وقد دعم المؤلف حلوله ومقترحاته بالدعوة إلى إعادة النظر في المناهج والقواعد الأصولية (أصول الفقه) باعتبارها الأداة أو المنهج الرئيسي للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، وقد أشرنا فيما سبق إلى بداية نشأة وتطور هذه المناهج وأنها قد استمرت في النمو والتطور خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، لتلائم وتستوعب المتغيرات والمستجدات الناجمة عن تطور حياة المسليمن وتنوع بيئاتهم ومشكلاتهم .. وكان من المفروض أن يستمر نموها واتساعها لتواكب أي تغيير إلا أنها تجمدت مع توقف حركة الاجتهاد، وأصبحت بالتالي غير قادرة على مسايرة تطورات الحياة فكان لزامًا إذا ما أريد فتح باب الاجتهاد من جديد أن يعاد النظر في تلك المناهج من جديد، وهو ما حاول الشوكاني فعله، فإنه لم يكتف فقط بالدعوة للاجتهاد وإنما سعى كذلك، لإصلاح قواعد ومناهج الاجتهاد نفسها أو على الأقل حاول أن يخطو، الخطوات الأولى في هذا السبيل:
فقد شكّك الشوكاني، أو أنكر حجية بعض القواعد الأصولية، كالإجماع والقياس والاستحسان، (ص ٢٤٦ - ٢٥٢)، واعتبارها قيدًا على حرية الاجتهاد أو وسيلة للتعمية لا الاكتشاف. وأنكر كذلك إسراف الفقهاء في استخدام "المجاز" لأنه أصبح - من وجهة نظره - عند المقلدين والمتعصبين للمذاهب من الوسائل التي يقومون عن طريقها برد أدلة الكتاب
_________________
(١) = تحقيق محمد سعيد العريان، القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (١٩٦٣) ص ٢٣٦ - ٢٣٧).
(٢) انظر كذلك: القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد ص ٢٨ - ٣٠.
[ ٥٧ ]
والسنة، إذا تعارضت مع مذاهبهم، بدعوى أن تلك النصوص "مجازية"، ونبَّه طلابه إلى أهمية التعرف على "الحيل الفقهية" وضرورة اجتنابها إذ أن كثيرًا من الفقهاء قد توسعوا فيها واتخذوا منها أداة للتحلل من بعض التكاليف الشرعية (٢٣٧ وما بعدها).
وفي مقابل ذلك كرر المؤلف التأكيد على سهولة ويسر الاجتهاد من خلال قواعد أكثر وضوحًا ومرونة، ومقدرة على استيعاب كل القضايا والمصالح المتجددة مثل مقاصد الشريعة لأن بناء الشريعة إنما هو على أساس جلب المصالح ودفع المفاسد (ص ٢٢٩ - ٢٣٤).
ولأن الشريعة الإسلامية، نظرًا لخلودها واستمراريتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان قد ركزت على المبادئ العامة، واتخذت من بيانها للأحكام المنهج "الكلي" لا "التفصيلي" أو الجزئي، وتركت مهمة التفاصيل المتغيرة بتغير الزمان والمكان لجهود العلماء والمجتهدين. ولهذا دعا الشوكاني إلى استخلاص تلك المبادئ العامة والقواعد الكلية، والتي يمكن من خلالها وباستخدام قواعد "الاستدلال" معالجة ووضع الحلول للكثير من الوقائع والمستجدات (الجزئيات).
