك المطولات، أو شرح المختصرات ووضع الحواشي على تلك الشروح … إلخ، حتى نسي الناس - كما يقول عبد الواحد المراكشي (^١) - النظر في
_________________
(١) قال عبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧ هـ) عن علي بن يوسف بن تاشفين (ت ٥٣٧ هـ) ثاني ملوك دولة المرابطين بالمغرب الذي فرض المذهب المالكي أثناء حكمه: ولم يكن يقرب من أمير المسلمين ويحظى عنده إلّا من علم الفروع، أعني فرع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعنى بهما كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في علم الكلام … " المعجب في تلخيص أخبار المغرب، =
[ ٥٦ ]
الكتاب والسنة وتعذر عليهم فهمهما واستنباط الأحكام منهما، وأصبحت القراءة فيهما على سبيل التعبد والتبرُّك فقط (ص ١٣٣ - ١٣٤).