ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف ويصدر عنها البعد عن الحق وكتم الحجة وعدم ما أوجبه الله من البيان: حب الشرف والمال اللذين هما أعدى على الإنسان من ذئبين ضاريين، كما وصف ذلك رسول الله ﷺ (^٢)، فإن هذا هو السبب الذي حرَّف به، أهل الكتاب كُتب الله المنزلة على رسله، وكتموا ما جاءهم فيها من البينات والهدى كما وقع من أحبار اليهود، وقد أخبرنا الله بذلك في كتابه العزيز، وأخبرنا به رسول الله ﵌ في الثابت عنه في الصحيح، وبهذا السبب بقي من بقي على الكفر من العرب وغيرهم بعد قيام الحجة عليهم وظهور الحق لهم وبه نافق من نافق ووقع في الإسلام من أهل العلم بذلك السبب عجائب مودعة بطون كتب التاريخ، وكم من عالم قد مال إلى هوى ملك من الملوك فوافقه على ما يريد وحسَّن له ما يخالف الشرع، وتظهر له بما ينفق لديه من المذاهب، بل قد وضع بعض المحدثين للملوك أحاديث عن رسول الله ﵌ كما وقع من وهب بن وهب البختري (^٣) مع الرشيد
_________________
(١) راجع ص ١١٣ من هذا الكتاب وما بعد، قارن بالمقبلي، العلم الشامخ ص ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) لفظ الحديث: "ما ذئبان ضاريان (وفي رواية جائعان) باتا في غنم بأفسد لها من حب ابن آدم الشَّرف والمال". رواه الترمذي (٢٣٧٦)، أحمد ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧، ٤٦٠؛ مجمع الزوائد ١٠/ ٢٥٠، الطبراني ١٠/ ٣١٩ (١٠٧٧٨)، ١٩٥/ ٩٦، وقد شرح هذا الحديث ابن رجب الحنبلي، في رسالة، أوردها ابن عبد البر كاملة في: جامع بيان العلم وفضله ١/ ١٦٧ - ١٨٣.
(٣) هو أبو البختري وهب بن وهب بن كبير بن عبد الله بن زمعة من بني المطلب بن أسد بن عبد العزى، قاض من العلماء له معرفة بالأخبار والأنساب متهم بوضع =
[ ١٠٦ ]
ووقع من آخر في حديث "لا سبق إلّا في خفّ أو حافر أو نصل" (^١) فزاد في الحديث أو "جناح" (^٢) موافقة للملك الذي رآه يلعب بالحمام ويسابق بينها ووضع جماعة مناقب لقوم وآخرون مثالب لآخرين لا حامل لهم على ذلك إلّا حب الدنيا والطمع في الحطام والتقرب إلى أهل الرئاسة بما ينفق لديهم ويروج عليهم نسأل الله الهداية والحماية من الغواية.
وكم قد سمعنا ورأينا في عصرنا من أهله، فكثيرًا ما نرى الرجل يعتقد في نفسه اعتقادًا يوافق الحق ويطابق الصواب، فإذا تكلم عند من يخالفه في ذلك ويميل إلى شيء من البدعة، فضلًا عن أن يكون من أهل الرئاسة وممن بيده شيء من الدنيا، فضلًا عن أن يكون من الملوك، وافقه وساعده وسانده وعاضده، وأقل الأحوال أن يكتم ما يعتقده من الحق ويغمط ما قد تبين له من الصواب، عند من لا يجوّز منه ضررًا ولا يقدّر منه نفعًا، فكيف ممن عداه وهذا في الحقيقة من تأثير الدنيا على الدين والعاجلة على الآجلة، وهو لو أمعن نظره وتدبر ما وقع فيه لعلم أن ميله إلى هوى رجل أو رجلين أو ثلاثة أو أكثر ممّن يجاملهم في ذلك المجلس ويكتم الحق مطابقة لهم واستجلابًا لمودتهم واستبقاء لما لديهم وفرارًا من نفورهم، هو من التقصير بجانب الحق، والتعظيم لجانب الباطل، فلولا أن هؤلاء النفر لديه أعظم من
_________________
(١) = الحديث وولاه الرشيد القضاء بعسكر المهدي قال الإمام أحمد بن حنبل هو أكذب الناس كان يضع الحديث غالب ليله توفي سنة ٢٠٠ (الأعلام ج ٩ ص ١٥١). (الحبشي).