* * *
وقبل أن نختم هذه الدراسة نحب أن نوضح بعض القضايا التي وردت في كتاب الشوكاني هذا (أدب الطلب) ومنها:
أولًا: علاقة الشوكاني بالزيدية وموقفه منها:
سيلاحظ القارئ في ثنايا هذا الكتاب نقد الشوكاني لمقلدي الزيدية وذمهم، بل وتهجُّمه الشديد عليهم، ونبزهم بـ "الروافض"، وقد يتبادر إلى ذهن البعض - وخاصة غير المطلع منهم على تراث الشوكاني - أن هذا النقد موجَّه للزيدية وللمذهب الزيدي بشكل عام وهذا غير صحيح، فالفئة التي
[ ٥٨ ]
يقصدها المؤلف بنقده في هذا الكتاب، إنما هي مجموعة من أدعياء العلم ظهرت في عصر الشوكاني وفي بعض المراحل السابقة لعصره، وسلكت طريقًا مغايرًا لمنهج الزيدية (سنشير إلى بعض خصائص الزيدية بعد قليل) وحاولت فرض التقليد، وإشاعة الغلو في التشيع، واتخذت من التعصب والإرهاب سلاحًا ضد كل من يخالفها في الرأي أو في هذا النهج. أما موقف الشوكاني الحقيقي من الزيدية وعلاقته بها، فهو وإن كنا لا نميل إلى تصنيف الشوكاني ضمن أي مذهب فقهي أو كلامي (أصولي)، إلا أننا نود التأكيد على أمرين:
الأول: إن أقرب تصنيف للشوكاني - من وجهة نظرنا - أنه مجتهد متحرر من أي نزعة مذهبية، فالإسلام هو المذهب الذي ينتمي إليه، ويستقي معارفه وآراءه من ينابيعه الأولى (الكتاب والسنة) بعيدًا عن أي تعصب مسبق لأي مذهب من المذاهب ولا ضده.
الثاني: إن الشوكاني، ظل الابن البار والوفي للزيدية التي أنجبته واكتسب منها عقلانيته ونضجه الفكري، وإيمانه بحرية الرأي والاجتهاد، حتى وصل إلى ما وصل إليه.
ولهذا حرص المؤلف على المحافظة على أصالة المذهب الزيدي، واستمراره في صورته الناصعة والبعيدة عن مظاهر التقليد والتعصب، والاهتمام بإزالة كل ما علق به من الشوائب في رحلته الطويلة خلال تعاقب القرون والأجيال، ولا أدلّ على تقدير الشوكاني للمذهب الزيدي واهتمامه به، من قيامه بشرح الكتب الرئيسية للمذهب كالأزهار وشفاء الأوام، أو الدفاع عن وجهة نظر المذهب في مسألة الصحابة في كتابه "إرشاد الغبي" كما أنه لا يخلو أي كتاب من كتبه من الإشادة بالمذهب وأئمته ومجتهديه،
[ ٥٩ ]
وقد خصص كتابه "البدر الطالع" لتراجم هؤلاء المجتهدين والأئمة، والدفاع عنهم، لأنهم لم ينالوا أي عناية أو اهتمام من علماء المذاهب الأخرى خارج اليمن بسبب نظرة أولئك العلماء الغير صحيحة عن المذهب الزيدي وعلمائه التي تقوم على التقليد كما يقول الشوكاني: "ولا ريب إن علماء الطوائف لا يكثرون العناية بأهل هذه الديار لاعتقادهم في الزيدية ما لا مقتضى له إلا مجرد التقليد لمن لم يطلع على الأحوال، فإن في ديارنا الزيدية من أئمة الكتاب والسنة عدد يجاوز الوصف يتقيدون بالعمل بنصوص الأدلة، ويعتمدون على ما صح من الأمهات الحديثية وما يلتحق بها من دواوين الإسلام المشتملة على سنة سيد الأنام ولا يرفعون إلى التقليد رأسًا، لا يشوبون دينهم بشيء من البدع التي لا يخلو أهل مذهب من المذاهب من شيء منها، بل هم على نمط السلف الصالح من العمل بما يدل عليه كتاب الله وما صح من سنة رسول الله … ولو لم يكن لهم من المزية إلّا التقيد بنصوص الكتاب والسنة وطرح التقليد فإن هذه خصيصة خص الله بها أهل هذه الديار في هذه الأزمنة الأخيرة ولا توجد في غيرهم إلّا نادرًا … " (^١).
ولهذا فإن نقد الشوكاني لتلك الفئة من الزيدية لم يأت من موقع معاد للزيدية، وإنما من موقف زيدي بحت، لأن الزيدية التي اتسمت بالعقلانية، وبفتحها الطريق واسعًا أمام العقل كأداة للتفكير والاختيار لا للتسليم والقبول، وتشجيعها للاجتهاد، قد طبع فكرها بالمرونة والتفتح، واتساع الأفق والبراءة من التعصب، وفي المقابل، فقد اتسمت كذلك برفض التقليد وانتقاص المقلدين والأزراء بكل عالم لا يضيف جديدًا (^٢). وأيضًا فقد تميز
_________________
(١) البدر الطالع ٢/ ٨٣ وانظر أيضًا: قطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص ٣٣٩؛ أدب الطلب ص ١٥٦.
