ومن الآفات ما يقع تارة من الشيوخ وأخرى من تلامذتهم فإن الشيخ قد يريد التظهر لمن يأخذ عنه بأنّه بمحل من التحقيق وبمكان من الإتقان فيحمله ذلك على دفع الحق إذا سبق فهمه إلى الباطل لئلّا يظن من يأخذ عنه أنه يخطئ ويغلط، وهو لو عرف ما عند ذلك الذي يأخذ عنه العلم أن رجوعه عن الخطأ إلى الصواب أعظم في عينه وأجل عنده وزاده ذلك رغبة فيه ومحبة له، وإذا استمر على الغلط وصمم على الخطأ كان عنده دون منزلة الرجوع إلى الحق بمنازل، وهكذا التلميذ قد يخطر بباله التزين لشيخه والتجمل عنده بأنه قوي الفهم سريع الإدراك صادق التصور فيحمله ذلك على
[ ١٤٢ ]
الوقوف على ما قد سبق إلى ذهنه من الخطأ والتشبث بما وقع (^١) له من الغلط.
وبالجملة فالأسباب المانعة من الإنصاف لا تخفى على الفطن وفي بعضها دقّة تحتاج إلى تيقظ وتدبر وتتفق في كثير من الحالات لأهل العلم والفهم والإنصاف، فالمعيار الذي لا يزيغ، أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ومصادره لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه وبينه حائل، فإذا وجد في نفسه نزوعًا إلى غير ما هو المدلول عليه بالدليل الصحيح، وأدرك منها رغبة للمخالفة، وتأثيرًا لغير ما هو الحق، فليعلم عند ذلك أنه قد أصيب بأحد الأسباب السابقة من حيث لا يشعر، ووقع في محنة فإن عرفها بعد التدبّر فليجتنبها كما يجتنب العليل ما ورد عليه من الأمور التي كانت سببًا لوقوعه في المرض، وإن خفيت عليه العلة التي حالت بينه وبين اتباع الحق فليسأل من له ممارسة للعلم ومعرفة بأحوال أهله كما يسأل المريض الطبيب إذا لم يعرف علته ولا اهتدى إليها فقد يكون دفع العلة بمجرّد تجنب الأسباب الموقعة فيها كالحمية التي يرشد إليها كثير من الأطباء إذا لم تكن العلة قد استحكمت، وقد يكون دفعها باستعمال الأدوية التي تقاوم المادة الكائنة في البدن وتدافعها حتى تغلبها.
وهكذا علة التعصب فإنه إذا عرف سببه أمكن الخروج منه باجتنابه، وإن لم يعرف سأل أهل العلم المنصفين عن دواء ما أصابه من التعصب فإنه سيجد عندهم من الأدوية ما هو أسرع شفاء (^٢) وأقرب نفعًا وأنجع برءًا مما يجده العليل عند الأطباء.
واعلم أنه كما يتسبب عن التعصب محق بركة العلم وذهاب رونقه
_________________
(١) في (ب) دفع.
(٢) في (ب) كشفًا.
[ ١٤٣ ]
وزوال ما يترتب عليه من الثواب، كذلك يترتب عليه من الفتن المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم وتمزيق الأعراض واستحلال ما هو في عصمة الشرع ما لا يخفى على عاقل وقد لا يخلو عصر من العصور ولا قطر من الأقطار من وقوع ذلك لا سيما إذا اجتمع في المدينة والقرية مذهبان أو أكثر وقد يقع من ذلك ما يفضي إلى إحراق الديار وقتل النساء والصبيان كمثل ما كان يقع بين السنيّة والشيعة ببغداد، فإنهم كانوا يفعلون في كل عام فتنًا ويهرقون الدماء ويستحلون من بعضهم البعض ما لا يستحلونه من أهل الذمة بل قد لا يستحلونه من الكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد، وهذا يعرفه كل من له خبرة بأحوال الناس، ومن أراد الاطلاع في تفاصيل ما كان يقع بينهم في بغداد بخصوصها فلينظر في مثل تواريخ الذهبي وتاريخ ابن كثير ونحو ذلك فإنه سيجد في حوادث كل سنة شيئًا من ذلك في الغالب (^١)، وقد تنتهي بهم التعصبات والمناقضات إلى ما هو من أنواع الجنون والحماقات القبيحة كما وقع في كتب التواريخ أن أهل السنّة ببغداد، أركبوا امرأة على جمل وأركبوا رجلين آخرين وسمّوا المرأة عائشة والرجلين طلحة والزبير ومشوا معهم وتحزبوا وتجمعوا، فسمع بذلك الشيعة من أهل الكرخ فأقبلوا مسرعين بالسلاح والكراع وقاتلوا أهل السنة قتالًا شديدًا وضربوا المرأة المسماة عائشة والمسمى طلحة والزبير ضربًا مبرحًا (^٢).
_________________
(١) كانت الحرب بين الشيعة وأهل السنة ببغداد شبه موسمية وخاصة في المناسبات الشيعية (الغدير وعاشوراء)، والملاحظ أنّ الدوافع السياسية كانت هي المحرك الرئيسي لهذا الصراع الدامي بين الفريقين، فقد عمد البويهيون - بعد سيطرتهم على بغداد سنة ٣٣٤ هـ - إلى دعم ومساندة الشيعة، بغية إضعاف شأن الخلافة العباسية، وبالمثل كانت الخلافة العباسية، وأيضًا الدولة العزنوية والسلجوقية فيما بعد تتدخل لدعم أهل السنة - إلخ.
(٢) انظر: ابن الأثير/ الكامل ٧/ ٥١، ابن كثير / البداية والنهاية ١١/ ٢٧٥.
[ ١٤٤ ]
ومن غرائب مناقضاتهم أن الشيعة لما اجتمعوا لزيارة الحسين بن عليّ ﵁ في عاشوراء اجتمعت السنّية وخرجوا يزورون مصعب بن الزبير وجعلوا ذلك عادة لهم في عاشوراء (^١)، فانظر ما في هذه المناقضة من الجهل فإن مصعبًا ليس بمستحق لذلك لأنه لم يكن معروفًا بعلم ولا فضل بل أمير كبير ولي العراق من أخيه عبد الله بن الزبير وسفك من الدماء ما لا يأتي عليه الحصر وبقي كذلك حتى وقع الحرب بينه وبين عبد الملك بن مروان فخذله أهل العراق فَقُتل، فانظر أي فضيلة لمصعب يستحق بها أن يكون للسنيّة كالحسين للشيعة.