(٢) حديث: لا سبق إلّا في خف. . إلخ أخرجه أبو داود (٢٥٧٤) الترمذي (٢٢) النسائي ٦/ ٢٢٧ ابن ماجة (٢٨٧٨) البيهقي ١٠/ ٦، الطبراني ١٠/ ٣١٤ رقم (١٠٧٦٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٣) وقال: وفيه عبد الله بن هارون وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره.
(٣) وضع هذه الزيادة غياث بن إبراهيم النخعي ليجامل بها المهدي العباسي لأنه كان يُحِبُ اللعب بالحمام، انظر: ابن الجوزي الموضوعات ١/ ٤٢، ابن عدي الكامل في الضعفاء والمتروكين ٤/ ١٥٧٣.
[ ١٠٧ ]
الرب سبحانه لما مال إلى هواهم وترك ما يعلم أنه مراد الله سبحانه ومطلبه من عباده.
وكفاك بهذه الفاقرة العظيمة والداهية الجسيمة، فإن رجلًا يكون عنده فرد من أفراد عباد الله أعظم قدرًا من الله سبحانه ليس بعد تجريه على الله شيء، أرشدنا الله إلى الحق بحوله وطوله.
ومن غريب ما أحكيه لك من تأثر هوى الملوك والميل إلى ما يوافق ما ينفق عندهم: واقعةً معي مشاهدة لي، وإن كانت الوقائع في هذا الباب لا يأتي عليها الحصر، وهي مودعة بطون الدفاتر معروفة عند من له خبرة بأحوال من تقدم. وذلك أنه عقد خليفة العصر حفظه الله مجلسًا جمع فيه وزرائه وأكابر أولاده وكثيرًا من خواصه وحضر هذا المجلس من أهل العلم ثلاثة أنا أحدهم، وكان عقد هذا المجلس لطلب المشورة في فتنة حدثت بسبب بعض الملوك ووصول جيوشه إلى بعض الأقطار الإمامية (^١) وتخاذل كثير من الرعايا واضطرابهم وارتجاف اليمن بأسره بذلك السبب، فأشرت على الخليفة بأن أعظم ما يتوصل به إلى دفع هذه النازلة هو العدل في الرعية (^٢) والاقتصار
_________________
(١) هو جيش ابن سعود الذي استولت قواته على عسير عام ١٢١٧ هـ وتمكنت من التوغل إلى تهامة فاستولت على الحديدة وزبيد وحيس، واستمرت سيطرتها على هذه المناطق حتى عام ١٢٣٤ هـ عندما أخرجتها قوات محمد علي باشا راجع: البدر الطالع ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، ٢/ ٧ - ٨، التقصار، ص ٣٦ - ٤٠، ٣٥٣ - وما بعدها، الواسعي فرجة الهموم والحزن ص ٣٤ - ٣٦.