(٢) د. عبد العزيز المقالح/ قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢٢، ٣٠.
[ ٦٠ ]
فكر الزيدية ومنهجها بالاعتدال والتوسط، والابتعاد عن الغلو والتفريط في كل القضايا الفكرية، سواء في الأصول أو الفروع، ومن تلك القضايا مسألة التشيع، وهذا ما ميَّز الزيدية عن معظم فرق الشيعة (الغالية)، بالرغم من التقائها مع تلك الفرق على تفضيل الإمام علي على بقية الصحابة، وجعل مسألة "الإمامة" من مسائل الأصول، وحصرها في أبناء الإمام علي (من فاطمة) إلّا أنهم يختلفون عنهم في مسائل كثيرة من أهمها: نفيهم لعصمة الأئمة، والحلولية والعلم اللدني، وينكرون الرجعة .. إلخ. وهذا أبعدهم عن تقديس وتأليه أئمة أهل البيت، كما إن عدم ذهابهم إلى القول بالنص "الجلي" على إمامة الإمام علي، وإقرارهم بإمامة المفضول مع وجود الفاضل، جعلهم يعترفون بشرعية الخلفاء الثلاثة السابقين للإمام علي. وجنَّبهم الخوض في تكفير الصحابة الذين خالفوا عليًا، أو قدموا عليه الثلاثة. ومن هنا فإن أي تجاوز لذلك النهج الذي يُميز الزيدية (العقلانية، الاعتدال، وحرية الاجتهاد والفكر، ونبذ التقليد) والميل إلى التقليد أو التعصب أو الغلو في التشيع، إنما هو خروج عن الزيدية نفسها وأي فرد أو جماعة تتجاوز هذا النهج، قد يطلق عليها صفة أو لقب التيار الفكري الذي تميل إليه (^١). وكان حدوث مثل هذا الأمر (التقليد أو الغلو في التشيع) إنما هو بمثابة أمر طارئ على الفكر الزيدي، وكان محل نقد واستهجان من كافة العلماء والمجتهدين في اليمن ومنهم الشوكاني، وغالبًا ما كان ظهور مثل تلك الحالات، وفي فترات متقطعة من تاريخ الفكر الزيدي، مرتبطًا بأحد العاملين التاليين (أو كليهما):
_________________
(١) يطلق الزيدية عادة على أي شخص يجنح إلى الغلو في التشيع لقب "رافضي" أو "جارودي" نسبة إلى أبي الجارود (ت بعد ١٥٠ هـ) الذي تنسب إليه إحدى فرق الزيدية القديمة، وكان من غلاة أهل الكوفة ابتعد كثيرًا عن منهج الإمام زيد فأصبح قريبًا من فرقة الإمامية الأثنى عشرية.
[ ٦١ ]
- قد يحدث التقليد والتعصب لنتيجة أو انعكاس لتردي الأوضاع السياسية وخاصة عندما تنحرف السلطة السياسية عن قواعد ومبادئ الزيدية في الحكم، القائم على إشاعة العدل واحترام الحريات ومقاومة الظلم والاستبداد، فتجنح تلك السلطة إلى الطّغيان والاستبداد، فينعكس ذلك على البنى الاجتماعية والفكرية، ويصيبها بالتشوه، ويغلب عليها التقليد والتعصب وضيق الأفق والاستبداد بالرأي، لأن الفكر لا يمكن له أن يزدهر أو ينمو نموًا صحيحًا خاليًا من التشوهات والانحرافات الفكرية، إلّا في ظل مناخات وأنظمة سياسية توفر العدل وترعى الحريات ولا تضيق بالمعارضة أو النقد.