وبالجملة فقد حدثت بسبب الاختلاف بين الطائفتين فواقر عظيمة لو لم يكن منها إلّا دخول التتر بغداد وقتلهم الخليفة والمسلمين، فإن سبب
_________________
(١) اقتضت طبيعة الصراع والمماحكات بين الأحزاب/، المذاهب الإسلامية، أنه إذا اتخذ أي منهما لنفسه فكرة أو موقفًا متميزًا أن يجعل الآخر لنفسه موقفًا مماثلًا أو مضادًا لموقف أو فكرة الطرف الأول، فقد اتخذ (بعض) أهل السنة لأنفسهم شخصية مماثلة لشخصية المهدي عند الشيعة، وهي شخصية السفياني (من ولد أبي سفيان بن حرب)، وكذلك بعد ما فرضت الدولتان الشيعيتان، البويهية في بغداد، والفاطمية في مصر وشمال إفريقيا على الناس الاحتفال بالمناسبات الشيعية، وألزمتهم إظهار الفرح والزينات في يوم الغدير، وبإغلاق الدكاكين وإظهار مشاعر الحزن وإقامة المآتم في عاشوراء. احتفل بالمناسبتين في بغداد لأول مرة عام ٣٥٢ هـ، وفي القاهرة احتفل الفاطميون بالغدير سنة ٣٦٢ هـ وعاشوراء سنة ٣٦٣ هـ، (مسكويه: تجارب الأمم ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١، ابن الأثير ٧/ ٧، ابن كثير ١١/ ٢٤٣، السيوطي/ تاريخ الخلفاء ص ٤٠١) فاتخذ أهل السنة لأنفسهم أيامًا ومناسبات مماثلة يحتفلون فيها كما يحتفل الشيعة، فمقابل يوم الغدير جعلوا لأنفسهم يومًا بعده بثمانية أيام، احتفلوا فيه بذكرى دخول النبي ﷺ وأبو بكر الغار، ومقابل يوم عاشوراء أيضًا احتفلوا بعده بثمانية أيام بمناسبة ذكرى مقتل مصعب بن الزبير، احتفل أهل السنة بهما لأول مرة في القاهرة سنة ٣٦٣ هـ، وفي بغداد سنة ٣٨٩ هـ (المقريزي/ اتعاظ الحنفاء ص ١٩٥ - ١٩٨ ابن الأثير ٧/ ٢٠٠؛ ابن كثير ١١/ ٣٢٥ - ٣٢٦؛ ذيل تجارب الأمم ٤/ ٣٣٩.
[ ١٤٥ ]
ذلك الوزير الرافضي ابن العلقمي (^١) كان بينه وبين الأمير مجاهد الدين الدويدار من العداوة أمر عظيم وكان مجاهد الدين يتعصب على الشيعة تعصبًا شديدًا حتى أفضى ذلك إلى نهب أهل الكرخ وإحراق بعض مساكنهم فغضب الوزير غضبًا شديدًا، ولم يستطع المكافأة إذ ذاك، فحمله ذلك على مكاتبة التتر وترغيبهم في بغداد وتسهيل الأمر عليهم، فأقبل (هولاكو) ملك التتر ومعه جيش من التتر عظيم فوصلوا بغداد وأحاطوا بها من جميع جوانبها وما زال الوزير يخدع الخليفة ويفرّق جيوشه ويحول بينه وبين الحزم حتى أعيت الحيلة وتمكن العدو، فخرج عند ذلك الوزير إلى التتر وقد تقدم بينهم من المكاتبة ما فيه حرمة وذمة وتكفَّل لهم بإيقاع الخليفة وأعيان المحل في أيديهم يقتلونهم كيف شاؤوا ثم دخولهم بغداد بعد ذلك، ثم رجع إلى الخليفة وأخبره أن سلطان التتر لا يريد استئصاله ولا نزع يده من الخلافة وليس له رغبة إلى ذلك بل مراده أن يكون متصرفًا عن أمر الخليفة كما كان يتصرف عن أمرهم الملوك الحمدانية والبويهية والسلجوقية، وإنه يريد أن يزوج ابن الخليفة بابنته وما زال يخدع الخليفة ويفتل منه في الذروة والغارب حتى أسعده ومال إلى مقاله، وقال له يخرج هو وأعيان البلد لعقد النكاح فخرج الخليفة وإخوته وأولاده وأعمامه وأمراؤه وأعيان بغداد من كل طبقة من الطبقات التي تتصل بالخليفة، وكان الذي عين الخارجين وسمّاهم هو الوزير المذكور، فلم يدع أحدًا من أركان الدولة يخشى منه ولا سيما من كان متعصبًا على الشيعة كالأمير مجاهد الدين الدويدار، فإنه جعلهم في أول الخارجين لشهود العقد، وقد كان أبرم هو وسلطان التتر أنه سيجعله وزيرًا كما كان مع الخليفة العباسي، فلما خرج أولئك الأعيان والخليفة قتلهم التتر جميعًا ثم دخلوا بغداد فقتلوا من بها من الطائفتين لم يبقوا على شيعي ولا
_________________
(١) هو مؤيد الدين محمد بن أحمد العلقمي (ت ٦٥٦ هـ) وزير المستعصم بالله.
[ ١٤٦ ]
سني وكان جملة القتلى كما نقله كثير من ثقات المؤرخين ثمانية عشر لكًّا (^١) عن ألف ألف قتيل وثماني مائة ألف قتيل.
فانظر هذه الفاقرة العظيمة التي تسببت عن تعصب الوزير الرافضي لأصحابه من الرافضة لا ﵀، وقد كان يظهر التأسف والتندّم ويقول أنه ما كان يظن أن الأمر يقع هكذا وأنه كان يظن سلامة الشيعة وعدم وصول الأمر إليهم حسبما قدمه لنفسه ولهم ولم يصل إلى ما شرطه لنفسه من الوزارة ولا غيرها، وغاية ما ناله السلامة من القتل. ومات بعد أن اقترف هذه العظيمة بأيام يسيرة دون سنة، وكان موته كمدًا على ما جناه على نفسه خصوصًا وعلى إخوانه من الرافضة وسائر المسلمين وكان في بعض الأوقات يظهر التجلّد ويقول لا يبالي بمن قُتل ولا بمن أصيب بعد أن شفى نفسه من الدويدار، فانظر هذه الجاهلية التي تظاهر بها هذا الرافضي وانظر ما صنع بالمسلمين وما جناه الخليفة على نفسه من استخلاصه للوزارة وأمانته على الأسرار والركون إليه في تدبير الدولة (^٢).
_________________
(١) لكّ: كلمة فارسية وتعني العدد مائة ألف، انظر: المعجم الذهبي / محمد التونجي ص ٥٢٦.
(٢) تختلف المصادر التاريخية بشأن ما نسب لابن العلقمي من اتهامات - وأن كانت تلك المصادر تتفق (جميعها) على عجز المستعصم وعدم كفاءته - فالمصادر التاريخية السُّنية تنسب وزر اجتياح التتار لبغداد ومقتل الخليفة العباسي لأبن العلقمي، وتتهمه بأنه هو الذي سرّح معظم الجيش، وتواطأ مع هولاكو، (ابن كثير ١٣/ ٢٠٢، ٢١٢ - ٢١٣؛ الوافي بالوفيات ١/ ١٨٤ - ١٨٦ السيوطي/ تاريخ الخلفاء ص ٤٦٦، النجوم الزاهرة ٧/ ٢٠، ٤٧ - ٤٩). وفي المقابل نجد بعض المصادر الشيعية (الموثوقة) ترى عكس ذلك، فتنحي بالملامة على الخليفة المستعصم (لغفلته وعجزه، وأن ابن العلقمي قد نصحه بالتيقظ والاستعداد ولكن حاشية الخليفة، التي كانت تحسد ابن العلقمي وتكرهه أوهمت الخليفة بعدم وجود أي خطر من التتار، وأن الوزير إنما يعظِّم ذلك لينفق سوقه، ولتبرز إليه الأموال ليجند بها العساكر فيقتطع منها لنفسه (ابن طباطيا الفخري، =
[ ١٤٧ ]
وهكذا من ألقى مقاليد أمره إلى رافضي وإن كان حقيرًا فإنه لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له، لأنه عنده مباح الدم والمال وكل ما يظهره من المودة فهو تقيَّة يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة، وقد جربّنا هذا تجريبًا كثيرًا فلم نجد رافضيًا يخلص المودة لغير رافضي وإن آثره بجميع ما يملكه وكان له بمنزلة الخول وتودّد إليه بكل ممكن، ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة ولا غيرها ما نجده عند هؤلاء من العداوة لمن خالفهم، ثم لم نجد عند أحدٍ ما نجد عندهم من التجرّي على شتم الأعراض المحترمة، فإنه يلعن أقبح اللعن ويسبّ أفظع السب كل من تجري بينه وبينه أدنى خصومة وأحقر جدال وأقل اختلاف، ولعل سبب هذا والله أعلم أنهم لما تجرؤوا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من عداهم، ولا جرم فكل شديد ذنب يهون ما دونه، وقد يقع بعض شياطينهم في عليّ كرم الله وجهه حردًا عليه وغضبًا له حيث ترك حقه، بل قد يبلغ بعض ملاعينهم إلى ثلب العرض الشريف النبوي صانه الله قائلًا إنه كان عليه الإيضاح للناس وكشف أمر الخلافة ومن الأقدم فيها والأحق بها.