(٢) قارن برأي عمر بن عبد العزيز في رده (المشهور) على طلب أحد عماله الإذن له بتحصين مدينته: "حصنها بالعدل ونقِّ طرقها من الظلم. . ." السيوطي، تاريخ الخلفاء ص ٢٣٢ ابن عبد ربه، العقد الفريد ١/ ٣. وبالفعل فإن رسوخ الوحدة الوطنية وتماسك الجهة الداخلية يقوي من مقدرة الأمة على صدّ ومواجهة أي عدوان خارجي، والعكس صحيح، ومن ثم فإن إشاعة السلطة السياسية للإنصاف والعدل (العدل الشامل) يعد من أهم العوامل التي تحقق =
[ ١٠٨ ]
في المأخوذ منهم على ما ورد به الشرع وعدم مجاوزته في شيء وإخلاص النية في ذلك وإشعار الرعية في جميع الأقطار والعزم عليه على الاستمرار، فإن ذلك من الأسباب التي تدفع كل الدفع وتنجع أبلغ النجع، فإن اضطراب الرعايا ورفع رؤوسهم إلى الواصلين ليس إلّا لما يبلغهم من اقتصارهم على الحقوق الواجبة وليس ذلك لرغبة في شيء آخر. فلما فرغت من أداء النصيحة، انبرى أحد الرجلين الآخرين، وهو ممن حظي من العلم بنصيب وافر ومن الشرف بمرتبة عليّة ومن السن بنحو ثمانين سنة وقال: إن الدولة لا تقوم بذلك ولا تتم إلّا بما جرت به العادة من الجبايات ونحوها، ثم أطال في هذا بما يتحير عنده السامع ويشترك في العلم بمخالفته للشريعة العالم والجاهل والمقصّر والكامل، ثم ذكر أنه قد أخذ الجباية ونحوها من الرعية فلان وفلان، وعدد جماعة من أئمة العلم ممن لهم شهرة وللناس فيهم اعتقاد. وهذا مع كونه عنادًا للشريعة وخلافًا لما جاءت به وجرأة على الله ونصبًا للخلاف بينه وبين من عصاه وخالف ما شرعه، هو أيضًا مجازفة بحتة في الرواية عن الذين سماهم، بل هو محض الكذب. وإنما يروي عن بعض المتأخرين ممن لم يسمّه ذلك القائل، وهذا البعض الذي يروي عنه ذلك إنما فعله أيامًا يسيرة ثم طوى بساطه وعلم أنه خلاف ما شرعه الله فتركه. وإنما حمله
_________________
(١) = وحدة وتماسك الجبهة الداخلية، لأنه يلغي أهم أسباب وبواعث الصراع والتفرق الداخلي، ويحفز الجماهير على رَصِّ صفوفها وتوحيد طاقاتها للدفاع عن كيان الشعب ونظامه السياسي، ويدفعها للتضحية في سبيلهما كما أن ممارسة السلطة للاستبداد والظلم، هو الذي يدفع بالشعوب للتطلع لأي قوة خارجية أو داخلية تدخل في صراع مع تلك السلطة، ويجعلها مستعدة للتعاون تلك القوى بغية التخلص من الظلم غير آبهة بما قد يلحق بالوطن من أضرار، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في حرب الخليج الأولى والثانية إذ تعاونت بعض الفئات والجماعات داخل العراق، مع الجيوش المعادية له كرد فعل على دكتاتورية النظام في العراق.
[ ١٠٩ ]
على ذلك رأي رآه وتدبير دبّره ثم تبين له فساده، فانظر أرشدك الله ما مقدار ما قاله هذا القائل في ذلك الجمع الحافل الذي شمل الإمام وجميع المباشرين للأعمال الدولية والناظرين في أمر الرعية. ولم ينتفع هذا القائل بمقالته لا بزيادة جاه ولا مال، بل غاية ما استفاده ونهاية ما وصل إليه اجتماع الألسن على ذمّه، واستعظام الناس لما صدر منه.
وهكذا جرت عادة الله في عباده فإنه لا ينال من أراد الدنيا بالدين، إلّا وبالًا وخسرانًا عاجلًا وآجلًا، خصوصًا من كان من الحاملين لحجة الله المأمورين بإبلاغها إلى العباد. فإن خيره في الدنيا والآخرة مربوط بوقوفه على حدود الشريعة فإن زاغ عنها زاغ عنه. وقد صرح الله سبحانه بما يفيد هذا في غير موضع من كتابه العزيز. فأنت أيها الحامل للعلم لا تزال بخير ما دمت قائمًا بالحجة مرشدًا إليها ناشرًا لها غير مستبدل بها عرضًا من أعراض الدنيا أو مرضاةً من أهلها.