- كما إن ظهور التطرف والمغالات في التشيع قد لا يخلو من تأثير خارجي، إذ كان يفد إلى اليمن بعض الأفراد أو الجماعات من فارس (إيران) إما لغرض السياحة أو العمل والتجارة ويعمدون أثناء إقامتهم باليمن إلى بث ونشر مذهبهم "الإمامي" في أوساط العامة ومن أبرز أولئك الأشخاص وأكثرهم تأثيرًا: يوسف العجمي، الذي قدم إلى اليمن عام ١١٦٠ هـ، وقد تمكن من الاتصال بالإمام المنصور، الحسين بن القاسم (حكم اليمن من سنة ١١٣٩ - ١١٦١ هـ) فأعجب به المنصور وحظي عنده، وبالغ في إكرامه وتعظيمه وكلفه بالتدريس في فضائل الإمام علي بالجامع الكبير بصنعاء، وقراءة شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد في مجلس المنصور، بحضور العلماء، أمّا الدرس الذي كان يلقيه في الجامع الكبير بين العشائين، فقد كان يتم في جو من المهابة، إذ أمر المنصور أن ينصب له كرسي في المسجد، وأن تسرج الشموع الكثيرة بين يديه (^١)، وكلَّف الشَّوش من أهل الدولة
_________________
(١) يلاحظ أن عادة نصب الكرسي وإسراج الشموع لكل من يدرس في فضائل الإمام علي، قد استمرت حتى بعد رحيل هذا الشخص عن اليمن، راجع ص ١٠٢، ١٥٢ من هذا الكتاب.
[ ٦٢ ]
بمرافقته، فاستغل يوسف، مكانته لدى المنصور وحب اليمنية للإمام علي وأهل البيت، لنشر مذهبه في التشيع في أوساط العامة وخاصة في دروسه التي يلقيها بالجامع تدريجيًا حتى لم يبق مذهب من مذاهب العجم - كما يقول زبارة - إلّا دسه في ذلك، فعظم الخطب حتى وصل الأمر إلى سب كبار الصحابة، واستمر على ذلك إلى أن طرد من اليمن عام ١١٦٦ هـ، عندما طرده المهدي عباس بن الحسين (حكم من سنة ١١٦١ هـ - ١١٨٩ هـ)، بعدما تبين له مسؤوليته عن إثارة الفتنة وتهييج العامة ضد العالم الكبير محمد إسماعيل الأمير التي استهدفت قتله، بتهمة النصب ومعاداة أهل البيت (^١).
ثانيًا: أما المسألة الثانية التي نريد التنبيه عليها في ما يتعلق ببعض الهفوات التي وقع فيها الإمام الشوكاني في هذا الكتاب:
بما أنه لا عصمة لأحد من البشر سوى الأنبياء، فإن أي إنسان يظل عرضة للخطأ مهما بلغ حظه من الكمال والعلم، وهذا من أعظم العبر، وقد تكون تلك الأخطاء التي يقع فيها العلماء، هي في الأمور التي لا يجهلون خطأها، وقد يسبق لهم أن نبهوا الأخرين - سلفًا - إلى عدم الانزلاق إليها، وهذا ما حصل بالفعل لكبار أعلام الفكر الإسلامي، وخاصة المكثرين منهم في التصنيف، كابن حزم الأندلسي، وأبو حامد الغزالي وأبو الفرج بن الجوزي وابن تيمية والسيوطي .. إلخ. ونفس الشيء حصل للشوكاني. وإن كانت أخطاؤه أقل ممَّن ذكرناهم بسبب منهجه العلمي وبعده عن أي تعصب مذهبي - فإنا نلاحظ عليه، أنه قد يبتعد قليلًا عن المنهج العلمي الذي
_________________
(١) راجع بالتفصيل ترجمة، يوسف العجمي في: زبارة/ نشر العرف ٣/ ٤٠٠ - ٤٠٣، كما أشار إليه الشوكاني في ترجمة محمد بن إسماعيل الأمير، انظر البدر الطالع ٢/ ١٣٤.
[ ٦٣ ]
رسمه للباحثين في هذا الكتاب، فيقع في الأخطاء التي حذَّرهم من الوقوع فيها، فإما أن يقع في التقليد دون أن يشعر، أو ينساق وراء عواطفه وانفعالاته، فتأتي آراءه أو أحكامه، بعيدة عن الإنصاف والموضوعية، وسنعرض هنا لمسألتين وقع منه الخطأ فيهما:
١ - مطالبته بإنزال عقوبة الإعدام على بعض المقلدين، بتهمة الكفر والزندقة: لاحظنا فيما سبق، وجود بعض المقلدة في أوساط الزيدية، ونقد الشوكاني العنيف لهم، ولكن البعض من هؤلاء المقلدة - كما يفهم من كلام الشوكاني - قد أدى بهم الإفراط في التقليد والغلو في التشيع إلى تجاوز الحد في التطرف والتعصب لوجهة نظرهم، فأصبحوا لا يتورعون، أثناء دفاعهم. عن وجهة نظرهم تلك، في أبحاثهم أو مناقشاتهم عن التطاول على كبار الصحابة، والعلماء الذين يخالفون وجهة نظرهم وسبَّهم وسلب أعراضهم، بل وصل بهم الأمر كما يقول الشوكاني إلى التهاون بالشريعة والتلاعب بالدين والطعن علي الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، فضلًا عن غيرهم من المتمسكين بالشرع، وكل عارف إذا سمع كلامهم وتدبر أبحاثهم يتضوع له منها روائح الزندقة بل قد يقف منها على صريح الكفر … " (ص ٢١٠).