وأما تسرع هذه الطائفة إلى الكذب وإقدامهم عليه والتهاون بأمره فقد بلغ من سلفهم وخلفهم إلى حد الكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه وعلى صالحي أمته ووقع منهم في ذلك ما يقشعرّ له الجلد، وناهيك بقوم بلغ الخذلان بِغُلاتِهم إلى إنكار بعض كتاب الله وتحريف البعض الآخر
_________________
(١) = بيروت: دار صادر (د. ت) ص ٣٣٥) ونفى ابن طباطيا أيضًا ما نسب إليه من تهمة التآمر والتواطؤ مع هولاكو، وأكد أن ذلك ما هو إلّا إشاعة من حاشية المستعصم (المصدر السابق ص ٣٣٨). أقول: لا يستبعد وقوع كلا الأمرين (ما نُسِب إلى ابن العلقمي أو إلى منافسيه) فالتعصب إذا استفحل في النفوس أفقدها رشدها وحتى قيم أخلاقها ودينها.
[ ١٤٨ ]
وإنكار سنة رسول الله ﵌، وجاوز ذلك جماعة من زنادقتهم إلى اعتقاد الألوهية في ملوكهم بل في شيوخ بلدانهم، ولا غرو فأصل هذا المظهر الرافضي مظهر الحاد وزندقة، جعله من أراد كياد الإسلام سترًا له فأظهر التشيع والمحبة لآل رسول الله ﵌ استجذابًا لقلوب الناس لأن هذا أمر يرغب فيه كل مسلم وقصدًا للتغرير عليهم، ثم أظهر للناس أنه لا يتم القيام بحق القرابة إلّا بترك حق الصحابة ثم جاوز ذلك إلى إخراجهم وصانهم الله عن سبيل المؤمنين، ومعظم ما يقصده بهذا هو الطعن علي الشريعة وإبطالها، لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الذين رووا للمسلمين علم الشريعة من الكتاب والسنّة. فإذا تمّ لهذا الزنديق باطنًا الرافضي ظاهرًا القدح في الصحابة وتكفيرهم والحكم عليهم بالردّة بطلت الشريعة بأسرها، لأن هؤلاء هم حملتها الراوون لها عن رسول الله ﵌، فهذا هو العلة الغائية لهم، وجميع ما يتظهرون به من التشيع كذب وزور، ومن لم يفهم هذا فهو حقيق بأن يتهم نفسه ويلوم تقصيره، ولهذا تجدهم إذا تمكنوا وصارت لهم دولة يتظاهرون بهذا ويدعون الناس إليه، كما وقع من القرامطة والباطنية والإسماعيلية ومن نحا نحوهم، فإنهم لما تمكنوا أظهروا صريح الكفر والزندقة وفعلوا تلك الأفاعيل من الاستهتار بمحارم الله وما عظمه كنقلهم للحجر الأسود من الحرم إلى هجر، وكقول رئيس القرامطة اللعين لما سفك دماء الحجاج بالبيت الحرام وفعل به من المنكرات ما هو معروف (^١):
_________________
(١) هو أبو طاهر سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي، نسبة إلى جنابه من بلاد فارس، ملك البحرين وزعيم القرامطة، وكان أبوه قد استولى على هجر والأحساء والقطيف، ثم وثب أبو طاهر بعد أن خلف أباه على البصرة ونهبها سنة (٣١١ هـ) وأغار على الكوفة وسلب ما فيها (سنة ٣١٥ هـ) وأغار على مكة يوم التروية سنة ٣١٧ هـ، فقتل ثلاثين ألفا من الحجاج ونهب أموالهم، وقلع الحجر الأسود ونقله إلى هجر، وعرّى البيت وأخذ بابه، وردم زمزم بالقتلى، توفي سنة ٣٣٢ هـ. ابن =
[ ١٤٩ ]
ولو كان هذا البيت لله ربنا … لصبّ علينا النار من فوقنا صبًّا
لأنَّا حججنا حجّةً جاهليّةً … محلَّلةً لم تبق شرقًا ولا غربًا
ثم قال لمن بقي في الحرم سالمًا من القتل: يا حمير أنتم تقولون ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقد كان أول هذه النحلة القرمطية، التظهر بمحبة أهل البيت والتوجع لهم والعداوة لأعدائهم ثم انتهى أمرهم إلى مثل هذا.
وهكذا الباطنية فإن مذهبهم الذي يتظهرون به ويبدونه للناس هو التشيع ولا يزال شياطينهم ينقلون من دخل معهم فيه من مرتبة إلى مرتبة حتى يوقفوه على باب الكفر وصراح الزندقة، وإذا تمكن بعض طواغيتهم فعل كما فعل علي بن الفضل الخارج باليمن من دعاء الناس إلى صريح الكفر ودعوى النبوة ثم الترقي إلى دعوى الألوهية، وكما فعله الحاكم العبيدي بمصر من أمر الناس بالسجود له والقيام عند ذكره على صفة معروفة فكان إذا ذكره الخطيب يوم الجمعة على المنبر قام جميع من بالمسجد ثم يخرّون ساجدين ثم يقوم بقيامهم من يتصل بالجامع من أهل الأسواق ثم يسري ذلك إلى قيام أهل مصر (^١)، وما كان يبديه من الأفعال المتناقضة والحماقات الباردة مقصوده من ذلك تجريب أحوال الناس واختبار طاعتهم له في الأمور الباطلة وفي مخالفة الشريعة حتى ينقلهم إلى ما يريده. وكم نعدد لك من هذا.
وبالجملة فإذا رأيت رجلًا قد انتهى به الرفض إلى ذم السلف الصالح والوقيعة فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية فلا تشك في أنه مثلهم فيما قدمنا لك، وجرِّبْ هذا إن كنت ممن يفهم فقد جرّبناه وجربه من قبلنا فلم يجدوا رجلًا رافضيًا يتنزه عن شيء من محرّمات الدين كائنًا ما كان ولا
_________________
(١) = الأثير ٦/ ٢٠٣ - ٢٠٥؛ ابن كثير ١١/ ١٦٠ - ١٦١، الأعلام للزركلي ٣/ ١٨٣.
(٢) راجع ابن الأثير ٧/ ٢٣١ (هامش)، ابن كثير ١١/ ٣٣٦، ١٢/ ٩.
