ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف وكتم الحق وغمط الصواب ما يقع بين أهل العلم من الجدال والمراء فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ومعرفة بالحق ورغوب إليه، فيخطئ في المناظرة ويحمله الهوى ومحبة الغلب وطلب الظهور على التصميم على مقاله، وتصحيح خطئه وتقويم معوجّه بالجدال والمراء. وهذه الذريعة الإبليسية والدّسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاو من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة. وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضي منه العجب، فإن بعض من يسلك هذا المسلك لا يجاوز ذلك إلى الحلف بالإيمان على حقيقة ما قاله وصواب ما ذهب إليه. وكثيرًا منهم يعترف بعد أن تذهب عنه سورة الغضب وتزول عنه نزوة الشيطان بأنه فعل
[ ١١٠ ]
ذلك تعمدًا مع علمه بأن الذي قاله غير صواب. وقد وقع مع جماعة من السلف من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحَصر وصار ذلك مذاهب تُروى وأقوال تُحكى كما يعرف ذلك من يعرفه.