ولذلك طالب الشوكاني بتطبيق حكم الأعدام ضد هؤلاء بتهمة الكفر والزندقة. مستدلًا بأحكام القضاة (في غير اليمن) ضد أمثال هؤلاء وناعيًا على اليمنيين عدم تطبيق مثل هذه الأحكام: ولقد كان القضاة من أهل المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية (أي العثمانية) .. يحكمون بإراقة دم من ظهر منه دون ما يظهر من هؤلاء حسبما تحكيه كتب التاريخ، وقد أصابوا أصاب الله بهم" (ص ٢١٠ - ٢١١).
ولكن من حسن حظ اليمن واليمنيين، وحظ الشوكاني أيضًا، أن هذه الفكرة لم تصل إلى مرحلة التطبيق العملي لأن الظروف لم تكن مهيئة لذلك
[ ٦٤ ]
(راجع ص ٢١١ - ٢١٢) وإلا لما كان هناك أي فارق بين عمله وعمل محمد بن عبد الوهاب الذي يستنكره الشوكاني (^١).
ولذلك آثر التريث عن تبني إخراج تلك الفكرة إلى حيز التنفيذ العملي، حتى تحين الظروف المناسبة مع إصراره على التمسك بصواب فكرته والتحسر على عدم تنفيذها، فيقول:
"وبعد فإني أرجو الله أن يمكن منهم فتجرى عليهم الأحكام الشرعية وينفذ فيهم ما يقتضيه مُرَّ الحق ونص الدليل، وقد علم الله أني أجد من الحَسْرة والتلهف ما لا يقادر قدره ولا يمكن التعبير عنه لأنه ليس بتغاض عن مبتدع ولا بمجرد سكوت عن انتهاك حرمة من حرمات الشرع، بل هو سكوت عن الكفر .. " (ص) (٢١١).
ويضيف: "فبهذه الأسباب علمت أن قيامي عليهم لا يجدي إلّا ثوران فتنة وظهور محنة، .. اللهم إني اشهدك وأنت خير الشاهدين، أني أول حاكم بسفك دم من صدر منه ذلك، وأول مُفتٍ بقتل من فعل شيئًا منه أو قال به عند أول بارقة من بوارق العدل .. " (ص ٢١٢).
فنحن نجد أن أقواله هذه التي "لا تخلو من الشطط وحِدَّه العاطفة" كما يقول الدكتور: إبراهيم رفيدة (^٢) قد جاءت مخالفة لدعوته في هذا الكتاب للعلماء لاستعمال الرفق، والتلطف عند قيامهم بمهمة الإصلاح والتغيير،
_________________
(١) انظر قصيدته التي يستنكر فيها أعمال صاحب نجد على تكفيره للناس وسفك دمائهم والتي مطلعها: إلى الدرعية القرآء تسري … فتخبرها بما فعل الجنود في: التقصار للشجني ص ١٨٠ - ١٨٢.
(٢) د. إبراهيم عبد الله رفيدة، الإمام محمد بن علي الشوكاني العالم المجتهد المفسر، مجلة "دراسات يمنية" العدد (٤٠) صيف ١٩٩٠ ص ٣٤٤.
[ ٦٥ ]
واعتماد أسلوب الحوار والإقناع في التعامل مع المخالفين والمتعصبين، وأن يتعاملوا مع الناس على قدر عقولهم واستعداداتهم وينصحهم بألّا يتسرب اليأس إلى نفوسهم، وينصحهم بالتحلي بالصبر فلا بدّ أن يعثروا على الوسيلة المناسبة لنشر العلم وتغيير الأفكار والعادات البعيدة أو المخالفة للإسلام، وأن أقل شيء يستطيع العالم أن يفعله مع أشد الناس تعصبًا، أن يقلل من درجة تعصبه، إذا لم يتمكن من إصلاحه (انظر ص ١٦٠ - ١٦٥، ١١٣ - ١٢١).