[ ١٥٠ ]
تغترّ بالظواهر فإن الرجل قد يترك المعصية في الملأ ويكون أعفّ الناس عنها في الظاهر وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف نارًا ولا يرجو جنّة.
وقد رأيت من كان منهم مؤذنًا ملازمًا للجماعات فانكشف سارقًا، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء وله سمت حسن وهدي عجيب وملازمة للطاعة وكنت أكثر التعجب منه كيف يكون مثله رافضيًا ثم سمعت بعد ذلك عنه بأمور تقشعرّ لها الجلود وترجف منها القلوب، وكان لي صديق يكثر المجالسة لي والوصول إليّ وفيه رفض يسير وهو متنزّه عن كل محظور ثم ما زال ذلك يزيد به لأسباب حتى صار يصنّف في مثالب جماعة من الصحابة، ثم صار يمزّق أعراض جماعة من أحياء أهل العلم والأموات وينسبهم إلى النصب بمجرّد كونهم لا يوافقونه على رفضه. ثم صار يتصل به جماعة ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهر بمثله أهل هذه الديار وكنت أعرف منه في مبادئ أمره صلابة وعفّة فقلت إذا كان ولا بدّ من رافضي عفيف فهذا ثم سمعت عنه بفواقر، نسأل الله الستر والسلامة.
وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ظلمه كائنًا من كان فلا يحتاج إلى برهان بل يكفي مدّعيه إحالة منكره على الاستقراء والتتبع فإنه سيظفر عند ذلك بصحة ما ذكرناه.
ولقد جربت أهل عصري في هذه المادة تجريبًا عظيمًا لتعلقي بما تتعلق به الأطماع (^١)، واختباري بالناس على اختلاف طبقاتهم ولا شك أن الدنيا مؤثرة وأن الوثوب على مصالحها وتقديمها وانتهاز الفرص فيما يتعلق بها غير مختص بهؤلاء بل هو عام لكل الفرق والزاهد فيها المؤثر للدين عليها
_________________
(١) يقصد ولايته لمنصب قاضي القضاة.
[ ١٥١ ]
هو الشاذ النادر لكن هؤلاء لهم مزيد تكالب، وعظيم تهافت وشدة تهالك، مع عدم وقوف عند حدود الشرع واقتصار على ما فيها من تحليل وتحريم.
ومن أقرب حوادث الرفض والرافضة في ديارنا هذه (^١): أنه كان جماعة من المتظهرين بالعلم يملون على الناس في جامع صنعاء في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائتين بعد الألف في كتب فضائل علي بن أبي طالب ﵁، وكانوا نحو ثلاثة أو أربعة كل واحد منهم قد اجتمع عليه جماعة كثيرة من العامة، وكان أحدهم يملي على كرسيّ مرتفع وتسرج حوله الشمع الكثير فيجتمع من الناس عدد كثير جدًّا لقصد الفرجة كما يتفق في مثل هذا، وكانوا يشوبون المناقب بذكر مثالب بعض الصحابة ويحطون من بعضهم ويصرحون بسب البعض ويتوجعون من البعض، وكان ما يصدر من هؤلاء من هذه الأمور إنما هو مطابقة للوزير الرافضي الذي قدمت لك ذكره ولا سيما صاحب الكرسيّ، وهذا الوزير لم يكن رفضه لوازع ديني كما يتفق لكثير من أهل الجهل المتعلقين بالرفض فهو أنذل من ذاك وأقل، ولكنه يفعل ذلك مساعدة لجماعة من شياطين المتفقهة المتعصبة يدخلون إليه فيقولون له: إنه لم يبق من يحامي على هذا الأمر سواك، وإنك ركن التشيع وملجأ أهله، ونحو هذه العبارات فيبالغ في التظهر بهذه الخصلة ويحب نسبة ذلك إليه فكان الرفض مكمِّلًا لمثالبه/ متممًا لمعايبه لأنه في كل باب من أبواب القبائح قريع دهره ونسيج وحده، فلما تكاثر ما يصدر من أولئك المشتغلين بما لا يعنيهم من ثلب السلف، مع ما ينضم إلى ذلك من إدخال الضغائن في قلوب العامة وإيهامهم (^٢) أن الناس قد تركوا مذهب أهل البيت وفعلوا
_________________
(١) راجع ما سبق (ص ١٠٢ - ١٠٤)؛ أيضًا البدر الطالع ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٨؛ الشجني/ التقصار ص ٤٠٥ - ٤٠٧.
(٢) في (ب) وإيمانهم.
[ ١٥٢ ]
وفعلوا، وكل ذلك كذب فإن الناس هم في هذه الديار زيدية وكثير منهم يجاوز ذلك فيصير رافضيًا جلدًا، ولم يكن في هذه الديار على خلاف ذلك إلّا الشاذ النادر، وهم أكابر العلماء ومن يقتدي بهم فإنهم يعملون بمقتضى الدليل ولا ينتمون إلى مذهب ولا يتعصبون لأحد، فهؤلاء هم الذين يقصدهم أولئك الرافضة بكل فاقرة ويرمونهم بالحجر والمدر ويسمونهم بميسم (^١) النصب. فلما تفاقم شر أولئك المدرسين وصار الجامع ملعبًا لا متعبّدًا واشتغل بأصواتهم المصلون عن صلاتهم والذاكرون عن ذكرهم، رجَّح إمام العصر (^٢) أعزّ الله به الدين منع صاحب الكرسي من الإملاء في الجامع وأمره بالعود إلى المسجد الذي كان يملي فيه. فحضر أولئك المستمعون على عادتهم وكان الإملاء قبل صلاة العشاء فلما لم يحضر شيخهم، ذهب بعضهم ليجيء به من بيته، فأخبرهم أن الإمام قد منعه وأمره بالعود إلى حيث كان فلم يعذروه ولا سمعوا منه ورجعوا إلى الجامع، ثم ثاروا ثورة شيطانية وقاموا قومة طاغوتية، فمنعوا [الناس] من الصلاة في الجامع، وما زال ينضم إليهم كل رافضي ومن له رغبة في إثارة الفتن حتى صاروا جمعًا كثيرًا ثم خرجوا فقصدوا بيت المؤذن الذي أظهر عليهم الرأي الإمامي فرجموه حتى كادوا يهدمونه، وفيه نساء وأطفال قد صاروا في أمر مريج، هذا وليس لذلك المؤذن المسكين سعي ولا له قدرة على شيء، ولكنه أرسل بالرأي الإمامي والي الأوقاف إليه ووالي الوقف أيضًا ليس له سعي في ذلك ولكنه أرسله إليه بعض من يتصل بالمقام الإمامي، ثم لما فرغوا من رجم بيت المؤذن، ذهبوا ولهم صراخ عظيم وأصوات شديدة إلى بيت والي الأوقاف، وهو رجل من أهل العلم من آل رسول الله ﵌ فرجموا بيته رجمًا شديدًا حتى غشي على بعض من فيه من
_________________
(١) وسمه: جعل له صفة يعرف بها.
(٢) هو الإمام المنصور على بن العباس (راجع ص ١٠٠ هامش).
