ومن الأسباب المقتضية للتعصب: أن يكون بعض سلف المشتغل بالعلم قد قال بقول ومال إلى رأي، فيأتي هذا الذي جاء بعده فيحمله حب القرابة على الذهاب إلى ذلك المذهب والقول بذلك القول، وإن كان يعلم أنه خطأ، وأقل الأحوال إذا لم يذهب إليه أن يقول فيه أنه صحيح ويتطلب له الحجج ويبحث عما يقوّيه وإن كان بمكان من الضعف ومحل من السقوط، وليس له في هذا حظ ولا معه فائدة، إلّا مجرد المباهاة لمن يعرفه والتزيّن لأصحابه بأنه في العلم معرق وإن بيته قديم فيه. ولهذا ترى كثيرًا منهم يستكثر من: قال جدنا، قال والدنا، اختار كذا، صنع كذا، فعل كذا. وهذا لا شك أن الطباع البشرية تميل إليه ولا سيما طبائع العرب فإن الفخر بالأنساب والتحدث بما كان للسلف من الأحساب يجدون فيه من اللذة ما لا يجدونه في تعدد مناقب أنفسهم، ويزداد هذا بزيادة شرف النفس وكرم العنصر ونبالة الآباء، ولكن ليس من المحمود أن يبلغ بصاحبه إلى التعصب في الدين، وتأثير الباطل على الحق، فإن اللذة التي يطلبها والشرف الذي يريده قد حصل له بكون من سلفه ذلك العالم، ولا يضيره أن يترك التعصب له ولا يمحق عليه شرفه بل التعصب - مع كونه مفسدًا للحظ الآخروي - يفسد عليه أيضًا الحظ الدنيوي، فإنه إذا تعصّب لسلفه بالباطل، فلا بد أن يعرف كل من له فهم أنه متعصب، وفي ذلك عليه من هدم الرفعة التي يريدها والمزية التي يطلبها ما هو أعظم عليه وأشد من الفائدة التي يطلبها، بكون له قريب عالم. فإنه لا ينفعه صلاح غيره مع فساد نفسه. وإذا لم يعتقد فيه السامع التعصب
[ ١١١ ]
اعتقد بلادة الفهم ونقصان الإدراك وضعف التحصيل. لأن الميل إلى الأقوال الباطلة ليس من شأن أهل التحقيق الذين لهم كمال إدراك وقوة فهم وفضل دراية وصحة رواية، بل ذلك دأب من ليست له بصيرة نافذة ولا معرفة نافعة.
فقد حصل عليه بما تلذذ به وارتاح إليه من ذكر شرف السلف ما حقق عند سامعه بأنه من خلف الخلف.
ولقد رأيت من أهل عصري في هذا عجبًا فإن بعض من جمعني وإياه الطلب لعلوم الاجتهاد يتعصب لبعض المصنفين من قرابته تعصبًا مفرطًا، حتى أنّه إذا سمع من يعترض عليه أو يستبعد شيئًا قاله، اضطرب وتزبّد وجهه وتغيّرت أخلاقه سواء عليه من اعترض بحق أو بباطل، فإنه لا يقبل سمعه في هذا كلامًا، ولا يسمع من نصيح ملامًا، ومع هذا فهو بمحل من الإنصاف ومكان من العرفان قد تحصلت له علوم الاجتهاد تحصّلًا قويًا ونظر في الأدلة نظرًا مشبعًا، وكان صدور مثل هذا منه يحملني في سن الحداثة وشرخ الشباب على تحرير مباحث انقض بها رسائل ومسائل من كلام قريبه، قاصدًا بذلك إيقاظه ورده إلى صوب الصواب، وكنت إذا أردت إغضابه أو الانتصاف منه ذكرت بحثًا من تلك الأبحاث أو مسألة من تلك المسائل التي اعترضتها، ولهذا السبب تجد من كان له سلف على مذهب من المذاهب، كان على مذهبه، سواء أكان ذلك المذهب من مذاهب الحق أو الباطل. ثم تجد غالب العلوية شيعة وغالب الأموية عثمانية، وكان تعظيم عثمان في الدولة الأموية عظيمًا، وأهل تلك الدولة مشغولون بحفظ مناقبه ونشرها وتعريف الناس إياها، وكانوا إذ ذاك يثلبون من كانت بينه وبينه عداوة أو منافسة، ثم لما جاءت الدولة العباسية عقبها، كان العباس عند أهلها أعظم الصحابة قدرًا وأجلهم، وكذلك ابنه عبد الله وتوصلت خلفاء بني العباس بكثير من شعراء تلك الدولة إلى تفضيل العباس على علي، ثم تفضيل أولاد العباس على أولاد علي وكان الناس في أيامهم هم عندهم أهل البيت،
[ ١١٢ ]
ويطبقون ما ورد من فضائل الآل عليهم، وأولاد علي إذ ذاك إنما هم عندهم خوارج لقيامهم عليهم ومنازعتهم لهم في الملك، ولقد كان بنو أمية قبلهم هكذا، يعتقد أهل دولتهم فيهم أنهم هم الآل والقرابة وعصبة رسول الله ﵌، وأن العلوية والعباسية ليسوا من ذلك في ورد ولا صدر بل أطبقوا هم وأهل دولتهم على لعن علي، ولا يعرف لديهم إلّا بأبي تراب والمنتسب إليه والمعظم له ترابي لا يقام له وزن ولا يعظم له جانب ولا تُرعى له حرمة، ثم قامت الدولة العبيدية فانتسبوا إلى علي وسموا دولتهم الدولة العلوية الفاطمية، ثم أفرطوا في التشيع وغالوا في حب علي وبغض كثير من الصحابة واشتغل الناس بفضائل علي ونشرها وبالغوا في ذلك حتى وضع لهم علماء السوء أكاذيب مفتراة، وقد جعل الله ذلك الإمام في غنى عنها بما ورد في فضائله.