كما أن رأيه هذا جاء متعارضًا كذلك مع آرائه في مسألة تكفير الخصوم والمخالفين من أهل القبلة التي ضمنها معظم كتبه وأوضح فيها مخاطر التكفير، وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع وعلى الإسلام (^١).
ونجد أن مواقف الشوكاني تجاه هؤلاء المقلدين وأسباب حدّته عليهم، متشابه إلى حد كبير، مع ظروف ومواقف ابن حزم الأندلسي تجاه هذه الفئة، إذ يعلل الأستاذ: المكي إقلايينه لمواقف ابن حزم تجاه المقلدين ونقده العنيف لهم ترجع إلى كراهيته للتقليد - فالتقليد غير مقبول عنده - أما السبب المباشر، فيرجع إلى تهجمهم عليه وكيدهم له (^٢).
وكذلك الشوكاني، فهو بالإضافة إلى تحريمه للتقليد، ونقده للمقلدة،
_________________
(١) انظر عن تراجع الشوكاني عن تكفير المتصوفة: البدر الطالع ٢/ ٣٧، عن آرائه في خطورة التكفير راجع: وبل الغمام في شفاء الأوام (مخطوط) ص ٣٩ - ٤٠، الصوارم الحداد (مخطوط) ص ١٥٣؛ قصيدته التي سبق الإشارة إليها في: التقصار ص ١٨٠ - ١٨٢ وفي بعض رسائله مثل: كلام على حديث بني الإسلام على خمس (مخطوط)؛ بحث في الصلاة على المديون (مخطوط)؛ السيل الجرار ٤/ ٥٧٨، إرشاد الفحول ص ٢٦٠.
(٢) انظر المكي إقلايينة، ابن حزم الأندلسي وأثره في الدراسات الحديثية ١/ ٦٩ - ٨٢ نقلًا عن: النظم التعليمة عند المحدثين في القرون الثلاثة الأولى (لنفس الباحث)، قطر: (سلسلة كتاب الأمة رقم ٣٤) (رجب ١٤١٣ هـ) ص ١٢٧ (هامش).
[ ٦٦ ]
قد تعرض للمضايقة والأذى من هؤلاء المقلدين وكتابه هذا (أدب الطلب) طافح بالمرارة والشكوى منهم ومما ألحقوه به من ألوان العنت والأذى. ولهذا جاء موقفه الأخير (اتهامهم بالكفر والزندقة) أقرب ما يكون إلى العاطفة وردود الفعل منه إلى الحياد والموضوعية فانسياقه وراء هذه العواطف والانفعالات، جعلته يبتعد عن منهجه ومواقفه السابقة من التكفير - كما أشرنا - ودفعته إلى تصويب أحكام الإعدام التي أصدرها القضاة خارج اليمن ضد المخالفين في الرأي، وقبوله لها دون أن يخضعها للتمحيص والنقد إذ لو فعل ذلك ودرس حالة المحكوم عليهم بتلك الأحكام لتبين له أن الدوافع الحقيقية لإعدام معظم من اتهم بالزندقة، ابتداء من إعدام الجعد بن درهم، وغيلان الدمشقي مرورًا بابن المقفع وأحمد بن نصر الخراعي .. وحتى عصر المؤلف كانت دوافعها سياسية أكثر منها دينية (^١).
٢ - أما الخطأ الثاني الذي وقع فيه الشوكاني في هذا الكتاب، فمتعلق بالشروط أو المواصفات الأساسية التي ينبغي توفرها في طالب العلم: يرى الشوكاني أن الشرط الأساسي في المتعلم أن يكون من ذوي
_________________
(١) توصل سلف الشوكاني العلامة محمد بن إسماعيل الأمير (ت ١١٨٢ هـ) إلى جانب من هذه النتيجة في ردّه على محمد بن عبد الوهاب، الذي اتخذ من حادثه قتل خالد القسري للجعد بن درهم دليلًا على مسلكه في قتل المخالفين لدعوته، واعتبر سكوت بقية الصحابة والتابعين على هذه الحادثة إجماعًا منهم على قتل صاحب البدعة .. إلخ فيقول ابن الأمير عن الصراع الدائر بين عبد الملك بن مروان، وابن الزبير والمختار بن عبيد إن هؤلاء أقوام طلاب ملك ودنيا لا يستدل بأفعالهم عاقل .. بل هؤلاء أقوام يسفكون الدماء بطلب الملك فأفعالهم دولية لا دليلية (أي سياسية لا دينية) وقتل الجعد بن درهم عمل من أعمال الطغيان والاستبداد لم يستشر قاتله أحدًا من العلماء .. فكيف يُدعى الإجماع على قتله. انظر: محمد بن إسماعيل الأمير/ النشر الندي بحقيقة محمد بن عبد الوهاب النجدي، ضمن مجموع رسائل ابن الأمير (مخطوط) ق ٢٥ وما بعدها.