[ ١٥٣ ]
الشرائف، فقال لهم قائل إن هؤلاء الشرائف المرجومات هن بنات نبيكم وبنات علي بن أبي طالب، ولم يكنّ بنات معاوية ولا بنات عمرو بن العاص وغيرهما ممن تعادونهم فما لكم ولهن، فلم يلتفتوا إلى ذلك واستمروا على الرجم ثم دخلوا إلى بعض البيت ونهبوا بعض متاعه، وبلغهم أن والي الأوقاف وولده بمسجد قريب بيته، فحاصوا حيصة حُمُر الوحش، وصرخوا صرخة الحُمُر الأهلية وذهبوا إلى ذلك المسجد عازمين على قتله، فأغلق عليه بعض الناس مقصورة المسجد فسلم. ثم ذهبوا بصراخهم وجلبتهم إلى بيت بعض أهل العلم من أهل البيت النبويّ وكان يعظ الناس بالجامع ويتظهر ببعض من السنة، فرجموا بيته رجمًا شديدًا وفيه شرائف وأطفال. ثم ثاروا إلى بيت بعض وزراء الخليفة لا لذنب إلّا لكونه ينافسه ذلك الوزير الرافضي، وكونه ينتسب إلى بعض بطون قريش، فرجموه رجمًا شديدًا، ثم كسروا بعض أبوابه ودخلوا وكادوا يتصلون بمن فيه لولا أنه حماهُ جماعة بالرمي بالبنادق وآخرون بالسلاح، ويتصل ببيت هذا الوزير المرجوم بيت وزير آخر من أهل العلم فرجموه، ورجمهم من في بيت الوزير حتى أصابوا جماعة منهم فتركوه، وسبب رجمهم لبيت الوزير هذا أنه من جملة من يتظهّر بعلم السنّة، ثم لما كاد ينقضي الليل فارقوا ما هم فيه وقد أثاروا فتنة عظيمة، ومحنة شديدة، ولما كان النهار جمع الخليفة أعوانه وطلبني واستشارني، فأشرت عليه بأن يحبس أولئك المدرسين الذين أثاروا الفتنة في الجامع بسبب ما يصدر منهم من نكاية القلوب وإثارة العوام، فحبسهم ثم أشرت عليه بأنه يأمر بتتبع أولئك الذين رجموا البيوت وفعلوا تلك الأفاعيل، ومن وجدوه حبسوه، ويأمر بتتبع جماعة من شياطين الفقهاء المثيرين للفتنة ففعل وحبسوا جميعًا، ولكن لم ينصح والي مدينة صنعاء لموافقته للوزير الرافضي في الرفض ومهابته له ووقوفه عندما يختاره ويرتضيه، وبعد أن اجتمع في الحبس جماعة كثيرة من هؤلاء أرسل الإمام حفظه الله لجماعة من
[ ١٥٤ ]
شياطينهم المباشرين للفتنة من الفقهاء فجيء بهم من الحبس إليه وضربهم بالعصي تحت داره وهو ينظر، ثم أرسل في اليوم الآخر لجماعة أهل السوق المباشرين للفتنة فصنع بهم ما صنع بأولئك، ثم جعل جماعة من شياطين الجميع في سلاسل، وأرسل بهم إلى جزائر البحر في هيئة منكرة فسكنت الفتنة سكونًا تامًّا.
ولقد شاهدت من التعصبات في هذه الفتنة ما بهرني من الخاصة والعامة، أما الخاصة: فإني رأيت من أهل بيت الخلافة من أولاد الإمام وغيرهم ومن الوزراء والأمراء والقضاة وأهل العلم من ذلك ما يعجب منه، فإني لما أشرت على الخليفة بما أشرت خرجت من المكان الذي هو مستقر فيه إلى حجرته وفيها أكابر أولاده وهم إذ ذاك أمراء الأجناد، وعندهم جميع الوزراء وهم جميعًا في أمر مريج (^١) فيهم من يعظم عليه حبس أولئك المدرسين ويراه حطًّا في مرتبة الرفض ونقصًا من الرافضة، وقد قتل منهم ذلك الوزير الرافضي في الذروة والغارب (^٢) وأوهمهم أنها ستثور فتنة من العامة والأجناد، وما زال بعض أولاد الخليفة يردّد علي ذلك ويرغبني في الرجوع عن الشور الذي أشرت به على الخليفة ويذكر ما قد ألقاه إليه الوزير الرافضي من خشية ثورة الأجناد والعامة، فمازلت أعرفه بالصواب وأذكر له أن هذه الفتنة لو لم تحسم يومنا هذا بحبس المثيرين لها لهلك غالب الناس في الليلة الواصلة ونهبوا الأموال جهارًا، وأنه سيصل الأمر إلى الخليفة وأولاده فضلا عن غيرهم، وعرفته أنه ما سيثور بسبب ذلك أجناد ولا
_________________
(١) في (ب) مريع.
(٢) قتل في الذروة والغارب: الذروة أعلى السنام، الغارب: مقدم السنام (ما بين السنام والعنق) وأصل قتل في الذروة هو أن يجيء الرجل بالخطام إلى البعير الصعب وقد ستره منه لئلا يمتنع عليه فيأخذ في قتل أعلى سنامه حتى يأنس به فإذا تمكن منه وضع له الخطام ليقوده به، وهذا المثل يضرب في الخداع والمماكرة (مجمع الأمثال، للميداني ٢/ ٤٣٦ لسان العرب مادة قتل).
[ ١٥٥ ]
غيرهم، فإن هذا تسكين للفتنة لا إثارة لها، ولقد حمدوا هذه المشورة بعد حين وعرفوا أنها صواب وأن بها كان سكون تلك الفتنة التي غلت مراجلها وكادت تعم جميع أهل صنعاء ثم تسري بعد ذلك إلى سائر الديار اليمنية.