[ ٦٧ ]
"الحسب والنسب" فيقول: فإن قلت: وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلًا لوضع العلم فيه وتعليمه أياه؟ قلت: هي شرف المَحْتَد وكرم النَّجَار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له تعلق بالعلم والصلاح ومعالي الأمور ورفيع الرتب … " (ص ٢١٣).
فهذه الطبقة الاجتماعية هي التي يراها أهلًا للعلم، أما غيرها من فئات وطبقات المجتمع وخاصة تلك التي تزاول الأعمال والمهن الإنتاجية أو الحرف والأعمال اليدوية فلا يراهم أهلًا لتلقي العلم … بل ويوصي بإبعادهم وطردهم من مجالس العلم … وإلزامهم بممارسة مهن آبائهم لأن تعليمهم إنما هو بمثابة وضع العلم في غير أهله (ص ٢١٩). ويؤكد رأيه بأن هذه الفئات لا تصلح للعلم نهائيًا وإن وجد منهم أفراد قلائل فإنما يعود ذلك إلى النسب الرفيع الذي قد يكون غير معلوم في سلفهم "ومن أنكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع فإنه سيجد ما وجدناه ويقف على ما حكيناه ولا يخرج من هؤلاء إلّا النادر القليل، ولا يكون ذلك إلّا لعرق ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم وإن جهله من لم يعرف .. " (ص ٢١٥).
فهذه النظرة والحكم الجائر من الشوكاني ﵀ لا تتعارض مع منهجه وآرائه في معظم كتبه (^١). ولا مع إنصافه وتسامحه فحسب، ولكنها تتعارض مع جوهر الدين الإسلامي الذي يرفض التمييز بين اتباعه، بل يرفض التمييز بين البشر فكلهم لآدم وآدم من تراب، والأكرم عند الله هو الأتقى (^٢).
_________________
(١) يصور موقف الشوكاني في هذه المسألة، وكأنه قد تراجع عن موقفه السابق الذي أعلنه عام ١٢١٦ هـ أي قبل تأليف هذا الكتاب بسبع سنوات عندما دعا إلى نشر وتعميم التعليم في جميع القرى والمدن اليمنية، كما جاء في رسالته: الدواء العاجل في دفع العدو الصائل، ضمن الرسائل السلفية القاهرة: (١٩٣٠ م) ص ٣٥.
(٢) عبد العزيز المقالح / قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢٤٢.
[ ٦٨ ]
وهذه الهفوة من المؤلف، يمكن إرجاعها - كسابقتها - إلى التقليد والانسياق وراء العواطف .. فموقف الشوكاني من هذه الفئة الاجتماعية ونظرته إليها مستمدة من النظرة الاجتماعية السائدة في عصره: إذ كانت النظرة الاجتماعية آنذاك - وما تزال بعض رواسبها قائمة حتى الآن - إلى أصحاب الحرف والمهن اليدوية والإنتاجية، نظرة دونية، ويتم تصنيفهم ضمن الطبقات والفئات الدنيا في المجتمع، وكانت التقاليد الاجتماعية، تقضي بوجوب توارث الأبناء لتلك الحرف عن الآباء كما يرثون عنهم نفس الوضع والمكانة الاجتماعية.
ويبدو أن اشتراك بعض المتعلمين من هذه الفئة الاجتماعية في الحملات المتكررة التي شنها عليه المقلدون والمتعصبون، قد أسهم في تعزيز وجهة نظر المؤلف السيئة نحو هذه الفئة.
وإثبات خطأ وجهة نظر المؤلف في هذه المسألة لا يحتاج إلى المزيد من الأدلة، فقد بيّن الشوكاني نفسه في ثنايا هذا الكتاب، عدم التلازم بين العملية التعليمية والوضع الاجتماعي للمتعلم، كما وضح كذلك العوامل المؤثرة في التعليم:
فهو يرى أن المعارف ليست حكرًا على طبقة أو فئة من الناس مهما علت منزلتها، ولا يقتصر فهمها واستيعابها على أبناء جيل دون جيل، بل هي متاحة لكل من أقبل عليها فلا مدخل في العلم لعصبية ولا مجال عنده لحمية (انظر ص ٨٤، ١٦٤) كما أكّد على أن الاختلاف بين الناس في مدى استفادتهم من العلم والتعليم إنما يرجع إلى اختلافهم في القدرات والميول والمواهب والاستعدادات الفطرية (الذكاء) وليس بحسب اختلاف أنسابهم: "ويختلف الانتفاع بالعلوم، باختلاف القرايح والفهوم فقد ينتفع من هو كامل الذكاء
[ ٦٩ ]
صادق الفهم سوي الإدراك بالقليل، ما لا يقدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامدي الفهم وراكدي الفطنة ص (٢٢٢).
ويتأثر مستوى التحصيل العلمي كذلك باختلاف الرغبات والدوافع والجهد (الهمم) واختلاف الأهداف المتوخاة من وراء العملية التعليمية: "إنه لما كانت تتفاوت المطالب في هذا الشأن (أي شأن طلب العلم) وتتباين المقاصد بتفاوت همم الطالبين وأغراض القاصدين، فقد ترتفع همة البعض منهم فيقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع، ومقدماته يكون عند تحصيلها إمامًا مرجوعًا إليه .. وقد تقصر همته عن هذه الغاية فيكون غاية مقصده أن يعرف ما طلب منه الشرع .. " (ص ١٧٩ - ١٨٠).
فالعملية التعليمية تتوقف على الدوافع التي تدفع إليها، فالذي لديه رغبة في التعليم يتعلم أسرع من المجبر عليه، ويلاحظ أن قوة الدوافع للعلم عند أبناء الطبقات الفقيرة أو الدنيا في المجتمع بشكل يفوق مثيله، عند أبناء الطبقات العليا أو المترفة في نفس المجتمع، ويدل على ذلك كثرة العلماء الذين برزوا من أبناء الفقراء، أو أبناء الطبقات المضطهدة (كالموالي مثلًا)، لأن الطالب المنتمي إلى هذه الفئة يحاول أن يكمل بالعلم ما بدا فيه من نقص، ويعوض به ما فقده من الجاه أو الحسب، أما بعض الطلاب الذين ينتمون إلى فئة أرقى من هذه الفئة، فقد يقتصر هدفهم من التعليم على المحافظة على الوضع الاجتماعي أو الوظيفي لسلفه، وفي ذلك يقول الشوكاني عن فئة من الطلاب من أبناء الأسر العريقة في النسب الذين تقتصر دوافعهم على "إدراك منصب من منصاب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم كما نشاهده في أغلب البيوتات المعمورة بالقضاء، أو الإفتاء الخطابة أو الكتابة". فهذا الطالب "يكون ذهنه كليلًا وفهمه عليلًا ونفسه
[ ٧٠ ]
خائرة ونيته خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه … " ص (٢١٦ - ٢١٧).
* * *
يبدو أننا قد أسهبنا في تناول هذه الأخطاء أو الهفوات - القليلة - الواردة في هذا الكتاب، وليس ذلك منا إلا من قبيل الوفاء للشوكاني، ولمنهجه العلمي الذي رسمه للباحثين في كتابه هذا، والذي من أهم مقتضياته إعمال العقل وطرح التقليد، والتخلص من هالة القداسة نحو الأشخاص والأفكار.
وبالرغم من وجود مثل هذه الهفوات أو الزلّات في هذا الكتاب، والتي نتمنى - كما تمنى قبلنا الدكتور عبد العزيز المقالح - لو خلى الكتاب منها (^١) إلا أن ذلك لا يقلل من شأن الكتاب أو أهميته، بل ربما كان وجودها أكثر فائدة وأبلغ أثرًا لتقدم الدليل والعبرة، من خلال الشوكاني نفسه، على مساوئ التقليد والابتعاد عن قواعد المنهج العلمي.
_________________
(١) عبد العزيز المقالح/ قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة ص ٢١٧، ٢٤١ - ٢٤٢.
[ ٧١ ]