وأما العامة: فلا يتسع المقام لسرد ما شوهد منهم من الصولة والجولة والاشتغال بهذا الأمر ولقد كنت أرى كثيرًا من المنسوبين إلى العلم يبكون رحمة لإخوانهم المثيرين للفتنة لما حلّ بهم من العقوبة، ولقد تغيرت بهجة هذه المدينة "العظيمة" وتكدرت مشاربها العلمية وذهب رونق معارفها بما يصنعه جماعة المقصرين المغيّرين لفطرتهم السليمة بما حدث من علوم الروافض ودسائسهم، التي هي أنسر على المقصرين من السم القتال وأدوى على من لم تستحكم معرفته وترسخ في العلوم قدمه من الداء العضال، على كثرة من فيها من العلماء المنصفين والطلبة المتميزين والأذكياء الماهرين، فإنه قلّ أن يوجد بمدينة من المدائن ما يوجد الآن في صنعاء من رجوع أهل العلم بها إلى ما صح عن الشارع وعدم تعويلهم على الرأي وطرحهم للمذاهب عند قيام الدليل الناهض، فإن هذه مزيّة وفضيلة لا تكاد تعرف في سائر الأقطار إلا في الفرد الشاذ البالغ من العلم إلى منزلة عليّة مع مراجعته لفطرته وتفكره في طروء ما طرأ عليها من المغيرات وتدبره لما قدمنا ذكره من الأسباب الموجبة للتعصب الحائلة بين المتمذهبين وبين الإنصاف، وهذا النادر الشاذ يبالغ في الكتم ويستكثر من المجانبة لما يظنه الحق مخافة من وثوب المقلدة عليه وهتكهم له، لأنهم لا يقنعون من العالم وإن كان في أعلى درجات الاجتهاد إلا بأن يكون مثلهم مقلدًا بحتًا مقتديًا بالعالم الذي يقلدونه هم وأسلافهم، وإن كان هذا العالم الذي يريدون منه ذلك أعلا رتبة وأجلّ قدرًا وأكثر علمًا من عالمهم الذي يقلدونه كما يجده من له اطلاع على كثير من أحوال الناس، فإن في علماء المذاهب الأربعة من هو أوسع علمًا وأعلا قدرًا من إمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ويقتدي بما قاله في
[ ١٥٦ ]
عبادته ومعاملته وفي فتاويه وقضائه، ويسري ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه إمامه وإن كان دليله ضعيفًا أو موضوعًا أو لا دليل بيده أصلًا، بل مجرّد محض الرأي، ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة بالتأويل المتعسف وحينًا بالزور الملفف، مع كونه بمكان من العلم لا يخفى عنده الصواب، ولا يلتبس معه الحق، ولكنه يفعل ذلك مخافة على نفسه من تلك الطبقة المشؤومة، أو تأثيرًا لما قد ظفر به من الدنيا والجاه الذي لا يستمر له إلّا بالموافقة لهم والسلوك فيما يرضيهم، وقد يحمله على ذلك الحرص على نفاق مصنفه بينهم واشتهاره عندهم وتداولهم له. وما كان أغناه عن هذه البليّة التي وقع/ فيها والجناية التي جناها على نفسه في العاجلة والآجلة، أما في الآجلة فظاهر، فإن اشتغاله بذلك التصنيف المشتمل على تأثير رأي فرد من أفراد أهل العلم على ما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله، من أعظم الذنوب التي تلقاه بين يدي الله فإنه ضالّ مضل مفتون فاتن محارب للشريعة المطهرة معاند لها، فعليه إثم بما سنّه من هذه السنّة السيئة وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأما في العاجلة فإن مثل هؤلاء الصمّ البكم من المقلدة لا يفرح العاقل بانتشار مصنّفاته عندهم وشيوعها بينهم، لأنهم لا يفهمون العلم ولا يعرفون أهله ولا فرق بينهم وبين العامة البحث إلّا مجرد الدعوى والتلبس بلباس أهل العلم والقعود في مقاعد أهله، فكما أن العاقل لا يفرح بإقرار جماعة له من البدوِ والحرّاث أو السوقة من أهل الحياكة والحجامة وسقّاط أهل المهن الدنيئة والمعائش (^١) الوضيعة، كذلك لا ينبغي له أن يفرح بمثل ذلك المقلّدة، فإنهم كما قال القائل (^٢):
_________________
(١) في (ب) المعاشر.
(٢) ينسب هذا البيت لأبي الأسود الدؤلي العقد الفريد ٦/ ٢٥٧ ولم نجده في ديوانه المطبوع.
[ ١٥٧ ]
فإن لم يكنها أو تكنه فإنّه … أخوها غذّته أمّهُ بلبانها
ومع هذا فإنه يعرّض نفسه بهذا التصنيف لاستقصار أهل العلم الذين هم أهله وعليهم المعوّل فيه لغايته واستحقار ما جاء به والإزراء عليه من كل واحد منهم في عصره ذلك وما بعده من العصور ما دام ذلك المصنف المشؤوم موجودًا على وجه الأرض كما هو معلوم، فإن المحققين من أهل العلم إذا عثروا على شيء من هذه المصنفات المتعسفة الخارجة عن الحق انقبضت أنفسهم عنه واستبردوه، وسقط مصنفه عندهم ولم يعدوه من أهل العلم في ورد ولا صدر، وألحقوه بالطبقة التي حملته على ذلك الصنع الذي صنعه لهم وأخملوا ذكره في مصنفاتهم التي هي المصنفات المعتبرة.
وبالجملة فما صنع هذا المصنف لنفسه بذلك التصنيف إلّا ما هو خزي له في الدنيا والآخرة ووبال عليه في الآجلة والعاجلة.
وقد يسلك بعض هؤلاء مسلكًا هو أحسن (^١) من ذلك المسلك وذلك بأن يورد الأقوال ويحتج لكل واحد منها بما احتج به قائله ويستكثر من إيراد أدلة ما هو الحق منها ويخرجه من مخارجه المقبولة ثم يذكر ما قيل من ضعف دليل ما قال به من يعتقده أهل عصره وقطره، وينسب ذلك التضعيف إلى من يعتدّ به من أهل العلم، ثم يعترض ذلك التضعيف باعتراض يعرف من هو من أهل العلم والإتقان سقوطه وبطلانه، ركونًا منه على أن ذلك لا يخفى على من له قدم في العلم وزعمًا أنه قد رَمزَ لهم إلى ما هو الحق بإيراد دليله الصحيح وإلى ما يخالفه بإيراد دليله الضعيف وأنه لم يأتِ بما أتى به من الاعتراض الساقط والتقوية للقول الفاسد إلا على وجه لا يخفى على أهل الإتقان ولا يلتبس عند العارفين، وهو في زعمه قد أرضى الخاصة والعامة وسلك مسلكًا في غاية التحذلق ونهاية التبصّر وهو لا يشعر بأن الخاصة من
_________________
(١) في (ب) أخَسّ.
[ ١٥٨ ]
أهل التحقيق في غنى عن رمزه وهمزه وتحذلقه فإنهم يعرفون مسالك الحق بدون ما زعمه ويأخذون الصواب من معادنه، فنفاق ما جاء به لديهم غاية ما فيه أنهم لا يطعنون عليه بالجهل والقصور والبلادة وبعد الإدراك، ولكنه قد فتح للمقصّرين أبواب الطعن علي الأدلة الصحيحة، وزادهم إلى ما لديهم من البلايا الباطلة بلايا أخرى، وجعل بينهم وبين الرجوع إلى الحق ردمًا فوق الردم الذي قد كان معمورًا ورفع أبنية الباطل وشيّدها ولم يهدم منها بتصنيفه حجرًا ولا مدرًا لأنه لقنهم المطاعن علي الشرع، وفتح لهم أبواب المقال على الأدلة وهم لا يعرفون أن إعتراضه (^١) فاسد، وأنه لا ينفق ولا يصلح لقصور إفهامهم عن إدراك ما هو صحيح أو باطل وضعف معارفهم عن البلوغ إلى درجة التمييز فزادهم بما أفادهم شرًا إلى شرهم وتعصّبًا إلى تعصبهم وبعدًا عن الحق إلى بُعدهم، ولم ينتفع الخاصة بشيء مما جاء به من الألغاز بل أنزل بهم من الضرر ما لم يكن، قبله فإن أهل التعصب يصولون عليهم باعتراضه ويجولون، ويدفعون به في وجه من قال بضعف دليل القول الذي قاله من يقلدونه ويجعلون ذلك ذريعة لهم إلى الاغتباط بما هم فيه، والتهالك على ما ألفوه ووجدوا عليه آباهم. وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف والتأليف الذي ينبغي لأهل العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه، هو أن ينصروا فيه الحق، ويخذلوا به الباطل ويهدموا بحججه أركان البدع ويقطعوا به حبائل التعصب، ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البيّنات والهدى ويبالغوا في إرشاد العباد إلى الإنصاف، ويحبّبوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب والسنّة، وينفّروهم من اتباع محض الرأي، وزائف المقال وكاسد الاجتهاد، ولا يمنعهم من ذلك/ ما يخيله لهم الشيطان ويسوّله من أن هذا التصنيف لا ينفق عند المقلدة، أو
_________________
(١) في (ب) اعتراضهم.
[ ١٥٩ ]
يكون سببًا لجلب فتنة أو نزول مضرة أو ذهاب جاه أو مال أو رئاسة، فإن الله ناصر دينه ومتمم نوره وحافظ شرعه ومؤيد من يؤيّده وجاعل لأهل الحق ودعاة الشرع والقائمين بالحجة سلطانًا وأنصارًا واتباعًا وإن كانوا في أرض قد انغمس أهلها في موجات البدع وتكسّعوا (^١) في متراكم الضلال، وقد قدّمنا الإرشاد إلى شيء من هذا.
فإن قُلتَ: هؤلاء المتعصبة قد طبَّقوا جميع أقطار الأرض الإسلامية وصارت المدارس والفتاوي والقضاء وجميع الأعمال الدينية بأيديهم، فإن كل مملكة من الممالك الإسلامية يعتزي أهلها إلى مذهب من المذاهب، ونحلة من النحل، وكل بلد من البلاد وقطر من الأقطار كثرت أو قلَّت، لابد أن يكون أهلها مقلّدين لميت من الأموات يأخذون عنه ما يجدون في مؤلفاته ومؤلفات أتباعه المقلّدين له، حتى صارت مسائل مذهبهم نصب أعينهم، لا له، يتحوّلون عنها ولا يخالفونها ويعتقد من تفاقم تعصبه من المقلّدة أن الخروج عن ذلك خروج من الدين بأسره، وإن كانت بقية المذاهب على خلافه في تلك المسألة كما نجده في كل مذهب من المذاهب الأربعة وغيرها، فما عسى يغني إرشاد فرد من أفراد العلم إلى الإنصاف واتباع نص الدليل في قطر واسع من أقطار الأرض أو مدينة كبيرة من مدائنه، فإنه بأول كلمة تخرج منه وأيسر مخالفة يفوه بها، يقوم عليه من المقلدة من ينغّص عليه مشربه ويكدّر عليه حاله، وأقل الأحوال أن يسعى به هؤلاء المقلدة إلى أمثالهم ممن بأيديهم الأمر والنهي والدولة والصولة فيمنعونه من المعاودة ويتوعدونه بأبلغ توعّد، هذا إذا لم يمنعوه من التدريس والإفتاء بمجرّد ذلك، ويحولون بينه وبين ما أردت منه بكل حائل، وما يصنع المسكين بين مئين من المقلدة كل واحد منهم أجل قدرًا منه، وأنبل ذكرًا وأحسن ثيابًا وأفره مركوبًا، وأكثر
_________________
(١) تكسع في ضلاله أي ذهب. (الحبشي).
[ ١٦٠ ]
اتباعًا، عند ألوف مؤلفة من العامة الذين هم بين جند وسوقة وحراث وأهل حرف لا يفهمون خطابًا ولا يعقلون حقًّا، فما ظنك بالعامة إذا بلغهم الخلاف بين فرد من أفراد العلم حامل الذكر، وبين جميع من يعدونه عالمًا من أهل بلدهم من المدرسين والقضاة والمفتين وهم عدد جم ومقدار ضخم، أتراهم يظنون الحق بيد ذلك الفرد ويتبعونه ويقولون بقوله ويدعون من يخالفه من أهل مدينتهم قاطبة؟! هذا ما لا يكون، فإنّا نجد العامة في قديم الزمن وحديثه مع الكثرة ولا سيما من كان له من أهل العلم نصيب من دولة كالقضاة فإن الواحد منهم يعدل عند العامة ألوفًا من أهل العلم الذين لا مناصب لهم ولا دولة، فكيف إذا انضم إلى ذلك ما يُلقيه إليهم المقلدة من الكلمات التي تثير غضبهم وتستطير حميتهم كقولهم: هذا الرجل يخالف إمامكم، ويدعو الناس إلى الخروج من مذهبه، ويزري عليه ويقول إنه جاء بغير الحق، وخالف الشرع، فإنهم عند سماع هذا، ما قد مع رسخ في عقائدهم وثبت في عقولهم، لا يبالون أي دم سفكوا وأي عرض انتهكوا يعلم هذا كل من له خبرة بهم وممارسة لهم.
قُلتُ: هذا السؤال الذي أوردته أيها الطالب للحق الراغب في الإنصاف قد أفادنا أنك لم تفهم ما قدمته لك في هذا الكتاب حق الفهم ولم تتصوره كلية التصور فقد كررت لك في مواضع منه ما تستفيد منه جواب ما أوردته هنا، فعاود النظر وكرّر التدبّر وأطل الفكر، بعد أن تبالغ في تصفية الفطرة وتستكثر من الاستعداد للقبول، وهب أنه لم يتقدم ما يصلح أن يكون جوابًا لما خطر ببالك الآن من هذا السؤال فها أنا أجيب عليك بجوابين: الأول جواب مجمل، والآخر جواب مفصّل.
أما الجواب المجمل: فأقول لك بعد تسليم جميع ما أوردته في سؤالك هذا من أن حامل العلم ومبلغ الحجة سيحال بينه وبين ما يريده بأول
[ ١٦١ ]
كلمة تخرج منه فيها مخالفة لما قد ألفه الناس، ولا يقدر بعدها على شيء من الهداية إلى الحق والارشاد إلى الإنصاف لما قدرته من أنها ستقوم عليه القيامة وتأزف (^١) عليه الآزفة وتضيق عنه دائرة الحق وتنبو عنه جميع المسامع، وتؤخذ عليه كل وسيلة، فبعد هذا كله قد قام بما أوجب الله عليه، وأراد ما طلبه الله منه من الهداية، ووفى بما أخذ عليه من العهد، وامتثل ما ألزمه به من البيان، وصار بذلك من العلماء العاملين القائمين بنشر حجج الله وإبلاغ شرائعه، وهذا فرضه ليس عليه غيره ولا يجب منه سواه. فهو لم يكتم ما علّمه الله ولا خان عهد الله ولا خالف أمره ولا اشترى به ثمنًا قليلًا ولا باعه بعرض من أعراض الدنيا. فله أجر من مكنه الله من ذلك وخلى بينَه وبينِه لأنه قد قام في المقام الذي افترضه الله عليه وسلك/ الطريقة التي أمره بسلوكها فحال بينه وبينه من لا يطيق دفعه ولا يقدر على مناهضته فكان ذلك قائمًا بعذره مسقطًا لفرضه موجبًا لاستحقاقه لثواب ما قد عزم عليه وأجر ما أراده. فأي غنيمة أجلّ من غنيمته ونعمة أكبر من نعمته، وأين منزلته عند الله من منزلة من فتح الله عليه من أبواب معارفه ولطائف شريعته بما يفرق به بين الحق والباطل ويعرف به صواب القول من خطئه، فَكَتم الحجة وآثر على نشرها ما يرجوه من استدرار خلف من أخلاف الدنيا ونيل جاه من الجاهات ورئاسة من الرئاسات ومعيشة من المعائش، فمضى عمره وانقضت حياته كاتما للحجة مخالفًا لأمر الله نابذًا لعهده طارحًا لما أخذه عليه.
وأما الجواب المفصل: فاعلم أني لم أرد بما أرشدت إليه في هذا الكتاب ما خطر ببالك ولا لوم عليّ فقد كررت لك ما قصدته تكريرًا لا يخفى على الفطن، فهل طلبت من حامل الحجة أن يقوم بين ظهراني الناس قائلًا: اجتنبوا كذا من الرأي اتبعوا كذا من الكتاب والسنة صارخًا بذلك في المحافل
_________________
(١) تأزف: أي تحين والآزفة من أسماء يوم القيامة. (الحبشي).
[ ١٦٢ ]
ناطقًا به في المشاهد، علمه بتراكم سحائب الجهل، وتلاطم أمواج بحار التعصب، واظلام أفق الإنصاف واكفهرار وجه الاسترشاد، فإن هذا وإن كان مسقطًا لما افترضه الله على من استخلصه من عباده لحمل حجته وإبلاغ شريعته لكن لكل عالم قدوة بأنبياء الله، وأسوة بمن أرسله من رسله فقد كانوا عليهم الصلاة والسلام يدبرون عباد الله بتدبيرات فيها من الرفق واللطف وحسن المسلك ما لا يخفى على أهل العلم. فإن نبينا ﵌ قد تألّف رؤساء المشركين، وهم إذ ذاك حديثو عهد بجاهلية وترك المهاجرين والأنصار من الغنيمة وسيوفهم تقطر من دماء المُؤلَّفين واتباعهم ومن يشاكلهم فيما كانوا عليه. وصح عنه ﵌ أنه ترك من كان منافقًا على نفاقه وعصمهم بظاهر كلمة الإسلام ولم يكشفهم، وَيَبْلُو (^١) ما عندهم بعد أن ظهر منهم ما ظهر من النفاق كعبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين وقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". وقد اشتمل الكتاب والسنّة على ما كان يقع من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه من تدبير أمَمِهم والرفق بهم واغتنام الفرص في إرشادهم وإلقاء ما يجذبهم إلى الحق في الوقت بعد الوقت والحالة بعد الحالة على حسب ما تقبله عقولهم وتحتمله طبائعهم وتفهمه أذهانهم. فالعالم الذي أعطاه الله الأمانة وحمله الحجة وأخذ عليه البيان يورد الكلام مع كل أحد على حسب ما يقبله عقله وبقدر، استعداده، فإن كان كلامه مع أهل العلم الذين يفهمون الحجة ويعقلون البرهان ويعلمون أن الله سبحانه لم يتعبد عباده إلا بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله، وحال بينهم وبين الالتفات إلى ذلك والرجوع إليه والعمل عليه ما تكدرت به فطرهم وتشوشت عنده أفهامهم، من اعتقاد حقية التقليد، أو استعظام الأموات من أهل العلم، أو استقصار أنفسهم عن
_________________
(١) في (ب) ويتلف.
[ ١٦٣ ]
معرفة الحق بنص الدليل، فعليه أن يعتمد معهم تسهيل ما تعاظموه من الوقوف على الحق، قائلًا: إن الله تعبّد جميع هذه الأمة بما في الكتاب والسنة، ولم يخص بفهم ذلك من كان من السلف دون من تبعهم من الخلف ولا قصر فضله بما شرعه لجميع عباده على أهل عصر دون عصر أو أهل قطر دون قطر أو أهل بطن دون بطن. فالفهم الذي خلقه للسلف خلق مثله للخلف والعقل الذي ركَّبه في الأموات، ركَّب مثله في الأحياء. والكتاب والسنّة موجودان في الأزمنة المتأخرة كما كانا في الأزمنة المتقدمة والتعبّد بهما لمن لحق كالتعبّد لمن مضى. وعلم لغة العرب موجود في الدفاتر عند المتأخرين، على وجه لا يشذ منه شيء بعد أن كان المتقدمون يأخذونه عن الرواة حرفًا حرفًا، ويستفيدون من أربابه كلمة كلمة. وكذلك تفسير الكتاب العزيز موجود في التفاسير التي دوّنها السلف للخلف بعد أن كان الواحد منهم يرحل في تفسير آية من كتاب الله إلى الأقطار الشاسعة. وكذلك الأحاديث المروية عن رسول الله ﵌ موجودة في الدفاتر التي جمعها الأول للآخر، بعد أن كان الواحد منهم يرحل في طلب الحديث الواحد إلى البلاد البعيدة. وهكذا جميع العلوم التي يستعان بها على فهم الكتاب والسنّة فالوقوف على الحق والاطلاع على ما شرعه الله لعباده قد سهّله الله على المتأخرين ويسره على وجه لا يحتاجون فيه من العناية والتعب/ إلا بعض ما كان يحتاجه من قبلهم (^١). وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى (^٢). ثم إن هذا العالم يوضح لمن يأخذ عنه العلم في كل بحث ما
_________________
(١) ركَّز المؤلف جهوده من خلال التدريس أو التأليف على محاربة التقليد والدعوة للاجتهاد، وقد حاول في معظم كتاباته، دحض حجج ومبررات أنصار التقليد، التي يؤكدون بها على تعذر الاجتهاد، بعد القرن الرابع الهجري، مؤكدًا على أن الاجتهاد في القرون المتأخرة أصبح أكثر يسرًا وسهولة مما كان عليه سابقًا، انظر: إرشاد الفحول ص ٢٥٤ - ٢٥٥ قطر الولي ص ٣٣٦ وما بعدها، القول المفيد ص ٢٨ - ٢٩؛ البدر الطالع ٢/ ٨٥ - ٩٠.
(٢) راجع ما سبق ص ٨٤ وما بعدها.
[ ١٦٤ ]
يقتضيه الدليل ويوجبه الإنصاف، وهو وإن أبى ذلك في الابتداء فلا بد أن يؤثر ذلك البيان في طبعه قبولًا وفي فطرته انقيادًا، ويحرص على أن تكون أوقاته مشغولة بتدريس الطلبة في كتب التفسير والحديث وشروحه، وفي كتب الفقه التي يتعرض مؤلفوها لذكر الأدلة والترجيح، فإنه في تدريس هذه المؤلفات يتيسر له من الإرشاد والهداية وتأسيس الحق وتقريب الإنصاف ما لا يتيسر له في غيرها، وإن كان كلامه مع من هو دون هذه الطبقة. فأنفع ما يلقيه إليه، هو ترغيبه في علوم الاجتهاد، وتعريفه أن المقصود بهذه العلوم هو الوصول إلى ما وصل إليه علماء الإسلام، فإذا جدَّ في ذلك فقد انفتحت معه أبواب الهداية، ولاحت عليه أنوار التوفيق، ثم إذا تأهَّل واستعد لفهم الحجة، سلك معه المسلك الأول. ومن كان لا يهتدي إلى طلب تلك العلوم بوجه من الوجوه، فأقرب ما يسلكه العالم معه، هو أن ينظر إلى من قال من أهل العلم الذين يعتقدهم ذلك المقصر، بما قامت عليه الأدلة وأوجب سلوكه الإنصاف فيقول له: أن قول العالم الفلاني قول راجح لقيام الأدلة عليه. ثم يصنع معه هذا الصنع في المسائل التي يعتقدها تقليدًا ويجمد عليها قصورًا فإن انتفع بذلك فهو المطلوب. وإن لم ينتفع فأقل الأحوال السلامة من معرّته والخلوص من شرّه.
وأما العامة الذين لم يتعلقوا بشيء من علم الرأي: فهم أسرع الناس انقيادًا وأقربهم إلى القبول إن سلموا من بلايا ما يلقيه إليهم المتعصبون.
وبالجملة: فالعالم المتصدي للإرشاد المتصدي للهداية لا يخفى عليه ما يصلح من الكلام مع من يتكلم معه. فهذا هو الذي أردته من نشر حجج الله وإرشاد العباد إليها وقد قدمته بأبسط من هذا وإنما كررته هنا لقصد دفع ما سبق من السؤال.
[ ١٦٥ ]